قطر لا تزال الوسيط الأول بين أفغانستان والمجتمع الدولي.. ودبلوماسيتها تتعزز

قطر-لا-تزال-الوسيط-الأول-بين-أفغانستان-و-المجتمع-الدولي-و-دبلوماسيتها-تتعزز

تقوم قطر بدور قيادي في الدبلوماسية الدولية، لا سيما في ضوء الأحداث الأخيرة في أفغانستان، من خلال سياستها الخارجية القائمة على الوساطة.


ويحدث هذا بعد أكثر من 3 أعوام من الأزمة السياسية والدبلوماسية بينها وبين "الرباعية العربية"، السعودية والإمارات والبحرين ومصر.

وتبدو دبلوماسية الدوحة في وضع أفضل ومؤثرة أكثر اليوم مما كانت عليه قبل اندلاع الانقسام في مجلس التعاون الخليجي، الذي حدث في عام 2017.

ويكشف هذا كيف ظلت السياسة الخارجية القطرية على حالها بالرغم من الضغوط، وكيف كونت تحالفات واستراتيجيات مستقلة.

ومنذ العقد الأول من القرن الـ21، ركزت قطر على الوساطة لتأكيد مكانتها الدولية، كما أوضح "مهران كامرافا" بعمق في مقالته عام 2011 بعنوان "الوساطة والسياسة الخارجية القطرية". لهذا السبب، فإن جهود الدوحة الدبلوماسية الأخيرة في أفغانستان ليست مفاجئة.

ومع ذلك، وبخلاف الماضي، تقف دبلوماسية قطر في أفغانستان الآن على مفترق طرق للعبة جيوسياسية أوسع تشمل معظم لاعبي الدول الإقليميين والدوليين، الولايات المتحدة والصين، وروسيا، وإيران، وتركيا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، بذكر فقط الدول الأكثر نفوذا.

وتُبنى هذه النافذة الدبلوماسية على السياسة الخارجية المستقلة التي استمرت قطر في ممارستها بالرغم من الأزمة التي قسمت مجلس التعاون الخليجي، وهو خلاف سياسي أعيد تشكيله رسميا في يناير/كانون الثاني 2021 مع "إعلان العلا".

وفيما يتعلق بأفغانستان، تستفيد الدوحة في الواقع، على الأقل حتى الآن، من خيارها المحفوف بالمخاطر عام 2013، عندما سمحت لـ"طالبان" بفتح مكتب سياسي للدخول في محادثات مع الولايات المتحدة، حيث يستضيف المكتب منذ عام 2018 زعيم "طالبان" الملا "عبدالغني برادر".

وكانت الدوحة، في وقت لاحق، مكانا للمحادثات الأفغانية والمفاوضات بين الولايات المتحدة و"طالبان"، التي أسفرت عن توقيع "اتفاقيات الدوحة" في عام 2020.

لذلك، فليس من قبيل المصادفة أن قطر كانت الدولة العربية الوحيدة التي دُعيت، في 30 أغسطس/آب 2021، إلى الاجتماع الافتراضي الذي نظمته الولايات المتحدة لمناقشة مقاربة منسقة بعد الانسحاب الأمريكي من كابل.

ونجحت قطر حتى الآن في تقديم نفسها على أنها الميسر الرئيسي، وربما الوسيط الرئيسي، بين مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة ذات المصالح في أفغانستان.

كما تعززت نافذة قطر الدبلوماسية في أفغانستان من خلال القدرات اللوجستية والعلاقات الأمنية ووسائل الإعلام.

وكانت القاعدة الأمريكية في "العديد" ومطار الدوحة حاسمين خلال الانسحاب العسكري الأمريكي ورحلات إجلاء المدنيين من العاصمة.

وإلى جانب تركيا، ترسل قطر مساعدة فنية مدنية لإعادة فتح مطار كابل الدولي.

وقبل دخول "طالبان" العاصمة الأفغانية، كانت قطر، شريك "الناتو" كجزء من مبادرة إسطنبول للتعاون، تجري محادثات مع الحلف لتوفير قاعدة عسكرية لتدريب القوات الخاصة الأفغانية بعد رحيل قواته.

علاوة على ذلك، تقوم الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وهولندا بنقل بعثاتها الدبلوماسية من أفغانستان إلى الدوحة.

وفي غضون ذلك، تلعب قناة "الجزيرة" ومقرها قطر دورا بارزا في تغطية الصور والتصريحات الأولى لـ"طالبان" في كابل.

ومن حيث النفوذ الاستراتيجي، تعد قطر اليوم أفضل دولة ضمن دول مجلس التعاون الخليجي فيما يتعلق بأفغانستان.

وبشكل مختلف عن السعودية والإمارات، لم تعترف الدوحة بإمارة طالبان الإسلامية بين 1996 و2001.

على النقيض من ذلك، عانت كل من الرياض وأبوظبي من الانخراط المفرط في أفغانستان.

وفي الثمانينيات، دعمت السعودية المجاهدين ضد السوفييت، بينما نشرت الإمارات قوات برية في البلاد منذ عام 2003 مع التركيز على تدريب قوات الأمن الأفغانية ومكافحة التمرد.

وفي عام 2017، قُتل 5 دبلوماسيين إماراتيين، بمن فيهم السفير، في انفجار سيارة مفخخة من المفترض أن حركة "طالبان" في قندهار هي المسؤولة عنه.

وعلى المستوى الدبلوماسي، لا يزال لدى الإمارات دور لتلعبه، فقد استضافت أبوظبي الرئيس الأفغاني "أشرف غني" منذ أن غادر كابل، ولديها علاقات طويلة الأمد مع عشيرة "أحمد شاه مسعود".

وفي أفغانستان وخارجها، تغير السيناريو الإقليمي بسرعة.

وفي هذا السياق، لا تهتم الإمارات، والأهم من ذلك كله السعودية، بتأجيج المزيد من التوترات والمنافسة في مجلس التعاون الخليجي، هذه المرة فيما يتعلق بكابل، لأنها تشارك حاليا في محاولات خفض التصعيد في الشرق الأوسط.

وفي الواقع، بدأ السعوديون والإماراتيون، منذ عام 2021، في الحد من التوترات وفتح خطوط الاتصال مع إيران وتركيا، الحليفين المقربين لقطر.

وتوجد 3 أحداث أخيرة تساعد في فهم هذه الصورة المتغيرة.

الأول انخراط مسؤولون سعوديون وإيرانيون في محادثات مباشرة في العراق.

والثاني إجراء ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" والرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" مكالمة هاتفية بناءة.

أما الثالث، فهو انضمام جميع اللاعبين الكبار في الشرق الأوسط إلى مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة في أواخر أغسطس/آب 2021.

ومع ذلك، لا تزال المنافسة بين دول مجلس التعاون الخليجي قائمة، وقد تعود إلى الظهور في ضوء الأحداث الأخيرة في أفغانستان.

وتهدف جميع دول مجلس التعاون الخليجي إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة ومحاربة التهديد الإرهابي لتنظيم "الدولة الإسلامية".

لكن النشاط الدبلوماسي القطري قد يؤدي إلى تحالفات خليجية مختلفة، ومن ثم تحالفات متنافسة حول القضية الأفغانية.

وبينما تستعد الإمارات للجلوس كعضو غير دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للفترة 2022-2023، فإنهم ليسوا على استعداد للتنازل عن الكثير من "المسرح الدبلوماسي" للقطريين.

وفيما يتعلق بالدبلوماسية الدولية، تعمل قطر بطموح على بناء أرضية مشتركة حول أفغانستان بين كبار اللاعبين، بما في ذلك الولايات المتحدة وحلفاء "الناتو" وكذلك الصين وروسيا.


ويجب صياغة رسالة الدوحة لـ"طالبان" من أجل حكومة شاملة و"محاربة الإرهاب" كجزء من الجهد الدبلوماسي المذكور.

وبالنسبة لقطر، فإن نوعا من الإجماع الأمريكي والصيني حول الدبلوماسية الأفغانية أمر أساسي؛ فلا يمكن للدوحة، مثل دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، الحفاظ على مصالحها الوطنية إلا من خلال الحفاظ على شراكات متوازية مع الولايات المتحدة والصين، وبالتالي تحقيق التوازن بين الضرورات الأمنية والعلاقات الاقتصادية والتجارية.

ولا يزال يتعين رؤية ما إذا كانت الدوحة ستسهم بشكل حاسم في صياغة اتفاق دبلوماسي واسع بشأن أفغانستان، ومدى تأثيرها الحقيقي على "طالبان".

وفي تجارب الوساطة السابقة، أثبتت قطر قدرتها على الحد من التوترات، وليس في حل النزاعات بشكل دائم، كما أشار "كامرافا" عام 2011.

وفي غضون ذلك، تُظهر قطر أن جهود الوساطة التي تبذلها تؤتي ثمارها، على الأقل في تعزيز دورها على المسرح الدولي.


المصدر | إلينورا أرديماجني - المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية