كيف ستؤثر استقالات "النهضة" التونسية على مستقبل الحركة؟ — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

كيف ستؤثر استقالات "النهضة" التونسية على مستقبل الحركة؟

كيف-ستؤثر-استقالات-النهضة-التونسية-على-مستقبل-الحركة

في ظل أزمة سياسية حادة تعانيها تونس، اختار عدد من قيادات "النهضة"، من أبرزهم عبد اللطيف المكي وسمير ديلو ومحمد بن سالم وجميلة الكسيكسي، الاستقالة، معربين عن التزامهم بـ"بالدفاع عن الديمقراطية"، في إشارة إلى استمرارهم في العمل السياسي بشكل أو بآخر.

وأعلن أكثر من 100 عضو في حركة "النهضة" التونسية (إسلامية - ديمقراطية) استقالتهم من هياكلها، بينهم قيادات تاريخية وأعضاء في مجلس الشورى وقيادات وسطى وقاعدية؛ وأرجع المستقيلون خطوتهم هذه إلى إخفاقهم في معركة الإصلاح الداخلي للحركة التي وصلت إلى مرحلة العزلة، بحسب ما ذكروا في بيان الاستقالة.

وحمّل المستقيلون الحركة "قدرا هاما من المسؤولية فيما انتهى إليه الوضع العام في البلاد من تردّ فسح المجال للانقلاب على الدستور والمؤسسات المنبثقة عنه"؛ في إشارة إلى القرارات التي اتخذها رئيس البلاد، قيس سعيد، في 25 تموز/ يوليو الماضي، وتتضمن تجميد اختصاصات البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه، وإقالة رئيس الحكومة.

وتحدث بيان الاستقالة عما وصفه بـ"تعطّل الديمقراطية الداخلية لحركة النهضة والمركزة المفرطة داخلها، وانفراد مجموعة من الموالين لرئيسها بالقرار داخلها"، في إشارة إلى راشد الغنوشي، رئيس الحركة، ورئيس البرلمان التونسي المجمدة أعماله.

كما علل المستقيلون انسحابهم من الحركة بما اعتبروا أنها "تحالفات غير منطقية قامت بها النهضة، وناقضت تعهداتها أمام ناخبيها"، ووصفوها بـ"خيارات سياسية خاطئة أدت إلى عزلة النهضة وعدم نجاحها".

ورفضت غالبية الأحزاب، وبينها "النهضة"، قرارات سعيد الاستثنائية، واعتبرها البعض "انقلابا على الدستور"، بينما أيدتها أحزاب أخرى رأت فيها "تصحيحا للمسار"، في ظل أزمات سياسية واقتصادية وصحية متواصلة.


ولم يكتف سعيد بهذه القرارات، إذ قرر في 22 أيلول/ سبتمبر الجاري، إلغاء هيئة مراقبة دستورية القوانين، وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية، وأن يتولى السلطة التنفيذية بمعاونة حكومة، وهو ما اعتبره مراقبون تعزيزا من جانبه لصلاحيات الرئاسة على حساب البرلمان والحكومة.

صراع تنظيمي

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي، الحبيب بوعجيلة، إن "هذه الاستقالات تندرج ضمن الصراع الذي تعيشه الحركة منذ سنوات فيما يتعلق بالانتقال القيادي، بمعنى أن العنوان الرئيسي لهذه الاستقالات هو صراع تنظيمي".

وتابع "هناك قيادات وقواعد وقيادات وسطى تتبنى، منذ فترة طويلة، فكرة التغيير القيادي، الذي يجب أن يحصل سريعا داخل النهضة، بعد جملة إخفاقات سياسية ارتكبتها الحركة، ويلخص هذا الفريق الأزمة كلها في نوعية وطبيعة القيادة التي تدير الحركة منذ سنوات، وفي أحيان كثيرة يتم التركيز على الأستاذ راشد الغنوشي".

وأضاف بوعجيلة "هناك أطراف حاولت الدفع في اتجاه خيارها من داخل هياكل الحركة، ولكن طبيعة المؤسسة منعتها من أن تجد صدى لأفكارها أو تصوراتها القيادية ولم تستطع أن تحتل مواقع متقدمة في سلطة القرار أو سلطة القيادة داخل الحركة".

ارتدادات قرارات 25 تموز على الحياة الحزبية

ووفق بوعجيلة فإن "حدث 25 تموز/ يوليو لم يكن زلزالا على مستوى البلاد ومسار الانتقال الديمقراطي والمشهد السياسي عامة فحسب، وإنما أيضا ستكون له ارتدادات حتى على الحياة الحزبية، وهذا ما أدى إلى تصدعات بارزة في هيكل النهضة".

وتابع "المستقيلون يقولون إننا لن نضعف المعركة الديمقراطية في مواجهة الانقلاب، ونحن منخرطون في المعركة، ولكن لا نستطيع تأجيل استقالتنا حتى تنتهي الأزمة السياسية في البلاد".

وتساءل بوعجيلة: "هل يمكن أن يبنوا عنوانا سياسيا خاصا بهم؟ هذا لم يقع مع قيادات سابقة أهم في مواقعهم من حيث التأسيس والقيادة، مثل حمادي الجبالي وعبد الحميد الجلاصي، والتجارب التي بُنيت من رحم النهضة لم تشهد نجاحا، مثل حزب البناء الوطني لرياض الشعيبي، الذي عاد إلى حاضنة الحركة".

ورأى أن "هناك صعوبة حقيقية في تشكيل عنوان حزبي، وإن كنت أعتبر أنه سيمثل إضافة في الساحة السياسية ويكون لنا حزبا آخر يمثل المرجعية الإسلامية الديمقراطية إن صحّ التعبير، خصوصا وأن المعروف عن القيادات المستقيلة أنهم ينتمون إلى المجال الديمقراطي في الحقيقة".

واعتبر أن "المشهد الحزبي التونسي في حالة تشكل مستمر، وأتوقع في الأشهر القادمة أنه قد يكون لدينا مشهدا حزبيا مختلفا، وقد تتجدد أحزاب قائمة على منطلقات وخيارات مختلفة ويجد فيها قيادات النهضة المستقيلين مكانهم، فكل الفرضيات مطروحة".

وأضاف "أمام حركة النهضة تحديات كبيرة تدفعها إلى مراجعات شجاعة وجذرية، سواء في مستوى خطها السياسي أو علاقتها باستحقاقات البلاد بعد ثورة الحرية والكرامة ومدى قدرتها على استعادة مكانتها بين الشعب وبين ناخبيها، الذين تناقصوا وخسرت عددا كبيرا من قاعدتها الانتخابية، وأتوقع أن الحركة بعد المؤتمر (العام) القادم لن تكون نفسها قبله".

ظاهرة قديمة

أما أستاذ التاريخ المعاصر في الجامعة التونسية، عبد اللطيف الحناشي، فقال إن "الاستقالات في حركة النهضة ظاهرة قديمة، في السابق حركة الاتجاه الاسلامي وقبلها الجماعة الإسلامية".

وأضاف الحناشي: "يمكن أن نرصد خروج أو استقالة مجموعة ما يطلق عليه باليسار الإسلامي، وكان بينها محمد القوماني وصلاح الدين الجورشي ورموز مهمة جدا، ثم تواصلت سنة 1981 وتم الإعلان عن تأسيس الاتجاه الإسلامي، ويبدو أنها مجموعة كانت نوعا ما سلفية وترفض وجود حزب ديمقراطي".

وتابع "كذلك تواصلت الاستقالات من صفوف النهضة في 1991 بعد الاتهامات الموجهة للحركة في أحداث باب سويقة (هجوم إرهابي استهدف مقرا للحزب الحاكم آنذاك)، وكانت هناك استقالات واسعة بسبب الاختلاف في قضايا فكرية وقضايا تتعلق بالسلوك السياسي، خاصة بعد مبادرة النظام السابق برجوع بعض الرموز من المنفى".

ووصف الاستقالات بأنها "ظاهرة قديمة ومعروفة بين الأحزاب، وبينها الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، والآن الظاهرة أخذت بعدا آخر في النهضة، خاصة بعد 2019، وتنامت بعد المؤتمر العاشر (للحركة)، وكانت هناك توجهات معاكسة للتوجه العام للحزب".

وحول أسبابها، قال الحناشي إن "الأسباب تُختصر في نقطتين، الأولى ذات أبعاد فكرية غالبا واختلاف حول توجهات الحزب، والثانية هي السلوك السياسي للحزب، الذي تمظهر بعد مؤتمره العاشر وتحالف القيادة مع أحزاب مشبوهة أو لا مصداقية لها، ثم أيضا ازدواجية وتناقض خطاب قيادات تجاه هذه المجموعات".


البديل مستبعد

وحول مستقبل المستقيلين من الحركة، قال الحناشي إن "كل محاولات تأسيس حزب بديل عن النهضة باءت بالفشل"، واعتبر أنه "من المستبعد أن يؤسس المستقيلون حزبا جديدا في الفترة القصيرة الآن، وهم يعرفون حجمهم ومدى تفاعل القواعد معهم، نظرا لوجود قيادات تاريخية وازنة ولها من الشرعية الحزبية، مثل علي العريض وراشد الغنوشي".

وفي 1969، بدأ تشكل "النهضة" كحركة دعوية من أفراد قلائل، هم راشد الغنوشي، أستاذ الفلسفة العائد آنذاك من سورية وفرنسا، وعبد الفتاح مورو، طالب الحقوق حينها، واحميدة النيفر، الأستاذ في الفكر الإسلامي.

وتأسست، في 1972، "الجماعة الإسلامية" في اجتماع بين 40 قيادي بضاحية مرناق في تونس العاصمة، وبدأت الحركة في الانتشار، خاصة في صفوف طلاب المعاهد الثانوية والجامعات، حتى تم تأسيس حركة "الاتجاه الإسلامي" كجناح طلابي لـ"الجماعة الإسلامية".

وفي حزيران/ يونيو 1981، أعلنت "الجماعة الإسلامية" وجودها العلني تحت اسم "حركة الاتجاه الإسلامي"، ثم غيرت اسمها، في شباط/ فبراير 1989، إلى حركة "النهضة".

وتداول على رئاسة الحركة نحو 13 قياديا، وأطولهم مدة هو الغنوشي، حيث ترأسها من 1972 إلى 1980، ثم بين نيسان/ أبريل 1981 وتموز/ يوليو 1981، ومن 1984 إلى 1987، ومن تشرين الثاني/ نوفمبر 1991 إلى اليوم.

وحتى الآن، عقدت حركة "النهضة" 10 مؤتمرات عامة، أغلبها عقد سرا في تونس والخارج؛ بسبب ملاحقة الحركة من جانب نظامي الحبيب بورقية (1956-1987) وزين العابدين بن علي.


المصدر: وكالة الاناضول