عمرو حمزاوي يكتب: أو كما قال فلان… عن أزمة الأكاديميا المعاصرة — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

عمرو حمزاوي يكتب: أو كما قال فلان… عن أزمة الأكاديميا المعاصرة

عمرو-حمزاوي-يكتب-أو-كما-قال-فلان-عن-أزمة-الأكاديميا-المعاصرة

من بين الأمراض العضال واسعة الانتشار في الدوائر الأكاديمية والتي تجعل من معاهد البحث العلمي أبراجا عاجية بعيدة عن أزمات المجتمعات وهموم الناس، يندرج داء إسقاط الأسماء في خانة الأمراض الأكثر خطرا.

والمقصود هو أن الكثير من الأكاديميين يعمدون في ثنايا محاضراتهم وبين أسطر كتاباتهم إلى الإحالة المتكررة لأسماء علماء وفلاسفة وباحثين بارزين، ويستدعون بصورة سطحية أفكارهم وأعمالهم للتدليل الزائف على صحة ما يقولون أو يكتبون. ولا يقتصر داء إسقاط الأسماء على الدوائر الأكاديمية في البلدان النامية حيث يعوق شظف الحياة طلب العلم ويحرم من رفاهية إعمال العقل في القضايا الفلسفية، بل يمتد إلى الأكاديميات الغربية التي تفقد اليوم شقا معتبرا من تميزها إن بسبب تراجع المخصصات المالية التي تقدمها لها الحكومات أو بفعل انجذاب الخريجين المتفوقين للعمل في القطاع الخاص وابتعادهم عن الجامعات ذات المرتبات الضعيفة.

في محاضرة له عن مفهوم «التطور البيولوجي» أسقط عالم بيولوجيا أوروبي اسم تشارلز داروين مرات عديدة واستدعى مؤلفه «أصل الأنواع» (نشر في 1859) في معرض الحديث عن الاستخدامات الأولى لكلمة التطور (بالإنكليزية evolution ) في علم البيولوجيا. كنت بين المستمعين إلى المحاضرة، وبجواري جلس مؤرخ

أوروبي كان يبدي بين الحين والآخر شيئا من الامتعاض كلما ذكر اسم داروين.

بمجرد انتهاء المحاضرة، همس المؤرخ في أذني قائلا «لا يذكر داروين كلمة التطور مرة واحدة في كتابه. فهو يحلل وفقا لعلم النصف الثاني من القرن التاسع عشر عمليات التطور البيولوجي، لكنه لا يستخدم الكلمة. والحقيقة أن الاستخدامات الأولى للتطور في الكتابات العلمية جاءت في الأعمال الفلسفية وعلم التاريخ، ولم تأت من العلوم الطبيعية». وقد كان المؤرخ على صواب. فقد استعرت «أصل الأنواع» من مكتبة الجامعة التي أعمل فيها، ولم أعثر في صفحاته على إشارة واحدة لكلمة التطور.

تعقيبا على شرح من رسامة أمريكية للخواطر والمشاعر والأفكار التي تحملها لوحاتها وأحاطت بجنبات قاعة جامعية جميلة تواجدت فيها للحديث عن إبداعها الفني، تعملق أنثروبولوجي أمريكي (وعلم الأنثروبولوجيا هو علم دراسة حياة وثقافة ولغة الجماعات البشرية صغيرة العدد والمترابطة عبر علاقات الزواج والأنساب) وقال إن اللوحات المعروضة ذكرته «بتحليل سيغموند فرويد لتداعيات العلاقات الجنسية أو بالأحرى الحرمان الجنسي على الإنسان وإبداعه الفني والثقافي» ثم أسهب في جمل متتالية الحديث عن وجوه النساء في اللوحات وآثار الحرمان الجنسي الظاهرة عليهن سائلا الرسامة عما إذا كن يعبرن عن حياتها هي الشخصية وليس فقط نتاج لإبداعها الفني.

الكثير من الأكاديميين يعمدون في ثنايا محاضراتهم إلى الإحالة المتكررة لأسماء علماء وفلاسفة وباحثين بارزين ويستدعون بصورة سطحية أفكارهم وأعمالهم للتدليل الزائف على صحة ما يقولون


جاء الرد هادئا وبليغا للغاية وكاشفا لتهافت إسقاط اسم سيغموند فرويد وزيف استدعاء تحليله للعلاقة بين الحرمان الجنسي والإبداع، ببساطة لأن فرويد لا يتناول الإبداع في كتاباته. قالت الرسامة الأمريكية أنها لا تمانع في ينظر إلى لوحاتها بعيون التحليل النفسي ولا تتحرج من مناقشة الجنس ودوره في الإبداع، غير أن الإحالة إلى فرويد غير دقيقة لكونه لم يبحث فيما خص الجنس إلا عن تأثيره على الأمراض النفسية وعلى الاضطرابات الإدراكية واللغوية التي يعاني منها المرضى النفسيون. عاود الأنثروبولوجي الكرة مجددا، مسقطا اسم عالم لغويات ألماني (فيتجنشتاين) للدفع «بالصلة الوثيقة بين الإدراك واللغة والإبداع» ومؤكدا على أنه يرى تحليل فرويد هكذا. باءت مساعي إسقاط الأسماء أيضا بالفشل في الكرة الثانية، حيث تداخل في النقاش عالم نفس هندي مجال تخصصه هو كتابات فرويد وشدد على أن مفهوم الإبداع لا أثر له في كتابات العالم النمساوي.

من بين الفلاسفة المعاصرين الذين يحيل إليهم علماء السياسة والاجتماع مرارا وتكرارا بصيغة «أو كما قال» يتصدر اسم الفرنسي ميشيل فوكو القائمة الطويلة. وفوكو وإن رحل عن عالمنا منذ سنوات، إلا أنه يظل فيلسوفا معاصرا بحساب القضايا التي عالجتها كتاباته. ومن بين الأفكار العديدة التي تناولها فوكو في كتاباته، يعشق علماء السياسة والاجتماع استدعاء مقولته عن كون المعرفة تمثل قوة. يستدعونها في سياقات مناسبة أحيانا، وفي العديد من الأحيان في سياقات غير مناسبة.

هكذا وفي الجامعة التي أعمل بها، ألقى منذ أيام أستاذ أوروبي يدرس القانون الدستوري في جامعات مرموقة محاضرة عن «التحديات الدستورية في الديمقراطيات المأزومة» أسقط خلال دقائقها الطويلة اسم فوكو وأحال إلى «المعرفة كقوة» عشرات المرات. ركزت المحاضرة على القوانين السلطوية التي تمررها الحكومات الشعبوية في أوروبا (خاصة في شرق ووسط القارة) والكيفية التي تهدد بها من جهة حقوق الإنسان والحريات الأساسية وتفرغ بها من جهة أخرى الضمانات الدستورية للعدالة. تناول المحاضر بالشرح نصوص القوانين المقيدة للحق في اللجوء ولحرية التعبير عن الرأي ولحق الأجانب في الحصول على الضمانات الاجتماعية، وفسر أوجه التناقض بين تلك القوانين وبين الدساتير الأوروبية وبينها وبين أحكام القضاء الدستوري في الدول الأوروبية، وحلل تداعيات كل ذلك على الحكومات الديمقراطية التي تعاني من أزمات سياسية واقتصادية عديدة.

غير أن الرجل دأب على الاستشهاد بفوكو ومقولة «المعرفة هي القوة» كلما انتقل من قانون سلطوي إلى آخر ومن دولة أوروبية إلى أخرى دون أن يبين مبتغاه أو يوضح العلاقة بين موضوع المحاضرة وبين المحال إليه والمستشهد به. بل أن المداخل الأكاديمية لدراسة القوانين والدساتير وتحولاتها في الديمقراطيات وغيرها يندر أن تنطلق من أفكار فوكو عن المعرفة والقوة وعادة ما تنظر في تعبير القانون عن حقائق القوة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المجتمع (القوة تصنع الحق) وتدرس توظيف القانون وهو نسبيا سهل التغيير والتعديل إذا ما قورن بالدستور في الحد من فاعلية مبادئ ومواد دستورية تجاوزتها حقائق القوة.

إسقاط الأسماء هو داء عضال في الدوائر الأكاديمية المعاصرة، وسبب مباشر لانصراف عموم الناس عن متابعة نقاشات عقيمة تستدعى بها أفكار علماء وفلاسفة وباحثين بارزين دون شرح أو تدقيق. وحسنا يفعل الناس بالانصراف عن أكاديميين يظنون أن إسقاط الأسماء هو سبيلهم لانتزاع آهات الإعجاب بعد إلقاء المحاضرات ولا يتحرجون من استدعاء أفكار لم يحيطوا بها علما عوضا عن التفاعل النقدي مع الأزمات الحياتية الكبرى التي تحيط بنا من نظام بيئي ينهار إلى حريات فردية تنتهك يوميا بفعل برامج تجسس لا سيطرة للقانون عليها.


(القدس العربي)