كيف يغير الانسحاب من أفغانستان رقعة الشطرنج بين أمريكا والصين

كيف-يغير-الانسحاب-من-أفغانستان-رقعة-الشطرنج-بين-أمريكا-و-الصين

في مقابلة يوم الأربعاء، سأل "جورج ستيفانوبولوس" من قناة "إيه بي سي" الرئيس الأمريكي "جو بايدن" عما إذا كان انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان يثير الشكوك حول التزام أمريكا تجاه حلفائها وشركائها، وخاصة تايوان. وأضاف "ستيفانوبولوس": "سيقولون: انظر.. لا يمكن الوثوق بأمريكا الآن.. أمريكا لا تفي بوعودها".


وسأل "بايدن": "من سيقول ذلك؟"، فأجاب: "الكثير والكثير من الناس".

وكان "ستيوارت لاو"، مراسل "بوليتيكو" من أوائل من دعا إلى مراقبة بكين وهي تشاهد الانسحاب العسكري الأمريكي من أفغانستان بينما تفكر في خطوتها التالية في تايوان.

كما أعرب "جيم سيوتو" من قناة "سي إن إن" عن قلقه لأن "شعب تايوان يراقب انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان بقلق". وجاءت تايوان في المرتبة الأولى في قائمة "بريت ستيفنز"، كاتب العمود في صحيفة "نيويورك تايمز"، لحلفاء الولايات المتحدة الذين "سوف يستخلصون الدرس الذي مفاده أنهم وحدهم في مواجهة أعدائهم".

وكان "دونالد ترامب" أقل قلقا حين قال: "مهما كانت نوايا الصين من قبل للاستيلاء على تايوان، فهم يعلمون الآن أنه لن تكون هناك إدارة أمريكية أضعف".

وقد بنى "جريج لوك"، وهو قس محافظ من ولاية تينيسي، على هذا الموضوع بالقول: "الصين تتأهب الآن بسبب هذه الكارثة في أفغانستان. إنهم ذاهبون إلى تايوان بعد ذلك".

في مقابلة "ستيفانوبولوس"، صاغ "بايدن" ضمنًا الانسحاب كخطوة إستراتيجية في هذه اللعبة: "أنت تعرف من هو الخاسر الأكبر من خروجنا؟ روسيا والصين". وعندما أعلن عن خطة الانسحاب مرة أخرى في أبريل/نيسان، كان أحد المبررات الرئيسية هو تحويل الطاقة والموارد نحو "التحديات التي أمامنا"، وأولاً وقبل كل شيء "المنافسة الشديدة التي نواجهها من الصين المتزايدة الحزم".

لكن ليس الصحفيون والسياسيون الأمريكيون وحدهم من أثاروا مسألة المصداقية هذه. فقد نشرت صحيفة "جلوبال تايمز"، الصينية الشهيرة، افتتاحية تسخر من تايوان معربة عن الشماتة من أنه في حالة الحرب "سينهار دفاعها في غضون ساعات ولن يأتي الجيش الأمريكي للمساعدة".

وقد أثار هذا غضب عضو مجلس الشيوخ عن ولاية تينيسي "مارشا بلاكبيرن"، التي علقت قائلة: "لقد كشف بايدن عن مدى ضعفه وسيستغل الحزب الشيوعي الصيني ذلك".

وفي مقابلة مع "دونالد ترامب"، اعترف "شون هانيتي" بأنه لا يختلف بالضرورة مع تقييم الافتتاحية قائلا: "لا أعتقد أن بايدن قد يبادر إلى مساعدة تايوان".

وأشار "ترامب" إلى أنه قال للرئيس الصيني "شي جين بينج": "لا تفعل أي شيء له علاقة بتايوان.. أعلم أنك تريد.. لا تفعل ذلك". لكنه يشعر بالقلق الآن من أن "الأشياء السيئة ستحدث فيما يتعلق بتايوان لأنهم لا يحترمون قيادتنا ولم يعودوا يحترمون بلدنا".

على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، أشار "إيان دنكان سميث"، وهو عضو محافظ في البرلمان البريطاني، إلى افتتاحية "جلوبال تايمز" في خطاب ألقاه في مجلس العموم قائلا: "الصين تعتقد الآن أننا لن ندافع عن الحرية أو الديمقراطية.. لقد شجعناهم على الاعتقاد بأننا في تراجع كامل".

في غضون ذلك، أشار "تشين دينج دينج"، الأستاذ في جامعة جينان في "قوانجتشو"، إلى أن "معظم الخبراء الصينيين يتفقون على أن هناك عواقب ستواجهها تايوان".

وسواء كانت هذه المخاوف حقيقية أم لا، فقد شعرت كل من واشنطن وتايبيه بوجوب الرد.

وردًا على سؤال حول هذه القضية في مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء، أجاب مستشار الأمن القومي "جيك سوليفان" قائلا: "التزاماتنا تجاه حلفائنا وشركائنا مقدسة وكانت دائمًا كذلك. نعتقد أن التزامنا تجاه تايوان وإسرائيل لا يزال قويا كما كان في أي وقت مضى".

وقد أعربت وزارة الخارجية التايوانية عن "امتنانها" لتأكيد "سوليفان" الذي قالت إنه "يعيد الدعم القوي للبلاد الذي أظهره "بايدن منذ توليه منصبه". كما تناول الرئيس التايواني "تساي إنج وين" القضية علنًا، وإن كان ذلك بشكل غير مباشر.

وفي مقابلة الأربعاء، أعاد "بايدن" التأكيد على دعمه لتايوان وحلفاء الولايات المتحدة الرسميين قائلا: "إذا قامت أي دولة باتخاذ إجراءات ضد حلفائنا في الناتو، فسنرد"، وقال "بايدن": "ينطبق هذا الأمر على اليابان، وكذلك على كوريا الجنوبية، وكذلك على تايوان".

ويعتبر بعض المحللين أن هذه التصريحات بالرغم من الانسحاب الأمريكي تعكس السياسة الأمريكية المتناقضة المعروفة بـ"الغموض الاستراتيجي".

وتدرك إدارة "بايدن" على الأرجح حقيقة أن الانسحاب قد غير رقعة الشطرنج نفسها، مؤقتًا على الأقل، بسبب التصورات الجديدة حول التراجع وعدم الكفاءة الأمريكية.

في وقت سابق من هذا العام، أصدر مدير ملف الصين في مجلس الأمن القومي "راش دوشي"، ورقة رائعة تحت عنوان "اللعبة الطويلة.. استراتيجية الصين الكبرى لإزاحة النظام الأمريكي"، والتي جادل فيها بأن بكين، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، صممت وضبطت أجنحتها الخارجية اعتمادًا على تصوراتها لقوة وتأثير واشنطن.

وكما كتب "دوشي"، تعد الأزمة المالية لعام 2008 نقطة تحول حاسمة، وكان التحول الأكثر حسما مدفوعًا بتصورات تسارع التراجع الأمريكي في أعقاب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإدارة "ترامب"، ووباء "كورونا" في عام 2020. ويأتي التصور الشائع بأن الانسحاب الأمريكي دليل فشل ليجد مكانه بشكل مريح ضمن هذه القائمة.

في الواقع، كتب "رايان هاس" من معهد "بروكينجز" مؤخرًا أن "الوسيلة الرئيسية التي قد تسعى الصين من خلالها إلى جني الأرباح من انسحاب أمريكا هي الترويج لرواية التراجع الأمريكي".

وقال "هاس" إن أكثر جهود بكين الفورية ستتركز على "تقويض الثقة النفسية لأهل تايوان في مستقبلهم.. تود بكين تقديم رواية داخل تايوان مفادها أن الولايات المتحدة بعيدة وغير موثوقة، وأن تايوان معزولة وحيدة، وأن طريق تايوان الوحيد إلى السلام والازدهار يمر عبر بكين".

ومن المرجح أن يكون فريق "بايدن" المتابع للصين حساسًا جدًا لهذه الديناميكيات. وإذا كان الأمر كذلك، فسوف تسعى الإدارة إلى تبديد أي فكرة عن أن واشنطن تتعثر وعاجزة، وذلك لطمأنة تايوان والشركاء الآخرين مع تبديد أي شعور بالفرصة أو الثقة المفرطة من جانب بكين.

ومن المرجح أيضًا أن تبذل الإدارة الأمريكية كل ما في وسعها لضمان ألا يظهر الانسحاب كمحدد لسياستها الخارجية، خاصة أن الانتخابات النصفية بدأت تكتسب زخمًا. وقد يتطلب ذلك التركيز أكثر على أفغانستان خلال الأشهر المقبلة لتحقيق الاستقرار.

لكن كبار مساعدي "بايدن" "أكدوا مرارًا وتكرارًا" لـ"ديفيد روثكوف" أن الانسحاب كان جزءًا من "تحول استراتيجي أوسع نطاقا ومدروس بعناية يتضمن تحولًا في التركيز ونشر الموارد من الشرق الأوسط الكبير إلى آسيا -منطقة المحيط الهادئ". ويجادل البعض بأن حلفاء الولايات المتحدة يرحبون ويتوقعون وجود "محور بايدن بعد الانسحاب".

لقد أمضت الإدارة الأمريكية بالفعل شهورًا في إرساء الأساس لذلك، فقد نظمت حملة منسقة وشاملة لزيادة الضغط على بكين من جميع الزوايا تقريبًا، مع إعادة تجهيز جوانب مختلفة من القوة الوطنية - من وكالة المخابرات المركزية إلى القيادة الجنوبية الأمريكية إلى القوات الجوية - للمنافسة في هذه اللعبة.

بناءً على هذا الأساس وبهذه المجموعة من الأدوات، سيقوم فريق "بايدن بتعديل وتضخيم سياسته تجاه الصين، مما يعني أنه من المتوقع أن تصبح الأمور شديدة التوتر في العام المقبل.

قد تكون الحرب العالمية على الإرهاب قد انتهت؛ ليبدأ عصر منافسة القوى العظمى الآن بشكل جدي.


المصدر | إيثان باول/ ريسبونسبال ستيتكرافت