غير كافية.. استقالة قرداحي تفشل في إزالة الخلاف بين السعودية ولبنان — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

غير كافية.. استقالة قرداحي تفشل في إزالة الخلاف بين السعودية ولبنان

غير-كافية-استقالة-قرداحي-تفشل-إزالة-الخلاف-السعودية-لبنان

قدم وزير الإعلام اللبناني "جورج قرداحي" استقالته إلى الرئيس "ميشال عون" في 3 ديسمبر/كانون الأول، بعد شهر اتسم بأزمة دبلوماسية حادة بين لبنان والسعودية.

وأثار الوزير ضجة بعد أن وصف التدخل العسكري السعودي في اليمن بـ"غير المجدي" واعتبر أن الحوثيين يدافعون عن أنفسهم ضد الهجمات الخارجية. وكانت تصريحات "قرداحي" في برنامج تم تسجيله في أغسطس/آب، قبل أكثر من شهر من تعيينه وزيراً للإعلام.

وفي مواجهة ما اعتبرته إهانة واستفزازًا، ردت السعودية بتعليق العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع لبنان، وتلتها الإمارات والبحرين والكويت واليمن.

وفي مقابلة مع قناة "سي إن بي سي" قال وزير الخارجية السعودي إن "الحفاظ على العلاقات مع لبنان لم يكن مثمراً ولا مفيداً لمصالح المملكة بالنظر إلى هيمنة حزب الله على المشهد السياسي وعدم وجود إرادة لدى الحكومة اللبنانية لتنفيذ الإصلاحات اللازمة لإحداث تغيير حقيقي".

وبدعم من "حزب الله" و"تيار المردة"، رفض "قرداحي" سابقًا الاستقالة أو حتى تقديم اعتذار رسمي للسعودية. ولكن تغيير موقفه كان جزءا من وساطة فرنسية وقطرية على ما يبدو لوضع حد للأزمة.

ومن المرجح أن هذا التطور وحده لن يكون كافياً لتحسين العلاقات بين لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي. ووفقًا للمفكر اللبناني "جورج قرم" فإن لبنان لعب تاريخيًا دور الدولة العازلة بين الطموحات المتنافسة للقوى العظمى.

وأوضح "قرم" أن الأزمة التي أثارتها السعودية هي جزء من "سياسة تهدف إلى زعزعة استقرار لبنان لزيادة الضغط على حزب الله المناهض للسعودية والمؤيد للحوثيين". مضيفًا أن "السعودية تحتفظ بنفوذ كبير جدًا في لبنان، وعدد كبير من العملاء الذين تحشدهم لخدمة مصالحها في البلاد".

وفي عام 2017، حاولت السعودية تغيير الوضع الراهن من خلال إجبار رئيس الوزراء "سعد الحريري" على تقديم استقالته أثناء وجوده في السعودية، وذلك بسبب عدم قدرته على كبح نفوذ "حزب الله" في البلاد. وفي مواجهة الضغط الشعبي توحدت النخبة السياسية اللبنانية ضد التدخل السعودي ودعت إلى عودة رئيس الوزراء.

ومنذ ذلك الحين، انسحبت السعودية تدريجياً من لبنان الذي تعتبره تحت السيطرة الكاملة لـ"حزب الله". وظلت الدعوات المتتالية من السفراء الأمريكيين والفرنسيين إلى السعودية لتسهيل تشكيل الحكومة اللبنانية هذا العام حبرا على ورق، حيث لا تجد المملكة أي جدوى من التعامل مع بيروت. وقد انضم "حزب القوات اللبنانية"، الحليف الرئيسي للسعودية في لبنان، إلى معارضة النظام ولم يكن جزءًا من حكومة "ميقاتي".

وبعد توقيع اتفاق الطائف في عام 1989، كانت البلاد تحت الحماية السورية برعاية سعودية، وهو وضع فتح المجال للانقسام بين ائتلافي "8 آذار" الموالي لإيران و "14 آذار" الموالي للسعودية بعد الانسحاب السوري عام 2005.

وكانت الانقسامات الداخلية لتحالف "14 آذار"، وتعيين الرئيس "ميشال عون" (حليف حزب الله)، وكذلك فوز حركة 8 آذار في الانتخابات البرلمانية 2018، بمثابة عوامل اضطراب في العلاقات الثنائية. وفي الوقت الحالي، يبدو أن السعودية تتعامل مع لبنان على أنه امتداد لإيران في المنطقة.

ويعتقد "مايكل يونج"، الباحث في معهد "كارنيجي" للشرق الأوسط، أن أزمة "قرداحي" استُخدمت كذريعة لإثارة التوتر في لبنان، في سياق حوار سعودي إيراني هش.

وقد تزايد القلق السعودي بعد المكاسب الإقليمية التي حققها الحوثيون في الهجوم على مأرب بسبب أهميتها الاستراتيجية وثروتها النفطية وقربها من الأراضي السعودية. وفوق كل شيء، فهي آخر معقل للحكومة المدعومة من السعودية في شمال اليمن.

واتهمت العديد من وسائل الإعلام السعودية "حزب الله" بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للحوثيين بما في ذلك إرسال خبراء في الشؤون العسكرية والسياسية والإعلامية. علاوة على ذلك، يقال إن "حزب الله" شجع الحوثيين على تجنب التفاوض مع السعوديين لإنهاء هجوم مأرب.

وبالتالي، فإن الضغط الدبلوماسي السعودي على لبنان هو انتقام من إيران و"حزب الله" بسبب هجوم مأرب، وكذلك وسيلة لفرض مقايضة تضطر إيران بموجبها إلى إجبار الحوثيين على القبول بتسوية.

لذلك، فإن استقالة "قرداحي" تعتبر ضرورية ولكنها ليست كافية لتحسين العلاقات بين لبنان ودول الخليج، وقد كرر دبلوماسيون سعوديون هذا الموقف عدة مرات.

وتكشف هذه الأزمة عن انقسامات كبيرة داخل القيادة اللبنانية، وعدم قدرتها على الرد بشكل موحد في ظل غياب الإجماع الوطني على السياسة الخارجية. وبالفعل، فإن الحكومة التي تشكلت بعد 13 شهرًا من فراغ السلطة، لم تجتمع منذ 12 أكتوبر/ تشرين الأول بسبب الخلافات حول التحقيق في انفجار مرفأ بيروت.

وبعد وقت قصير من الإعلان السعودي، حاول رئيس الوزراء "نجيب ميقاتي" تخفيف التوترات بالقول إن "لبنان ملتزم بإقامة علاقات جيدة مع السعودية التي يدين التدخل في شؤونها"، في حين أن وزارة الخارجية نأت بنفسها عن هذه التصريحات.

وقد طالب الرئيس "عون" بـ حوار شفاف بين لبنان والسعودية و فصل بين قرارات الدولة اللبنانية ومواقف بعض الأفراد. لكن هذه الكلمات فشلت في إخفاء الانقسام الصارخ الذي كشفته الأزمة الدبلوماسية. وقد أدان "حزب الله" و"حركة أمل" و"تيار المردة" التدخل السعودي في الشأن اللبناني، فيما كشف كبار المسؤولين في رئاسة الجمهورية عن انزعاجهم من الموقف السعودي الذي يرون أنه لا يقوم على "الاحترام المتبادل".

وقد غرقت المؤسسة الدبلوماسية اللبنانية في اضطرابات إضافية بعد أن تسربت تصريحات وزير الخارجية "عبد الله بو حبيب" من قبل صحيفة "عكاظ" السعودية. ويقال إن رئيس الدبلوماسية اللبنانية انتقد السياسة السعودية تجاه لبنان وأكد أن المملكة "فرضت شروطا مستحيلة بمطالبة الحكومة بتقليص دور حزب الله". كما أعرب الوزيرعن أسفه لعدم اتصال السفير السعودي في بيروت أبدًا بالدبلوماسيين اللبنانيين لنزع فتيل الأزمة.

ويشكل عجز الحكومة اللبنانية خطرا كبيراعلى اللبنانيين الذين يعيشون في الخليج (يقدر عددهم بنحو 350 إلى 400 ألف فرد)، والذين يواجهون حالة من عدم اليقين بشأن مستقبلهم في البلدان المضيفة لهم.

وتعتقد "جنى جبور"، الزميلة المشاركة في الجامعة الأمريكية في بيروت، أنه "من المرجح أن تتخذ الحكومات السعودية والبحرينية والكويتية إجراءين من شأنهما إلحاق ضرر كبير بلبنان دون الإضرار بالعمال اللبنانيين وهما وقف الرحلات المباشرة إلى لبنان ووقف التحويلات المالية".

وقد تؤدي مثل هذه الإجراءات إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، حيث تمثل السعودية والكويت والإمارات 43% من مصادر التحويلات في عام 2020 و 27% من إجمالي صادرات لبنان.

وتقلل "جبور" من خطر الطرد الجماعي للعمال اللبنانيين، مضيفة أنه سيأتي بنتائج عكسية لأنهم يساهمون بنشاط في اقتصادات هذه البلدان. ومع ذلك، قررت الكويت بالفعل وقف إصدار التأشيرات للمواطنين اللبنانيين.

وبين الانقسامات السياسية الداخلية والتدخلات الخارجية، تعكس هذه الأزمة اضمحلال المؤسسات اللبنانية وافتقارها إلى السيادة. ومن المرجح أن تستمر معاناة لبنان بسبب التوترات السعودية الإيرانية التي تهدد بانهيار البلاد وعزلها عن جيرانها العرب.

المصدر | سامي إرشوف/ إنسايد أرابيا