فورين أفيرز: هكذا يمكن أن تسقط قمة الديمقراطية الأنظمة الاستبدادية — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

فورين أفيرز: هكذا يمكن أن تسقط قمة الديمقراطية الأنظمة الاستبدادية

فورين-أفيرز-هكذا-يمكن-تسقط-قمة-الديمقراطية-الأنظمة-الاستبدادية

كرر الرئيس الأمريكي "جو بايدن" تعهده بوضع ملف الديمقراطية في قلب سياسته الخارجية. ونفذت إدارته بالفعل جزءا من هذه الأجندة في ديسمبر/كانون الأول حيث عقدت قمة الديمقراطية مع شركاء من جميع أنحاء العالم. وقد جمع الحدث نحو 100 من القادة لمناقشة سبل مواجهة الاستبداد ومحاربة الفساد والدفاع عن حقوق الإنسان.

وكان يجب على واشنطن الاعتراف أولا بأن لديها تاريخ طويل في تغليب المصالح على مبدأ الدفاع عن الديمقراطية بالرغم من التصريحات والبيانات التي تطلقها. ويجب أن تدرك الولايات المتحدة أن هذه الازدواجية لن تكون مفيدة في الأعوام المقبلة.

وللبناء على الحماسة المتولدة عن القمة، يجب على الولايات المتحدة أن تنتقل بسرعة من مرحلة الكلام إلى العمل الملموس على الأرض. ويجب أن يشمل ذلك تطوير إطار عمل لتحديد الأماكن التي تتعرض فيها الديمقراطية للتهديد، وإعادة التأكيد على وضع الديمقراطية كأولوية مركزية في سياسات واشنطن تجاه أي دولة.

وبعد عام من المناقشات رفيعة المستوى، يحتاج "بايدن" في عامه الثاني كرئيس إلى أجندة تركز على العمل وليس الجولات الخطابية غير المكلفة.

المشهد من أعلى

وتوج مؤتمر الديمقراطية العام الأول من جهود "بايدن" لإعادة تأسيس الولايات المتحدة كداعم رئيسي للديمقراطية. وتضمن الحدث الافتراضي، الذي استمر لمدة يومين، ملاحظات من "بايدن" نفسه وخطبا مسجلة مسبقا من قبل رؤساء الوفود المشاركين وحلقات نقاش والعديد من الفعاليات الجانبية التي ضمت منظمات المجتمع المدني والممثلين الرسميين.

وتفاوتت تقييمات القمة على نطاق واسع. وأشار النقاد إلى إدراج دول مشكوك في نهجها تجاه الديمقراطية، وتساؤلات حول دور واشنطن كمضيف للمؤتمر نظرا للحالة المؤسفة للديمقراطية الأمريكية. وعلى النقيض من ذلك، وصف المتحمسون المؤتمر بأنه دليل على أن "بايدن" حريص على تعويض الإهمال الذي أظهره سلفه "دونالد ترامب" تجاه الديمقراطية في العالم.

ورغم أن التأثير الكامل للقمة ما يزال غير واضح، إلا أن المؤتمر خدم غرضين على الأقل. أولا، كان المؤتمر حدثا مهما للتأكيد علنا على أن الديمقراطية مركزية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة وأن "بايدن" ينوي العمل مع الدول الأخرى لتعزيز الديمقراطية في جميع أنحاء العالم.

ثانيا، سرعت القمة من عملية تطوير السياسات البيروقراطية. ومع تصميمه على تحقيق مجموعة من الإنجازات، حقق فريق "بايدن" تقدما ملموسا في الفترة التي سبقت الحدث من خلال تطوير مجموعة من المبادرات الجديدة التي تركز على الديمقراطية وحقوق الإنسان بما في ذلك المبادرات المتعلقة بتقديم الدعم لوسائل الإعلام المستقلة في جميع أنحاء العالم، ودعم آليات التأكد من أن الانتخابات حرة ونزيهة، والجهود المبذولة لتطوير التكنولوجيا لحماية العمليات الديمقراطية.

وكان تغليف الإدارة لهذه المبادرات في إطار "المبادرة الرئاسية للتجديد الديمقراطي" بمثابة إضفاء بريق لامع إلى حد ما على مزيج متواضع نسبيا من البرامج القديمة والجديدة. كما تجنبت الإدارة بعض القضايا المهمة ولكن الشائكة، مثل المساعدات الأمنية. ومع ذلك، فقد أسفرت القمة عن العديد من المبادرات الجديرة بالاهتمام، لا سيما فيما يتعلق بالجهود المحلية والدولية لمكافحة الفساد.

ومن غير المؤكد أن تخدم القمة غرضا ثالثا وهو الضغط على المستبدين لإجراء إصلاحات تمهد الطريق إلى الديمقراطية.

ومن المفترض أن تعلن الحكومات المشاركة عن التزامات جديدة بحلول أواخر يناير/كانون الثاني، مع تحديد الخطوات التي ستتخذها لإصلاح وتعزيز الديمقراطية في الداخل والخارج. ونأمل أن تنفذ هذه الحكومات تعهداتها خلال "عام العمل" بين القمة المنقضية والدورة المقبلة المقررة أواخر عام 2022.

ومع ذلك، فإن التزامات العديد من البلدان غامضة للغاية كما أن هياكل مراقبة التعهدات التي قطعتها الدول في القمة غير واضحة.


أجندة لمدة عامين

ومع بداية العام الجديد، تحتاج إدارة "بايدن" إلى الاهتمام بعدم تبديد الزخم الناتج عن القمة. وبعد عام من إصدار الإشارات وصياغة المبادئ وإعادة الاتصال بالشركاء والكشف عن مبادرات رفيعة المستوى، حان الوقت للولايات المتحدة لإعادة التركيز على سلسلة من نقاط الاشتعال المتعلقة بالديمقراطية.

وخلال الفترة الماضية، ظهرت العديد من الاختبارات الحاسمة في عدة دول، ويجب على واشنطن وضع منهجية فعالة للتعامل مع كل منها بشكل يعطي الأولوية للمخاوف المتعلقة بالديمقراطية ضمن مداولات السياسة الخاصة بكل بلد.

ويجب على الولايات المتحدة أن تركز أولا على عدة انتخابات مقبلة. ومن المرجح أن يكون للانتخابات تأثير حاسم على الآفاق الديمقراطية في دول مثل مثل البرازيل والمجر والفلبين وتركيا. وستكون الانتخابات في دول أخرى، مثل كولومبيا وكينيا ونيجيريا، مهمة أيضا بسبب النفوذ الهائل الذي تمارسه هذه البلدان في مناطقها. ويجب على الولايات المتحدة، إلى جانب الشركاء المعنيين الآخرين، المشاركة بنشاط في الفترة التي تسبق هذه الانتخابات ليس للتأثير على النتائج الانتخابية ولكن للتأكيد على أن المجتمع الدولي يراقب عن كثب إجراء الانتخابات.

ويجب أن تثبت واشنطن والعواصم الأجنبية الأخرى أنها تهتم بشدة بما إذا كان يُسمح لمرشحي المعارضة بالمنافسة، وما إذا كانت الحقوق السياسية والمدنية الأساسية محمية طوال فترة الحملة الانتخابية، وما إذا كانت إدارة الانتخابات ذات مصداقية، وما إذا كانت النتائج نزيهة.

وستحتاج الولايات المتحدة أيضا إلى صقل ردها على الانقلابات. وفي الأعوام الأخيرة، اكتسبت الفكرة الجذابة القائلة بأن الانقلابات أصبحت شيئا من الماضي انتشارا في الأوساط الأكاديمية والسياسية. لكن أحداث عام 2021 دحضت هذه الفكرة.

ووجهت عمليات الاستيلاء العسكري على السلطة في تشاد وغينيا ومالي وميانمار والسودان و"الانقلاب الرئاسي" في تونس، ضربات خطيرة للآفاق الديمقراطية في هذه البلدان. وسارعت واشنطن لمعالجة هذه الأزمات بدرجات متفاوتة من اللطف والفعالية. ومع ذلك، تحتاج إدارة "بايدن" إلى صقل ردودها في أعقاب الانقلاب مباشرة وتقوية سياساتها لدرء مثل هذه الأحداث قبل وقوعها.

وتشير الأحداث الأخيرة في السودان، على سبيل المثال، إلى الحاجة إلى مواءمة التصريحات الأمريكية رفيعة المستوى عن الالتزام بالديمقراطية مع حسابات السياسة الخاصة بكل بلد. ويجب على الولايات المتحدة أيضا النظر في كيفية الحفاظ على النفوذ على مدى فترة طويلة لضمان حدوث التحولات السياسية بعد عودة السلطة إلى المدنيين.

ولا ينبغي لواشنطن أن تبالغ أبدا في قدرتها على تشكيل النتائج، لكن لا ينبغي لها أيضا أن تقلل من قدرتها على التأثير على الأمور على الأرض أو على الأقل تضامنها مع الفاعلين الديمقراطيين.


ويجب على الإدارة تطوير استراتيجية لدعم الانفتاحات الديمقراطية الواعدة والمساعدة على تحقيقها. وبالرغم أن الآفاق الديمقراطية مضطربة حول العالم، إلا أن الفرص السياسية تستمر في الظهور، غالبا عبر مرشحين رئاسيين إصلاحيين. ومن الأفضل أن تساعد واشنطن في تعزيز هذه الانفتاحات، حتى في البلدان التي تكون فيها المصالح الوطنية للولايات المتحدة متواضعة نسبيا.

ومن شأن مثل هذه الجهود أن تضعف سردية "فشل الديمقراطية" وأن تشير للقوى السياسية في عدد من الدول أن الشركاء الدوليين على استعداد لدعم التغيير الإيجابي. وتعد زامبيا إحدى هذه الحالات، حيث أطاحت انتخابات أغسطس/آب 2021 برئيس معروف بارتكاب انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان وأحضرت زعيما جديدا له أهداف إصلاحية حقيقية إلى السلطة. وقد تكون هندوراس حالة أخرى، إذا التزمت الرئيسة القادمة "زيومارا كاسترو" بوعودها المؤيدة للديمقراطية.

واتخذت الإدارة بالفعل بعض الخطوات الإيجابية في هذا الاتجاه. وخلال القمة، أعلن "بايدن" عن مبادرة جديدة واعدة تسمى "الشراكات من أجل الديمقراطية"، وهو برنامج مصمم لمساعدة الحكومات ذات العقلية الإصلاحية على تقديم خدمات ملموسة لمواطنيها. ومع ذلك، تعتبر هذه الأداة وغيرها من أدوات المساعدة الحالية حيوية ولكنها غير كافية. ولتحقيق التقدم الديمقراطي المستدام، ستحتاج واشنطن إلى أن تضيف إلى هذه الأدوات المشاركة الدبلوماسية والأمنية الفعالة.

وسلطت الأحداث في عام 2021 الضوء أيضا على معضلة السياسة الأمريكية بشأن النهوض بالديمقراطية وحقوق الإنسان في الدول التي تربطها مصالح أمنية مهمة مع الولايات المتحدة، بما في ذلك الأنظمة الاستبدادية مثل مصر والسعودية والديمقراطيات المتراجعة مثل الهند ونيجيريا.

ويعد تحقيق التوازن في هذا الصدد أمرا صعبا كما ظهر خلال النقاش الصيف الماضي حول ما إذا كان يجب حجب بعض المساعدات الأمنية الأمريكية عن مصر. ومع ذلك، يمكن لواشنطن أن تفعل المزيد لتجنب التقليل من أهمية قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان أمام المصالح الأمنية. وتوفر حقيقة أن مكافحة الإرهاب لم تعد الشغل الشاغل للسياسة الخارجية للولايات المتحدة فرصة مثالية لإعادة التفكير في هذا التوازن، لا سيما عندما يتعلق الأمر بشركاء مكافحة الإرهاب ذوي السجلات الديمقراطية السيئة.

وأخيرا، يجب على فريق "بايدن" التركيز على الحد من القيود المتعلقة بالوباء على الفضاء الديمقراطي. وعلى مدار العامين الماضيين، استخدمت عشرات الدول "كوفيد-19" كذريعة لفرض قيود صارمة كانت لا تتناسب بشكل واضح مع احتياجات الصحة العامة، بما في ذلك تجريم انتقاد الإجراءات الحكومية.

ودفعت هذه الإجراءات الركود الديمقراطي العالمي إلى مستويات قياسية. ويجب أن تكون الأولوية خلال العام الجديد الضغط على البلدان التي استخدمت الوباء كذريعة لفرض قيود سياسية ومدنية مفرطة من أجل مراجعة مثل هذه الإجراءات ثم التراجع عنها. ويمكن أن يساعد الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة والديمقراطيات الأخرى المعنية على إقناع الحكومات بأن بعض القيود تتجاوز الحدود.

تحويل الطموح إلى فعل

وخلال عامه الأولى في المنصب، أوضح "بايدن" أنه يقدر الديمقراطية العالمية من حيث المبدأ. لكن عامه الثاني هو الوقت المناسب لإدارته للتركيز على تعزيز الديمقراطية من حيث الممارسة العملية. وفي كثير من الأحيان، ترقى جهود الولايات المتحدة لدعم الديمقراطية إلى مسعى حالم وغير متبلور إلى حد ما.

ولتجنب هذا المأزق، يجب وضع أجندة لمدة عامين تتضمن تحويل سياسات الإدارة المتعلقة بالديمقراطية إلى ممارسات عملية. وسلطت واشنطن الضوء خلال العام الماضي على العديد من الملفات الجديرة بالاهتمام بما في ذلك مواجهة النفوذ الصيني والروسي المناهض للديمقراطية، والدفاع عن المجتمع المدني، ومتابعة جهود مكافحة الفساد، وتعزيز نزاهة الانتخابات. ومن شأن صياغة جداول الأعمال الخاصة بكل بلد أن يضع هذه الطموحات الكبرى على أسس راسخة.

ومع ذلك، يمثل تطوير مثل هذه الاستراتيجية تحديا كبيرا. ومن الصعب رفع مستوى ملف تجديد الديمقراطية كأولوية قائمة بذاتها، ويصعب دمج مثل هذه المخاوف في عمليات صنع السياسات الخاصة بكل بلد. ويستلزم الخيار الأخير إيجاد مكان للديمقراطية بين مزيج واسع من الاهتمامات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية وإجراء مقايضات سياسية صعبة.

وبالرغم من التركيز رفيع المستوى على الركود الديمقراطي العالمي، فإن الهجوم على الديمقراطية يعد محليا للغاية. ويعد تحويل زخم قمة الديمقراطية إلى عمل محلي ملموس أفضل طريقة لتحقيق مهمة "بايدن" لوقف المد العالمي المناهض للديمقراطية.


المصدر | فرانسيس براون و توماس كاروثر /فورين أفيرز