قبل زيارة بينيت لواشنطن.. لماذا توثّق مصر التعاون مع إسرائيل؟ — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

قبل زيارة بينيت لواشنطن.. لماذا توثّق مصر التعاون مع إسرائيل؟

قبل-زيارة-بينيت-لواشنطن-لماذا-توثّق-مصر-التعاون-مع-إسرائيل

هناك سبب وجيه دفع الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" لإرسال رئيس جهاز مخابراته اللواء "عباس كامل"، لأول اجتماع مصري رفيع المستوى مع كبار أعضاء الحكومة الإسرائيلية الجديدة، حيث قال مصدر دبلوماسي إسرائيلي كبير لموقع "المونيتور" بشرط عدم الكشف عن هويته: "كامل هو الرجل الأقرب إلى السيسي، ويده اليمنى بالمعنى الكامل للكلمة، وهذا يرسل الرسالة الدقيقة التي أراد أن ينقلها".


وأضاف أن هذه الرسالة كانت "مدى جديته في الرغبة في توطيد التعاون وعلاقة عمل وثيقة" مع قيادة إسرائيل الجديدة.


مصر تحتاج علاقتها بإسرائيل

التقى "كامل" في القدس في 18 و 19 أغسطس/آب برئيس الوزراء "نفتالي بينيت"، ورئيس الوزراء التبادلي ووزير الخارجية "يائير لابيد"، ووزير الدفاع "بيني جانتس"، وكبار مسؤولي الدفاع والاستخبارات الإسرائيليين.

وفي الوقت نفسه، زار ضابط إسرائيلي رفيع القاهرة (لم يتم الكشف عن هويته) لإجراء محادثات بشأن القضايا الأمنية، وشملت بنود أجندته الجهود المستمرة لإنشاء وقف إطلاق نار طويل الأجل مع "حماس"، والتي ينبغي أن تشمل أيضا عودة جثتي جنديين إسرائيليين وإطلاق مدنيين محتجزين في غزة.

وعلى عكس الزيارات السابقة، لم يصر "كامل" هذه المرة على السرية، كما أنه لم يحاول تجنب التقاط الصور، بل كان "على العكس من ذلك" وفق وصف المصدر الدبلوماسي، الذي أضاف: "إنهم يريدون التقاط صورهم ويريدون أن تتم رؤيتهم معنا، تماما مثل الأردنيين، لقد أصبحت العلاقات مع إسرائيل ميزة بدلا من أن تكون عبئا".

وغير مسؤولو "بينيت" النهج المعتاد، فقد اعتاد كبار المسؤولين الإسرائيليين على أن يحثوا زملاءهم العرب على الإعلان عن اجتماعاتهم مع الإسرائيليين، كفرصة لالتقاط الصور وعكس مظهر العلاقات الجيدة، في حين فضل العرب عادة تجنب القيام بذلك.

أما في هذه الأيام، فلم يعد الإسرائيليون يضغطون على العرب، وإنما يخبرونهم بدلا من ذلك أن الخيار متروك لهم بشأن كيفية استغلال هذه الاجتماعات، والمفارقة الساخرة أن العرب يظهرون حرصهم على الأضواء، وتحتاج مصر حاليًا إلى العلاقة مع إسرائيل أكثر من أي وقت مضى.


رسالة للحكومة الإسرائيلية والأمريكية

تختلف العلاقات مع مصر عن الأردن، وعلى عكس المعاملة الباردة من رئيس الوزراء السابق "بنيامين نتنياهو" لملك الأردن، فقد حافظ على علاقات وثيقة مع "السيسي".

ووصل التعاون الإسرائيلي المصري في السنوات الأخيرة لسجلات قياسية، وكان معظمها وفق ما أوردته المنشورات الأجنبية، في الجهود المبذولة لاقتلاع تنظيم "الدولة الإسلامية" من شبه جزيرة سيناء.

وتحاول مصر الإشارة إلى أنها تريد استئناف العلاقات كالمعتاد مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة أيضا، وأنه ليس لديهم نية لتعليق العلاقات أو خفض العلاقات، وربما حتى على العكس من ذلك.

وقال المصدر الأمني الاسرائيلي الرفيع: "مصر تحتاجنا خاصة في حقبة بايدن، لقد خرجوا من عصر ترامب مُظهرين ارتباطًا واضحًا تماما مع الرئيس السابق؛ وهم يريدون أن يشيروا من خلالنا إلى إدارة بايدن أنهم موجودون ومهتمون بالاعتراف الأمريكي".

فقد أطلق الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" على "السيسي" لقب "ديكتاتوره المفضل"، وعلى عكس إسرائيل، التي خضعت للتغيير الحكومي وطرحت إرث "نتنياهو" مع الإدارة الأمريكية السابقة، لا يزال النظام في مصر كما هو، ويدرك أهمية إعادة ضبط مساره للتقرب من الإدارة الأمريكية الديمقراطية.

وتزامنت زيارة المبعوث المصري الرفيع لإسرائيل مع الإعلان عن تاريخ أول زيارة رسمية لـ"بينيت" إلى واشنطن واجتماعه مع الرئيس "جو بايدن" (المقرر عقده في 26 أغسطس/آب).

وعلم موقع "المونيتور" أن المصريين طلبوا من "بينيت" التأكيد على مضيفه الأمريكي وكبار المسؤولين في إدارته أهمية الاستقرار في مصر لإسرائيل والشرق الأوسط بأكمله، ووافق "بينيت" عن طيب خاطر.

وبعد هذا الاجتماع مباشرة، أفادت التقارير أن "السيسي" قد دعا "بينيت" لزيارة مصر، حيث من المرجح أن يجتمعا في شرم الشيخ بمجرد عودة "بينيت" من الولايات المتحدة.


مخاوف من الإدارة الديموقراطية

في المرة الأخيرة التي تولى فيها رئيس ديمقراطي السلطة في واشنطن (باراك أوباما)، أجبر الرئيس المصري العلماني "حسني مبارك" على التنحي، وحتى يومنا هذا، يدعي المصريون أن "أوباما رمى مبارك تحت عجلات الحافلة".

استمر الديمقراطيون في تقييم الأحداث في الشرق الأوسط وفقا لمعايير الديمقراطيات الغربية الليبرالية، وفي هذا الصدد، فإن وضع "السيسي" ليس أفضل بكثير من "مبارك"، بل إنه في الواقع قد يكون أسوأ.

لذلك استُقبل فوز "بايدن" في مصر مع مخاوف جدية، لكن بعد ذلك جاءت حرب غزة في مايو/أيار، مما وفر لمصر دورا رئيسيا في الجهود المبذولة لترتيب وقف إطلاق النار وتحقيق الاستقرار في الوضع في غزة.

وساعدت إسرائيل مصر على نيل اعتراف بفضلها وإحراز نقاط في واشنطن، وتنتظر مصر حاليًا من "بايدن" سلوكًا تصالحيًا وتفهم أهمية تحقيق نظام مستقر في القاهرة، وإسرائيل هي القناة الرئيسية في حملتها لإيصال هذه الحجة للإدارة الأمريكية.


معبر رفح هو الثمن

إذن، ما الذي تريده إسرائيل في المقابل؟ ليس كثيرا، فالشاغل الإسرائيلي الرئيسي هو المدى المتزايد للتهريب من خلال معبر رفح الذي يخدم تنامي ترسانة "حماس" العسكرية.

ووفقا للمخابرات الإسرائيلية، تحاول "حماس" تجديد رصيدها من الصواريخ التي أطلقتها على إسرائيل أثناء حرب غزة في مايو/أيار، وقد ضعفت خلال السنوات الأخيرة القبضة المحكمة على معبر رفح الذي يربط قطاع غزة بسيناء، وهو مصدر أسلحة "حماس" وذخيرتها.

وتحاول إسرائيل الآن إقناع مصر بمضاعفة وترقية جهودها لحظر الإمدادات إلى ترسانات "حماس"، وقال مصدر أمني إسرائيلي رفيع آخر لموقع "المونيتور" شريطة عدم الكشف عن هويته: "نحن ندرك أنه لا شيء يمكن غلقه تماما، لكن يمكننا محاولة تقليل التسريبات ومستوى التهريب".

وحشدت إسرائيل الأمريكيين، الذين وعدوا بالتعاون بشكل وثيق مع هذه الجهود، حيث أثيرت القضية في المناقشات التحضيرية في واشنطن قبل زيارة "بينيت" وأثناء زيارة لإسرائيل الاسبوع الماضي في 11 أغسطس/آب من مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "بيل بيرنز".

الهدف هو ترقية معبر رفح على مرحلتين؛ الأولى ستكون فورية، وتعتمد على المخابرات المصرية والجهود المادية للحد من قدرات "حماس" على تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة، أما المرحلة الثانية اللاحقة فستتضمن ترقية المعبر بالإلكترونيات المتطورة التي من شأنها أن تعرقل بشكل كبير التهريب وتقطع التجاوزات المختلفة.


إنجازات الزيارة الملموسة

بعد يوم من زيارة "كامل" إلى إسرائيل، صدرت خريطة طريق جديدة بموافقة "حماس" على نقل المساعدة القطرية لسكان غزة المحتاجين، وسيتم استبدال الحقائب القطرية المملوءة بالأموال التي كانت تُنقل إلى غزة في الماضي ببطاقات مغناطيسية قابلة للشحن لـ100 ألف عائلة غزة، وسيتم إحضار بقية المساعدات في شكل وقود وزيوت.

ولكن لا يزال هناك خلاف لم يُحل بعد بشأن الدفع لموظفي الخدمة المدنية في حكومة "حماس"، ولم يشارك المصريون وفق ما هو معروف في هذه المفاوضات التي تعالجها إسرائيل وقطر وممثلو الولايات المتحدة ومسؤولو الأمم المتحدة و"حماس"، فمصر وقطر أعداء ألدّاء، ومصر تبتعد عن أي شيء ينطوي على تمويل قطري للقطاع.


وتجلت إحدى الإنجازات المصرية الملموسة بعد زيارة "كامل" في مشورة جديدة أصدرها مكتب مكافحة الإرهاب الإسرائيلي، بتخفيض مستوى التهديد للسياح الإسرائيليين في شرم الشيخ.

وتعرف إسرائيل أن هذا الإعلان سيزيد من تدفق السياح الإسرائيليين إلى المنطقة ويوفر نوعا من "الضوء الأخضر" للسياحة الأوروبية أيضا.

وقال مصدر دبلوماسي رفيع المستوى في القدس لموقع "المونيتور" بشرط عدم الكشف عن هويته: "نحن نبذل قصارى جهدنا لتسهيل طريق السيسي، المهم هو تعاوننا الاستراتيجي طويل الأجل، ونأمل أن يعتبره الأمريكيون كذلك أيضا".

وهكذا من المفترض أن يحل "بينيت" في واشنطن الأسبوع المقبل في أول زيارة قصيرة له كرئيس وزراء (بسبب قيود فيروس كورونا) حاملًا معه تطورات جيدة، بعد أن استعاد العلاقات مع الأردن وحافظ على التعاون مع القاهرة، وبمجرد أن يعود، سيستضيف "بينيت" المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل".

هذه بداية ليست سيئة للسياسي الذي حصل على 6 مقاعد فقط في الكنيست ذي الـ120 عضوا في انتخابات مارس/آذار وأطاح برئيس الوزراء السابق "بنيامين نتنياهو" الذي فاز بـ30 مقعدا وهو الآن في عطلة خاصة بعيدة عن أعين العامة في "منزل أصدقاء" في سان فرانسيسكو.