مأمون الشناوي : عفواً يا سادة : النيل ليس ماءً ، وفقط !! * — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

مأمون الشناوي : عفواً يا سادة : النيل ليس ماءً ، وفقط !! *

مأمون-الشناوي-عفواً-يا-سادة-النيل-ليس-ماءً-و-فقط

خدعوك فقالوا بأن النيل هو ذلك الماء المتدفق عبر شريانٍ ساحرٍ يشق مصر فيقسمها إلى ضفتيّن كبيرتيّن ، ثم يتفرع مثل غصون شجرة وارفة إلى تُرعٍ وجداولَ وقنايات ، يسقي الزرع والطيّر والبهائم والبشر ، لا أبداً ، فما أسهلَ أن يصنع الإنسان الماء العذب بعلمه الحديث مُقطرِاً ماء البحار ، ومُعالجاً لصرفه الصحيّ ، وحافراً للآبار والعيون ، ومُخزِناً لمياه الأمطار ، وما أكثر بلاد الله التي تحيا بلا نهر ولانيل ولافرات !!.

ولكن النيل - ياسيّدي  - هو المُكوّن النفسيّ للإنسان المصري ، هو الباعث لسلوكه ودوافعه ، ونظرته للحياة والموت ، وثقافته !!.

هو ( الساقيّة ) وبئرها الموحش الذي تسكنه الجِنيّة المُسلمة ، تلك التي تُقدّم الحلوي للصبيّ الصغير المنكمش رعباً ، وهو يسير خلف الماشيّة التي تجر الساقيّة ، فإذا ماغفا أفزعته هسهسة أوراق الشجر أو هفيف الهواء أو ثغاء ثور يدور مُعلقاً من رقبته حوّل البئر معصوب العينيّن ، فإذا مازلّت إحدي قدميّ الثور فسقط في جَوّف البئر ، تجمع عشرات الفلاحين وتنادوا لإنقاذه في مشهد شديد الإيحاء والدلالة ( جسده يوسف شاهين في فيلم الأرض علي أروع مايكون ) !!.

النيل هو صرخة امرأة ( تشاهد ) أواعيها وأوانيها في مجري النيل مذعورة في غُبشةِ فجرٍ شَتَويّ  : [ غريق يا اولاااد ] ، فتضج القرية مُهرولةً عن بكرة أبيها ، ويتدافع شبابها لالتقاط هذا الغريق الغريب الذي اختار قريتنا مستقراً لجسده !!.

النيل هو لقاء عاشقيّن علي شطه الجميل ، أو أسفل كوبري أو جسر من جسوره ، فتهمس العاشقة وشفتاها ترتعشان : ( أني بحبك أوي خالص ياسي حسن ) فيرد حسن وهو يكاد يبكي : ( وأني كماااان يانعيييمه ) !!.

النيل هو عُمال التراحيل وجبروت الباشا وكرباج البيه ، وظلم الخولي و ( زِرّ البطاطا ) الذي سلب المقهورة شرفها ، فاستعادته بكتم أنفاس وليدها ، ثم ضربت حُمي النفاس جسدها النحيل حتي هلكت !!.

النيل هو البلهارسيا التي تثقب كبد المصري فتحيله إلى خِرقةٍ من قُماش باليّة ، أو تنهش مثانته فيحيض الرجل كما تحيض المرأة دماً قانياً !!.

النيل هو الناي والموال والتوت والجميز والصفصاف والتين البرشومي  ، وشويّ كيزان الذرة تحت ضيّ القمر ، والسريس والجُعضيض والرِجلة ، وغاب السنارة وعراك الفلاحين علي أولوية الريّ ، وضرب الطوب ودخان القمائن ، والمقاطف والقُفف والقُلل والبلاليص والأزيار ، والتيل الذي تُصنع منه الأجولة !!.

النيل هو غناء الصبايا : ( ع الزراعية وأنا رايحة أقابل حبيبي ، الحلوة قامت تعجن في الفجرية ، يامسافر علي بحر النيل أنا ليه في مصر خليل ، ياللي ع الترعة ) ، ناهيك عن إبداع الشعراء ( مسافر زاده الخيال ، من أي عهدٍ في القري تتدفق ، الجندول ) !!.

النيل هو أنت أيها الإنسان المصري ، حضارتك ، منهاجك في الحياة ، أخلاقك ، عاداتك وتقاليدك ، موروثك الثقافي ، فإياك أن تظن - أو تسمح لغيّرك أن يظن  - أنه مُجرد مَجري ماءٍ ، وفقط !!.