عمرو حمزاوي يكتب: في تفكيك التشكيك في الديمقراطية الليبرالية — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

عمرو حمزاوي يكتب: في تفكيك التشكيك في الديمقراطية الليبرالية

عمرو-حمزاوي-يكتب-تفكيك-التشكيك-الديمقراطية-الليبرالية

في تسعينيات القرن العشرين بدت الديمقراطية الليبرالية كالنموذج الإنساني الأفضل لإدارة علاقة الدولة بالمجتمع والمواطنين، وفي بدايات العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين تستعر حملة عاتية مضادة للديمقراطية الليبرالية تضخم من نواقصها بهدف القضاء على مصداقيتها وتطرح كبديل لها صياغات سلطوية تنزع نحو تقييد حركة المجتمع وإلغاء العديد من حريات المواطنين.

ولهذا التغير الجذري خلفيات ثلاث رئيسية تشكلت في سياقات مجتمعية وسياسية متمايزة، وباتت تقدم مرجعية للتشكيك في الديمقراطية الليبرالية والتنصل منها. من جهة أولى، اقترنت خبرة التحول من الحكومات السلطوية إلى الحكومات الديمقراطية في بعض دول شرق ووسط أوروبا في خواتيم ثمانينيات وبدايات تسعينيات القرن العشرين بانهيار النظام العام والتدهور المستمر في الأوضاع المعيشية لأغلبيات واضحة من المواطنين وتوالي فضائح فساد كبرى تورطت بها قيادات النخب الديمقراطية الجديدة من سياسيين ورجال أعمال. ورتب ذلك بين قطاعات شعبية مؤثرة شيوع نظرة سلبية للديمقراطية رادفت بينها وبين الفوضى.

وقد جسدت روسيا الاتحادية طوال سنوات حكم الرئيس الأسبق بوريس يلتسين والتي امتدت من منتصف 1991 إلى نهاية 1999، جسدت تلك النظرة السلبية بجلاء شديد وتواكب معها انهيار فاعلية مؤسسات الدولة وتراجع حاد في الدور العالمي لروسيا التي استحالت من قوة عظمى إلى دولة من الدرجة الثانية.

لم تتوقف روسيا الاتحادية عن استجداء معونات الغرب الاقتصادية، ولم يتوقف جموح الغرب لأن ينتزع منها كل ما يريد من تنازلات جيو استراتيجية وسياسية. ولم تستعد بها مؤسسات الدولة شيئا من الفاعلية إلا حين انتهت تجربة التحول الديمقراطي وأعاد فلاديمير بوتين التأسيس لحكم سلطوي وسيطرة أمنية.

ثم رتبت أحداث العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في دول كجورجيا وأوكرانيا، وبهما اندلعت انتفاضات جماهيرية وصفت بالثورات الديمقراطية (وأحيانا بالثورات الملونة) غير أنها أسفرت عن تعطيل الحياة الدستورية والسياسية لفترات طويلة ودفعت إلى الواجهة بنخب حكم يرد على التزامها بمبادئ الديمقراطية العديد من الشكوك، رتبت تلك الأحداث تجديد اقتران التحول الديمقراطي بأخطار الفوضى وانهيار النظام العام وغيبت المضامين الإيجابية للديمقراطية مثل سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وحماية حريات المواطنين المدنية والسياسية والاقتصادية.

وعلى الرغم من أن بدايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين حملت نذر سقوط حكومات سلطوية وبشائر تحولات ديمقراطية ناجحة في بلاد العرب، إلا أن انتفاضات الربيع العربي (2011) اقترنت بالفوضى وانهيار النظام العام هنا وانهيار مؤسسات الدولة الوطنية والحروب الأهلية والقتل والدمار هناك ولم تصن حقوق وحريات الناس في جميع الأحوال على نحو دفع قطاعات شعبية مؤثرة إلى التخلي عن طلب الديمقراطية وتفضيل العودة إلى سلطويات مستقرة هنا والحفاظ على المتبقي من الدول الوطنية هناك.

من جهة ثانية وفي مقابل إخفاق بعض الديمقراطيات الجديدة في إدارة شؤون الدولة والمجتمع وتزايد المعاناة المعيشية لمواطنيها وتعثر تجارب التحول الديمقراطي في بلدان أخرى، اكتسبت في بدايات العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين نماذج للحكم السلطوي جاذبية عالمية. فالنموذج الذي يعبر عنه العملاق الصيني بتطبيقه لاقتصاد السوق الرأسمالي بنجاح دون انفتاح سياسي، وكذلك الحالة التي أحدثها فلاديمير بوتين في روسيا الاتحادية حيث أعاد بخليط من الحكم السلطوي والسيطرة الأمنية بناء مؤسسات الدولة ومقومات النظام العام مضحيا بالحريات المدنية والسياسية للمواطنين وضامنا استمرارية اقتصاد السوق ومصالح المسيطرين عليه من كبار رجال الأعمال؛ كلاهما صار يتمتع بمصداقية عالمية متصاعدة كبديل للديمقراطية الليبرالية.

يبقى فقدان المواطن لحرياته المدنية والسياسية ولحقوقه الأساسية في الحالات السلطوية المعاصرة سببا في معاناة وعزوف ولاحقا تمرد قطاعات مؤثرة من المواطنين طلبا للحرية تماما مثلما يبقى الاستقرار الذي تحققه الحكومات السلطوية أمرا مراوغا


اليوم، تنظر نخب حكم غير غربية كثيرة، ومن بينها نخب الحكم العربية، بانبهار صريح إلى النموذج الصيني بمعدلات نموه الاقتصادية العالية وإلى النموذج البوتيني الذي استرجعت معه روسيا شيئا من عافيتها الداخلية ودورها العالمي، وتعمد إلى الإشادة بالنموذجين للتدليل على أن تطبيق مبادئ الديمقراطية الليبرالية ليس بضروري لإنجاز الأهداف التنموية للمجتمعات ومعالجة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة. بل أن بعض نخب الحكم غير الغربية صار يرى في الامتناع عن تطبيق مبادئ الديمقراطية شرطا رئيسيا لحماية المجتمعات من أخطار الفوضى وانهيار النظام العام.

من جهة ثالثة، يرتبط التشكيك الراهن في الديمقراطية الليبرالية والحملة العاتية عليها بالأوضاع القائمة في مجتمعات الغرب الأمريكي والأوروبي ويكتسب أبعاده الزمنية في علاقة مباشرة بالصعود السياسي لحركات اليمين المتطرف والحركات الشعبوية.

فإذا كانت دعائم الديمقراطيات الغربية هي حكم القانون والرقابة على أصحاب السلطة والنفوذ بجانب تداول الحكم وحماية الحريات وحقوق الإنسان كضمانات لتحقيق الصالح العام، فالظروف التي تصاحب النجاحات الانتخابية المتتالية لليمين المتطرف والحركات الشعبوية في أوروبا وأمريكا الشمالية تظهر بوضوح اهتزاز دعائم الديمقراطية في الغرب.

فساد وتجاوزات شخصية ومهنية ممنهجة وتراجع شامل لفاعلية السلطات العامة والحكومات في مواجهة سطوة المصالح الكبرى في القطاع الخاص، صارت الرأسمالية التي يرفع الغرب لواءها رأسمالية متوحشة تديرها أقلية من المنتفعين والنافذين غير المعنيين بالصالح العام والديمقراطية الليبرالية باتت سبيلا لصعود المتطرفين السياسيين ووصولهم إلى مواقع الحكم ممتهنين للحقيقة والعقل كما دلل على ذلك انتخاب دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية 2016 ـ 2020.

على مثل هذه النواقص التي ترد على الديمقراطية الليبرالية ونظمها الاقتصادية والسياسية تزايد نخب الحكم السلطوية، ومنها ينطلق المشككون في الديمقراطية للتمادي في إعلان فشل آليات الديمقراطيات الغربية الانتخابية والقانونية والرقابية والسياسية وإصدار حكم نهائي مفاده إخفاقها في ضمان الصالح العام للشعوب ومن ثم عدم صلاحيتها للتطبيق عالميا.

على الرغم من تنوع سياقات التشكيك في الديمقراطية الليبرالية واتساع مداها الجغرافي ليشمل الديمقراطيات الجديدة في شرق ووسط أوروبا والتحولات الديمقراطية المتعثرة في العديد من مناطق العالم ومن بينها بلاد العرب والشرق الأوسط واتساعه ليشمل أيضا أزمات الديمقراطيات الغربية، تظل الحملة العاتية على الديمقراطية عاجزة عن تقديم إجابات مقنعة على التساؤلات المشروعة بشأن نواقص ومخاطر السلطوية المطروحة كبديل. فالصين وروسيا تعانيان من صعوبات مشابهة للدول الغربية لجهة الحد من الفساد والحيلولة دون توحش الرأسمالية واقتصار عوائدها على أقلية كبار المنتفعين والنافذين. بل المؤكد هنا هو أن إشكاليات الحكومات السلطوية، وعن أغلبيتها تغيب آليات التصحيح الذاتي الحاضرة في الديمقراطيات، ربما كانت أعنف وأخطر.

وإذا كان الدفع بأولوية الحفاظ على الاستقرار وحماية النظام العام ومنع الفوضى لا يعدم الأهمية السياسية ويستحيل إنكار أثره في سحب الناس بعيدا عن ساحات المطالبة بالديمقراطية خوفا من انفجارات وانهيارات تهدم الدول والمجتمعات، يبقى فقدان المواطن لحرياته المدنية والسياسية ولحقوقه الأساسية في الحالات السلطوية المعاصرة سببا في معاناة وعزوف ولاحقا تمرد قطاعات مؤثرة من المواطنين طلبا للحرية تماما مثلما يبقى الاستقرار الذي تحققه الحكومات السلطوية أمرا مراوغا وقصير العمر.