ماهر الملاخ يكتب: تجربة العدالة والتنمية نهاية أطروحة ونكسة مشروع ١ — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

ماهر الملاخ يكتب: تجربة العدالة والتنمية نهاية أطروحة ونكسة مشروع ١

ماهر-الملاخ-يكتب-تجربة-العدالة-والتنمية-نهاية-أطروحة-ونكسة-مشروع-الجزء-الأول

1. بين يدي المقال

2.وجاء وقت الحديث

3.في البدء، كانت أطروحتان

4.الريسوني وأطروحة التمايز لتحقيق التوازن (1997-2003)

5. 16 ماي: تفعيل تقنية "تعديل البنية لتعديل الوظيفة" (2003-2011)

6.بنكيران: أطروحة التمايز لتحقيق الإصلاح (2011-2016)

-------------------

تنويه قبل البدء:

ليس المقصود من هذا المقال التأريخي التحليلي، إثارة نعرات سابقة، أو التجريح في أشخاص، لهم من صاحب المقال كل التقدير والاحترام. وإنما القصد هو تسليط الضوء على مرحلة من مراحل تاريخ الحركة الإسلامية بالمغرب، لا تزال تتفاعل وتؤثر على الوقائع التي تعيشها البلاد. في حين لم يكتب عنها الكثير، وتكاد تفاصيل هامة تندثر وتنمحي في ظل غياب تدوينها. وهو ما يؤثر سلبا على تشكيل الوعي السياسي لدى الجيل الذي لا يزال يجهلها. وهي معطيات تمت معايشتها، والتحري بدقة عنها. وأي خطأ في المعطيات سيكون غير مقصود، ومرحب بمن يقوّمه ويصوّبه.

1.بين يدي المقال:

حطت انتخابات 2021 أوزارها، وكشفت عن واقع سياسي جديد، فلن يكون لحزب ترأس الحكومة لولايتين متتاليتين أي دور في التسيير. مشهد درامي غريب، عن طبيعة السياسة المغربية، التي يطبع مزاجها الشعبي كما الرسمي، على الدوام: سلاسة في التغيير، ومرونة في التحول.

لا يهم كثيرا ما إن كانت تلك النتائج حقيقية أم "مخدومة". إذ في الحالة الأولى، سيكون هذا الحزب قد استنفد شعبيته تماما. كما ستكون الدولة العميقة، في الحالة الثانية، قد استنفدت أغراضها منه أيضا.

وإذا كان شيء من هذا وشيء من ذاك، فسيكون عامل الاستنفاد هو الحقيقة المشتركة.

ولكن الأهم في كل الحالات، هو أمران: إن نتائج انتخابات 8 سبتمبر لا تعكس حقيقة وحجم حزب العدالة والتنمية. وهذا أمر يمكن أن نسهب في تفصيله، ولكن ليس في هذا المقال.

الأمر الثاني والأهم: أن نمارس نوعا من التحليل الشامل، ونتساءل:

كيف آلت هذه التجربة إلى هذا المآل المفجع، فأزيح هذا الطيف السياسي المغربي عن المشاركة في تدبير الشأن العام، وهو الذي شغل الرأي العام أكثر من عقدين من الزمان؟ 

وما مآل أطروحته التي كان يحملها، وهل سيؤثر سقوطها على تماسك كيانه الحزبي، ومن ثم على مشروعه السياسي برمته؟

أم هل ستتمكن كفاءات حزب العدالة والتنمية المغربي مستقبلا، من فرز أطروحة بديلة، أقدر على الجواب عن تحديات الواقع السياسي بالمغرب؟

ولمقاربة كل ذلك، لا بد من إعادة تركيب قصة تلك التجربة، وقراءتها قراءة وافية متأنية، من منظور أطروحاتي، للوقوف على خلفيات المواقف، وحقيقة التفاصيل التي غابت في زحمة الأحداث، وألغيت من الحساب في غمرة "الانتصارات".

2.قد جاء وقت الحديث:

حقيقة، إن جيل مناضلي حزب العدالة والتنمية، والذي التحق به عند فترة صعوده وانتصاراته، بعد 2003، لم يعايش التفاصيل الجينية التي شكلت لحظة نجاح حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2011، وبالتالي فلا شك أن تفاعله مع تلك المرحلة سيكون تفاعلا سطحيا، كما أن وعيه السياسي والحزبي قد يكون تأثر بذلك سلبا، وجعله غير مستوعب بشكل جيد لطبيعة التحولات التي طرأت أمامه، وخاصة في لحظة ما سمي ب"البلوكاج " بعد 7 اكتوبر، أو عند انتكاسته الكبرى بعد 8 سبتمبر. 

وبالتالي فهذا الجيل الجديد، لن يعول عليه في اجتراح أي مقترحات، للخروج من تلك النكسة التي يعيشها، ما لم يُعِد تأسيس وعيه السياسي والحزبي بناء على معطيات التاريخ والسياسة. 

وقد ساهم في ذلك الواقع، إحجام من عايش تلك الحيثيات عن الحديث، إما بسبب الانخراط العملي في الأطروحة التي سادت بعد أحداث 16 ماي، آملا في اختراقها من الداخل.. أو بسبب الانكفاء في ظل "الإخوان" وحواليهم، حتى لا يكون عليهم.

وهناك فئة ثالثة، ربما ينتمي إليها صاحب المقال: كان المرء فيما سبق، ينأى عن تقديم قراءة نقدية علنية، لتك التجربة وهي في غمار تحققها، بالرغم من ظهور معضلات خطيرة تنبئ عن سوء العاقبة. وذلك، خشية توظيفها في سياق التشويش والتحكم اللذين واكبا تجربة حكم العدالة والتنمية، ولم يتوقفا عن الاشتغال لحظة واحدة.

إلا أن المسؤولية التاريخية، اليوم، تحتم على من عايش تلك الحيثيات، أن يدلي بشهادته ورأيه، باعتبار أن مشروع الإصلاح الذي تبناه هذا الطيف السياسي، مفتوح على احتمالات فاصلة، بعد أن سقطت أطروحة من أطاريحه، التي اشتغل بها قبل وخلال فترة مشاركته في تسيير البلاد.

كما إنه، من حق المواطن المغربي عموما، أن يدرك العديد من خلفيات ما حصل، حتى إذا حكم على التجربة، سلبا أو إيجابا، أن يحكم عليها وهو يمتلك المعطيات الكافية.

 غير طارحين من حسابنا، كون تجربة العدالة والتنمية بالمغرب، كانت محط تتبع واهتمام، من طرف كيانات وكفاءات سياسية خارجية أخرى، قد تشترك أو تختلف مع المشروع.

لذلك نقول: جاء وقت الحديث.

3.في البدء كانت اطروحتان:

حزب العدالة والتنمية إفراز لتجارب متراكبة، تقف خلفه تلك الحركة التربوية الدعوية: حركة التوحيد والإصلاح، والتي تشكلت في حد ذاتها من حركات إسلامية أخرى، كان من أهم روافدها: رابطة المستقبل الإسلامي، والتي كان يرأسها أحمد الريسوني. إضافة إلى حركة الإصلاح والتجديد، التي كان يرأسها عبد الإله بنكيران.

ولقد تشكلت الرؤى التربوية والسياسية المختلفة لكلا الطرفين، عبر عقدين من الزمان، ابتداء من مرحلة السبعينيات.

-مشروع الوحدة:

وحين تم تأسيس حركة التوحيد والإصلاح، صيف 1996، لم يكن مجموع تلك القضايا الخلافية قد حسمت، بل تم ترحيلها لمرحلة ما بعد الوحدة، في حين اعتبر استمرار الخلاف حول بعضها الآخر، لا يمنع من تحقيق المشروع. 

لقد تمت الوحدة، في ظل سياق حزبي متأزم، تميز بتفاقم ظاهرة الانشقاقات الحزبية، خاصة في صفوف اليسار المغربي، نتيجة قبول عبد الرحمن اليوسفي، الوزير الأول الأسبق، الدخول في مشروع ما سمي حينذاك ب"التناوب السياسي"، دون عقد مؤتمر للحزب، حيث كان آخر مؤتمر له سنة 1987 .

هذه الأجواء الانشقاقية، جعلت من تحقق مشروع الوحدة في حد ذاته، بين مجموعة من الكيانات المتفرقة، إنجازا سياسيا متميزا.

والجدير بالذكر، أن ذلك النقاش الذي حدث، عند تشكل حركة التوحيد والإصلاح، خلال سنتي 1995 و 1997 لم يفرز أطروحات موثقة وواضحة. وبالتالي، فكل تصنيف أو صياغة لتلك الأطاريح، تنضوي ضمن هذا المقال، إنما هي محاولة لتكثيف الرؤى والتصورات التي جرى تطارحها خلال تلك الفترة. 

وعليه، فيمكن إرجاع كل ذلك الاختلاف بتفريعاته المتعددة، إلى الأصل التالي: 

"كيف يمكن التعامل مع تحدي الفساد والاستبداد؟ وما هو المدى الذي يمكن أن يتم فيه التعامل مع المؤسسة الملكية، لتحقيق مشروع العدالة والإصلاح؟"

ونتيجة لاختلاف التعاطي مع هذا الإشكال، ظهرت الأطروحتان التاليتان:

-الأطروحة الأولى: أطروحة التمايز:

كان واضحا أن الاتجاه الأول، والمتشكل معظمه من أبناء رابطة المستقبل الإسلامي، بزعامة أحمد الريسوني، قد بنى مشروعه الخاص لمحاربة الفساد والاستبداد، على أساس أن التعامل مع المؤسسة الملكية سيتم تحديده حسب قربها أو بعدها من مشروع العدالة والإصلاح. باعتبار أن المؤسسة الملكية لها إكراهاتها الخاصة، تتعلق ببنيتها وتعاقداتها الداخلية والخارجية. وبالتالي فعلى أصحاب المشروع أن يحدثوا معها نوعا من التوازن السياسي. يجعل من تحقق الإصلاح والعدالة امرا ممكنا. ولذلك اختار مسافة التمايز عن المؤسسة الملكية. وعليه سنصطلح على هذا التيار اسم: تيار التمايز.

وقد يعجب الكثير، حين يقف على حقيقة أن الدكتور عبد الكريم الخطيب رحمه الله، وهو مؤسس حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، والذي سيتغير اسمه بعد ذلك ليصبح: "حزب العدالة والتنمية"، كان يتبنى هذه الاطروحة، كونها تنسجم تماما مع الأساس السياسي الذي بني عليه الحزب أول مرة، والذي ظهر للوجود في نوفمبر 1967، كرد فعل، على فرض العاهل المغربي الراحل حالة الاستثناء سنة 1965. كما يؤكد ذلك التوجه تقديم الخطيب لمذكرة  16 أكتوبر 1972، والتي أكد فيها على رفض استمرار حالة الاستثناء، محذرا الملك حينذاك من إدخال البلاد في أفق مجهول. كما عبر عن ذات التوجه خلال دعوة الحزب لمقاطعة الاستفتاء على الدستور الممنوح سنة 1996، كونه لم تصغه هيأة دستورية مستقلة. هذا الموقف الذي كان موضوع خلاف كبير بين الخطيب وبنكيران. 

-الاطروحة الثانية: أطروحة التماهي:

وقد تبناها معظم أبناء، حركة الإصلاح والتجديد، بزعامة عبد الإله بنكيران وعبد الله بها رحمه الله، وتجلت في نهج التماهي التام مع المؤسسة الملكية، في خياراتها لمحاربة الفساد والاستبداد. باعتبار أن المؤسسة الملكية ذات شرعية دينية، ولا يمكن إلا أن تكون مع العدالة والإصلاح، وفق الرؤية الدينية التي تتبناها أي حركة إسلامية معتدلة. حسب ما يعتقده أصحاب هذا التوجه. وسوف نصطلح على هذا التيار باسم: تيار التماهي.

حقيقة إن تيار التماهي، لم يكن أصيلا لدى قادته منذ البداية، فلقد بلوره عبد الإله بنكيران، والذي كان في البداية معارضا شرسا للنظام المغربي، بعد فترة اختطافه مدة أسبوعين، سنة 1982. ليخرج في الأخير وينشق عن "أميره" في الشبيبة الإسلامية عبد الكريم مطيع، ويؤسس، مع رفاقه المنشقين، جمعية الجماعة الإسلامية. ويصدر شريطه السمعي، الذي كان عنوانه: "التوجه الجديد". حيث بدأ يدعو لأطروحته من خلال جريدتي الإصلاح ثم الراية، ويلقي المواعظ والدروس في مساجد الرباط، ويتجول في أنحاء المغرب، ليلتقي بالمعتقلين من أبناء الشبيبة الإسلامية، ضامنا خروجهم من المعتقل، مقابل التحاقهم بالجماعة.

وبالرغم من أن عبد الإله بنكيران، كان هو أول من فتح خط التعاون مع الدكتور عبد الكريم الخطيب، إلا أن الرجلان غلب على علاقتهما التوتر مدة 16  عاما، وذلك لاختلافهما في الأطروحة. ذلك الاختلاف الذي كان يظهر عند كل محطة مفصلية.

4. الريسوني: أطروحة التمايز في سبيل تحقيق التوازن (1996-2003):

في السنة الأولى لحركة التوحيد والإصلاح، أي سنة 1997، تم تشكيل هياكل الحركة عبر الانتخابات الداخلية. غير أن المفاجأة تمثلت في كون المواقع المفصلية في الهيكلة التنظيمية الجديدة قد آلت لتيار التمايز. مع أن عددهم كان أقل بكثير من عدد التيار المقابل. 

إلا ان كفاءة نوعية من التيار الأول، سوف تغيب عن المشهد، في ذات السنة، بعد حادثة سير قاتلة. ويتعلق الامر بعبد الزراق المروري رحمه الله، الذي خلف غيابه إضعافا كبيرا للتيار الأول، كونه كان ذا رصيد تواصلي نوعي كبير، خاصة مع اليسار المغربي، والرموز الوطنية التاريخية. غياب، لا يزال العديد من المناضلين اليوم يتحدثون عنه بارتياب شديد. إلى الحد الذي جعل الدكتور عبد الكريم الخطيب، وهو الذي كانت تربطه به علاقة خاصة، يعبر عنه صراحة أثناء الكلمة التأبينية التي ألقاها. 

-تقادح الاطروحتين:

كان عبد الرزاق المروري، قبل مقتله، يرأس تحرير جريدة السبيل ثم جريدة الصحوة بعدها، فيما أدارهما المصطفى الرميد. وقد ظلت جريدة الصحوة خاصة تعبر عن أطروحة التمايز، فكانت تدافع باستمرار عن مشروع "الملكية البرلمانية"، وما تستلزمه من تعديل دستوري، إن من خلال افتتاحياتها بقلم رئيس تحريرها، أو بمقالاتها المتعددة التي كانت تنفتح على جل الاطياف السياسية التي تتبنى ذات الطرح.

وفي المقابل، كانت جريدة الراية، برئاسة بنكيران ثم محمد يتيم، تعمل على تكريس الأطروحة المقابلة، بنفس الحماس والتفاعل، رافضة المس باي صلاحيات ملكية او تعديل للدستور.

لقد مثلت تلك اللحظة، مثالا نادرا في التاريخ السياسي بالمغرب، حين كانت هيأة سياسية واحدة، تعبر عن أطروحتين مختلفتين في ذات اللحظة، عبر منبرين إعلاميين متباينين. الأمر الذي كان يخلق ارتباكا كبيرا داخليا وخارجيا، مما سيدفع حركة التوحيد والإصلاح، لاتخاذ قرار توقيف صدور الجريدتين، واعتماد منبر واحد وهو الذي صبح يعرف ب: جريدة التجديد، وذلك في نوفمبر 2001.

توحيد المنبر الإعلامي سيكون له دور المموه على حقيقة استمرار تصارع الأطروحتين، على مستوى مواقع الحزب والحركة وبقية الهيئات الموازية لهما. لكن ذلك التمويه لن يدون لأكثر من سنتين، لتظهر حقيقته بقوة على السطح.

-علاقة الحركة بالحزب:

منذ تأسيسها، ظلت حركة التوحيد والإصلاح، برئاسة أحمد الريسوني، تمثل العمق الفكري والتربوي للحزب، كما مثلت الرافعة الحقيقية لمشروع العدالة والإصلاح. فكان الحزب يلجا للحركة لمده بالشباب والكفاءات، مع أن معظم المنتمين للحركة كانوا في البداية ضعيفي الحماس في اتجاه الاشتغال ضمن هياكل الحزب.. إذ كان معظمهم لا يرى فيه إلا استلابا واستنزافا للطاقة وللبعد الروحي والتربوي، الذي دأبوا عليه في الحركة. 

كما كان الفريق البرلماني، الذي كان قد بلغ اثنا عشر نائبا، دائم الرجوع للحركة، لأخذ مشورتها في مجموعة من القضايا، وطلب دعمها في العديد من المحطات التعبوية. ومن ذلك مثلا الموقف من مقترحات قوانين القروض الصغرى والبيع بالأجل، ومشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية. هذا الأخير الذي أظهرت فيه حركة التوحيد والإصلاح قدرتها البالغة على التعبئة والحشد، للتعبير عن رؤيتها قضايا تهم الحياة التشريعية التي يخوضها الحزب.

هذا الواقع سيبدأ في التغير شيئا فشيئا، مع توالي الاستحقاقات الانتخابية، الواحدة تلو الأخرى، مع تضخم حجم الحزب، وسرعة حركته وكثافة التزاماته: حيث التحق منتمون جدد للحزب، لم يعودوا يرون في الحركة غير الالتزامات التي لا تغذي طموحهم في الظهور والتصدر، والانتفاع من الامتيازات المصاحبة. 

وقد كان أبرز من استفاد من هذا التوجه الأخلاقي الجديد، رئيس شبيبة الحزب حينذاك، إلى درجة كان قد مارس خلاله ما يشبه الاستقطاب والاستقطاب المضاد بين شبيبة الحزب، واللجنة التلاميذية للحركة.

ومع أن التمييز بين الدعوي والسياسي قد فرض نفسه على طبيعة عمل كل منهما، وتم التمييز بين القيادات العليا هنا وهناك، حيث تم التنصيص على عدم الجمع بينهما (ورقة: "مسألة الوصل والفصل" كما نصت عليه ادبيات الحركة).. إلا أن الحركة ظلت مع ذلك تحافظ على حضورها المعنوي والميداني عند كل محطة من محطات الحزب الفاصلة.

ويمكن تحديد المدى الزمني لهذه المرحلة فيما بين 1996 و 2003. خلال تلك الفترة كلها، كانت أطروحة التمايز هي الغالبة، مع الميل إلى اعتماد نوع من التوافق في القضايا الكبرى: 

وباستثناء الموقف المبكر للحركة من دستور 13 سبتمبر 1996، فقد كانت معظم القضايا التي تتعاطاها ذات طبيعة أخلاقية وهوياتية، تبعا لطبيعة المرحلة وبساطة التجربة: ومن ذلك إصدار بيان "موقف المذهب المالكي من الاحتفال برأس السنة الميلادية"، وهو ما جعل السلطات حينها تبعث رسالة تحذير شديدة اللهجة إلى رئيس الحركة احمد الريسوني.

وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001، ودخول المغرب ضمن الدول الداعمة للسياسة الامريكية في محاربة الإرهاب الدولي، ظهرت مجموعة من الخروقات الحقوقية ضد فئة ما كان يصطلح عليه ب"السلفية الجهادية"، مما دفع كلا من الحركة والجريدة والفريق البرلماني للحزب، برئاسة المصطفى الرميد، إلى تبنى ملفاتهم حقوقيا وقضائيا. وهو ما ضاعف من حنق السلطات على ذلك التوجه.

كان زعيم تيار التماهي ، عبد الإله بنكيران، لا يخفي انزعاجه الشديد، فاتخذ حينذاك، موقع التراجع إلى الخلف، والاحتجاج من بعيد على توجه الحركة، الذي، حسب رأيه، سيقضي على المشروع برمته، وذلك بتخريب كل محاولات بناء الثقة بين الإسلاميين والمؤسسة الملكية، والتي دأب هو على بنائها منذ إعلانه "التوجه الجديد" سنة 1982. فقد كانت كل مقترحاته حينها تبوء بالفشل: ابتداء من عدم تبني موقف الموافقة على الدستور، ومرورا برغبته في الترشح في انتخابات 1997، ثم المشاركة في حكومة اليوسفي في ذات السنة، و بموقفه في الاستمرار في المساندة النقدية سنة 2000، ووصولا إلى التبني الحقوقي والرقابي لملف السلفية الجهادية.

5. 16 ماي: تفعيل تقنية "تعديل البنية لتعديل الوظيفة": (2003-2011)

بعد أحداث 11 سبتمبر، سيعرف المغرب مجموعة من التطورات التي ستنعكس على علاقة الحزب بالحركة، و بالمحيط السياسي. كما سيكون لها تأثير مباشر على التكييف الذي ستمارسه سلطة التحكم في الحزب والحركة. وكان من أهمها ما يلي:

-الانتخابات التشريعية 2002:

وفي أجواء استعداء عالمي لكل ما يمت بصلة للطيف الإسلامي، واشتغال الآلة الإعلامية في الترويج لسيناريو "الاكتساح الإسلامي"، جرت الانتخابات الجماعية بتاريخ 27 سبتمبر 2002، استطاع فيها الحزب أن يضاعف عدد فريقه ليصل إلى 42 عضوا، مع وجود شكوك قوية تدل على وقوع تزوير كبير ضده.

في ذلك الوقت ظل الحزب في موقع المعارضة بشكل تلقائي، كون الوزير الأول المعين إدريس جطو لم يعرض عليه التشاور لتشكيل الحكومة. وذلك، بالرغم من احتلاله المرتبة الثالثة بفارق ضئيل عن الحزبين الأولين. والذي أثِر عليه مقولته التي وجهها لأحد قياديي الحزب: "إنكم تسبحون جيدا، فلا داعي للتجديف."، فتوقف الحزب حينها عن الاحتجاج على التزوير. يضاف إلى ذلك اعتبار أخر، يتعلق بتبني الحزب حينذاك، لمبدأ "الضبط الذاتي"، أي التحكم الذاتي في حجم الفوز. وقد اعتمد الحزب مبدأ الضبط الذاتي، رغبة منه في عدم استعداء الخصوم الداخليين، أو إحراج الدولة مع المتخوفين الخارجيين. غير أن الآلة الإعلامية مع ذلك لم تتوقف، وهو ما كان قد عكس مدى الحنق الذي كانت تشعر به سلطة التحكم تجاه هذه التجربة. 

-مشروع قانون مكافحة الإرهاب:

وقد بلغ ذلك الحنق قمته، حين تزعم الفريق البرلماني حملة رفض مشروع قانون الإرهاب، وذلك منذ أن توصل به البرلمان بتاريخ 4 نوفمبر 2002. مما ساهم في تجميد مناقشته، بالرغم من توسل وزير العدل حينذاك، عبد المجيد بوزوبع، للبرلمانيين من أجل تمريره، إلى حد ذرفه للدموع في اجتماع لجنة العدل والتشريع. 

-حوار مأسسة إمارة المؤمنين: 

خطوة موازية سيخطوها الريسوني، في سبيل تفعيل أطروحة التمايز، وتصريفها في شكل إجراءات مؤسساتية للدولة، حين بلور فكرة تطوير مفهوم إمارة المؤمنين، فعبر عنه في حوار صحفي لجريدة أوجوردوي لوماروك، المقربة من سلطة التحكم، وذلك بتاريخ: 12ماي 2003. هذا الحوار الذي سيتم التصرف فيه من قبل هيأة التحرير. وبالرغم من أن الرجل قد أصدر بيانا ينبه فيه إلى وقوع تحريف مخل بكلامه، إلا أن الآلة الإعلامية استعرت بشكل أعنف. والضغوطات السياسية قد تلاحقت، حيث بلغ محمد العنيكري، وهو الذي سيصبح مديرا عاما للأمن الوطني، قيادة الحزب بأن ما فعله الريسوني لن يمر أبدا.  

-أحداث 16 ماي وبروز اتجاه الاستئصال:

في ظل تلك الأجواء المشحونة، وقعت تفجيرات الدار البيضاء الإرهابية، والتي راح ضحيتها 42 قتيلا و 102 جريحا.

كانت جهات متعددة متحفزة لتحميل حزب العدالة والتنمية ما سمي حينذاك ب "المسؤولية المعنوية". حتى بلغت درجة بالأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي محمد اليازغي، أن دعا إلى حل حزب العدالة و التنمية، وذلك خلال الاجتماع الحكومي بتاريخ 18  ماي 2003 ، بدعوى انه حزب ديني ومخالف للدستور. 

بعد ذلك بعشرة أيام سيتم تمرير قانون الإرهاب بالإجماع، إلا أن الفريق البرلماني للعدالة والتنمية، مع ذلك، سيقدم مداخلة تحفظية، واعدا بتقديم تعديل على بعض مقتضياته، حينما تتعافى البلاد مما تمر به. وهو الأمر الذي لم يحدث.

كما تشكلت لجنة مشتركة بين البرلمان والحكومة، للتحقيق في الأحداث، غير أن التقرير النهائي للجنة لم ير النور أبدا.

-اجتماع" إزاحة تيار التمايز وتنصيب تيار التماهي":

وقد كان من أهم تداعيات أحداث 16 ماي، ذلك الاجتماع، الذي دعا له وزير الداخلية آنذاك مصطفى الساهل، مرفوقا بالوزير المنتدب في الداخلية آنذاك فؤاد عالي الهمة، إضافة إلى محمد ياسين المنصوري، الذي كان حينها يشغل منصب والي مدير عام للمديرية العامة للشؤون الداخلية (إحدى أجهزة المخابرات).

وقد دعيت لذلك الاجتماع، الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، إضافة إلى رئيس حركة التوحيد والإصلاح.

وكان من ضمن من حضره بالإضافة إلى الدكتور الريسوني: الدكتور الخطيب، والرميد، وبنكيران، وبها والعثماني ومحمد رضى بنخلدون.

وقد كانت خلاصة الاجتماع، الذي تحدث فيه الساهل ثم تبعه الهمة، في حين لم يتحدث المنصوري، تبليغ رسالة واضحة باعتزام الدولة الحسم في علاقة الحزب والحركة، كما تم التأكيد على الرغبة في استمرار المصطفى الرميد على رأس الفريق البرلماني للحزب. 

وفي حين، كان الريسوني قبيل ذلك الاجتماع قد استشعر تلك الرغبة، وبادر بتقديم استقالته من رئاسة الحركة، ليخلفه المهندس الحمداوي. فإن الرميد قد فعل ذات الشيء بعد الاجتماع، بالرغم من تشبث الفريق بهذا الأخير، ورفضه لاستقالته، ليخلفه المرحوم عبد الله بها.

وبطبيعة الحال، فقد كان زعيم تيار التماهي، عبد الإله بنكيران، أشد تحمسا لذلك التغيير البنيوي، حيث ظل يردد أيامها: "لقد حان الوقت كي يمسك أصحاب المشروع الحقيقيين بزمام الأمور."

وأما الدكتور الخطيب، فسيسلم، دون طلب من أي جهة، مقاليد الأمانة العامة لسعد الدين العثماني، باعتباره حينما شخصية وسطية بين التيارات، وذلك خلال المؤتمر الخامس للحزب. فقد كان العثماني يتحاشى أن يحسب على أي تيار، ويكتفي بالحفاظ على نفس المسافة من الجميع.

لقد شكل ذلك الاجتماع المفصلي، تحقيقا فعليا لتقنية "تعديل بنية المؤسسة حينما لا تنتج وظيفة مرغوبة"  حيث مكّن تيار التماهي من احتلال مواقع تيار التمايز.

ومنذ حينه، ظل ذلك التعديل البنيوي، الذي أفرز تعديلا في الاطروحة السائدة، مطبقا لغاية انتخابات 8 سبتمبر 2021. 

حيث ستتوالى التدخلات البنيوية والتدبيرية الموسمية، كلما دعت لذلك الضرورة، وسمحت بذلك الطبيعة الديمقراطية للتسيير الداخلي للحزب.

ومن ضمنها، ما حصل خلال الانتخابات الجماعية في 12 سبتمبر 2003، حيث تواصلت سلطة الداخلية مع قيادة حزبية، لتبلغه، بلهجة شديدة وحاسمة، بحجم ومواقع الترشيحات المسموح بها للحزب. وما كان منه إلا ان استجاب دون مقاومة. وهو موضوع لم يبق خافيا حينها على أحد، بل كان محل امتعاض شديد من النخبة السياسية الوطنية، عبر عنها خالد الجامعي ضمن الندوة السياسية التي عقدها الحزب بالرباط، سنة 2004، تحت عنوان: "حزب العدالة والتنمية بعيون ناقدة". حيث اعتبر "استجابة الحزب لذلك الإملاء عدم وفاء منه لأصوات ناخبيه، وكونه يكرس تحكم أجهزة السلطة في الحياة السياسية، ويضرب في العمق جوهر العملية الديمقراطية."

ومع ذلك، فقد أفشلت الطبيعة الديمقراطية للحزب، العديد من محاولات التحكم والتوظيف. ومن ذلك ما حدث سنة 2006، أثناء استهداف الصحافي أبو بكر الجامعي وجريدته: "الصحيفة". حيث نشرت مقالا حول الرسوم المسيئة للرسول الكريم. وبفعل خطإ فني، طبع المقال مرفوقا بالرسوم. فما كان من سلطة التحكم إلا ان اتصلت مباشرة بأحد قياديي الحزب، تدعوه فيه للاحتجاج أمام مقر الصحيفة. غير أن الكتابة الجهوية للحزب بالبيضاء، تلقت الأمر، وقامت بالتحقيق فيه قبل اتخاذ أي موقف، وتبين لها بالفعل، أن ما حصل كان مجرد خطأ، وأن إدارة الصحيفة قد سحبت العدد من السوق، وتم تعويضه بالنسخة الصحيحة. وبناء على ذلك، رفضت الكتابة الجهوية تنفيذ الأمر بالخروج.

6. بنكيران: أطروحة التماهي في سبيل الإصلاح (2008-2016)

بعد تلك الفترة، تمكن بنكيران من إزاحة العثماني من الأمانة العامة، خلال المؤتمر السادس سنة 2008. وظل يبعث خلالها برسائل مباشرة وغير مباشرة للمؤسسة الملكية، مؤكدا على اتجاه التماهي معها في "سبيل تحقيق الإصلاح والعدالة في البلاد."

-20 فبراير والانتعاش المؤقت لتيار التمايز: 

وحين جاءت هبة 20 فبراير2011، لم يتردد بنكيران في رفض تلك الموجة، بل شمر عن ساعديه ليثني كل من تسول له نفسه المساهمة فيها. إلى درجة أن ضغط على شبيبة الحزب، والتي اضطرت لإصدار بيانها، والتعبير فيه عن تبنيها لمطالب 20 فبراير، واعتذارها عن المشاركة فيها، نظرا لالتزامها بقرارات قيادتها في الحزب، مع السماح للمنتمين لها بالمشاركة فيها بشكل فردي.

ومع ذلك فقد كانت مناسبة لانتعاش مؤقت لتيار التمايز، الذي شارك في مسيراتها، بل وقّع العديد منهم على البيان/العريضة الذي طرحته مجموعة من الشخصيات الوطنية المغربية، وحمل اسم "بيان حول التغيير الذي نريد" الذي جعل على رأس مطالبه الدعوة إلى بناء نظام سياسي مغربي يقوم على ملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم، وكان على رأسهم كل من: أحمد الريسوني وسعد الدين العثماني والمصطفى الرميد وعبد العلي حامي الدين وأحمد الشيخي وعبد العزيز أفتاتي وعبد الصمد السكال ومحمد الطلابي وعزيز هناوي، وغيرهم.

ذلك التموقع الواضح لتلك القيادات أظهر من جديد حجم الاختلاف الذي ظل متواريا منذ إغلاق جريدتي الصحوة والراية سنة 2000. وأدخل الحزب في حالة توتر داخلي شديد.

وقد كان للخطاب الملكي 9 مارس 2011 دور المهديء لمحاور الخلاف داخل الحزب، حيث تم التوافق على التعاطي الإيجابي مع المرحلة، والقبول بالانخراط في التعديل الدستوري، والدخول في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

-انتخابات 2012   واستثمار الرصيد:

فاجأ حزب العدالة والتنمية الجميع، حين احتل المرتبة الأولى، مستفيدا من ثلاث عوامل: 

العامل الأول: الزخم الشعبي الذي خلفته هبة 20 فبراير، الذي كان ينظر إلى حزب العدالة والتنمية أن من شانه تحقيق مطالب الشعب في ظل استقرار البلاد.

العامل الثاني: الرصيد الفعلي الذي راكمه الحزب خلال اشتغاله مع المواطنين منذ انتخابات نوفمبر 1997، وكذا مؤسساته الاجتماعية والدعوية الداعمة له، خلال ثلاث ولايات تشريعية متتالية.

العامل الثالث: الرصيد التوقعي الذي تكون لدى عموم الشعب تجاه الطيف الإسلامي، منذ ظهور الحركة الإسلامية على الساحة الدعوية والاجتماعية بمختلف مكوناتها.

-زعيم تيار التماهي رئيسا للحكومة:

ليس خافيا على أحد، أن بنكيران لم يكن، من البداية، هو الخيار المفضل للمؤسسة الملكية، كي تسلمه مقاليد رئاسة الحكومة، ولكن الذي ضغط في ذلك الاتجاه، هو المؤتمر الصحفي الذي عقدته الأمانة العامة، بعيد الإعلان عن فوز الحزب، فأعلنت تشبثها باختيار أمينها العام مكلفا بتشكيل الحكومة. وقد كان للأجواء التي كان يعيشها الشارع المغربي حينذاك الدور الأوفر في اختياره.

لقد راهن عبد الإله بنكيران منذ اللحظة الأولى على اختراق المحيط الملكي ليعمل مباشرة مع الملك، وذلك حسب ما تقتضيه أطروحة التماهي التي مفادها: " إن المؤسسة الملكية ذات شرعية دينية، ولا يمكن إلا أن تكون مع العدالة والإصلاح، وفق الرؤية الدينية التي تتبناها أي حركة إسلامية معتدلة." حيث كان يعتبر أن ثقة الملك بالإسلاميين لا يحول بينها وبينهم غير المحيط الملكي، الذي دأب على التشويش على صورتهم امامه.

ولذلك، عمل بنكيران بشدة، منذ 1982، على توصيل صورته للملك مباشرة، عبر رسائله المفتوحة ومربعات تهنئته عبر جريدتي الراية والتجديدن بالرغم من كل الانتقادات اللاذعة التي كان يتلقاها.

وحين أصبح رئيسا للحكومة، تيقن أنها الفرصة السانحة لاختراق ذلك المحيط الملكي، وتحقيق ما كان يهدف له منذ 30 سنة. فعمل على مهاجمة المستشارين، بل وتحذير الملك من فسادهم واستبدادهم. لكن محاولاته تلك جوبهت بالصد والمحاصرة، إلى أن فهم أن عليه أن يتراجع تكتيكيا، وينسق مباشرة معهم. وأدرك أن المرور إلى الملك ليس بالسهولة التي كان يظن.

وبذلك، كان خطابه وسلوكه في النصف الأول من ولايته، يطبعه نوع من الانسجام مع مؤسسات ورغبات الدولة العميقة والمحيط الملكي. وهو ما انعكس على قراراته وخرجاته الإعلامية.

إلا انه بعدها، بدأ يعي أنه لا يتقدم في سبيل تحقيق مراده، وأنه لا يحظى بأي مما كان قد جعله هدفا لولايته وحكمه. وأنه يعطي كل شيء ولا يأخذ أي شيء. بل كان يرى تعنتا مقصودا من دواليب الدولة العميقة في اتجاه عرقلة خطواته، وتغليب خصومه الأيديولوجيين عليه. حيث تبين له ما مفاده: "نأخذ منك ولا نعطيك، ونستخدمك ولا تستخدمنا. "

يبقى عبد الإله بنكيران، في نهاية المطاف، صاحب مشروع، يودّ أن يصرّفه في الواقع. وحينما أحس أنه لم يستطع أن يحقق أي شيء في ذلك الاتجاه، بالرغم من كل المحاولات والتنازلات والتطمينات، بدأ الرجل يتملكه الإحباط الشديد.

-أطروحة "التماهي لتحقيق الإصلاح" أمام البلوكاج:

وحينما أدرك واقع الاحتباس، قرر استغلال كاريزماه التواصلية في الضعط على تلك المحاور، فبدأ يمارس خطاب المنّ على النظام، بكونه هو، أي بنكيران، صاحب الفضل على النظام في تجنيب المغرب حالة الفوضى والاضطراب. كما بدأ يهدد بأن الشارع لا يزال مستعدا للعودة لحالة 20  فبراير.

حتى تجرأ مرة على مخاطبة الملك نفسه بقوله: "أنا غير مطلوب مني أن أرضي الملك، أنا مطلوب مني فقط أن أرضي أمي. (هكذا). ". 

وما كانت تلك التصريحات التي طبعت خطاب بنكيران في المرحلة الثانية، إلا انعكاسا مباشرا لحجم اليأس الذي وصل له الرجل، بعد أن أوصل أطروحته القديمة إلى منتهاها. 

تصريحات جعلت المحيط الملكي يحسم في أمره نهائيا، ويقرر إنهاء ظاهرة بنكيران. فسدت أمامه كل الأبواب، وتم دفعه للإخفاق في تشكيل الحكومة، بالرغم من أنه قد حقق انتصارا تاريخيا للحزب في الانتخابات التشريعية 2016. ثم تم استدعاؤه في الأخير للقصر الملكي بالدار البيضاء، فلم يمنح حتى فرصة لقاء الملك، ولا تسليم طلب استقالته الذي لا يزال في جيبه. بل استقبله بعض المستشارين، ليبلغوه سلام الملك مرققا بقرار الإعفاء.

وقد كان شكل اللقاء، مشهدا سيميائيا بليغا، عبّر مباشرة، عن سماكة الجدار الذي يفصل الإسلاميين عن الملك.

كان على زعيم سياسي وطني مسؤول، أن يخرج بعد ذلك ويعبّر عن حقيقة وصول أطروحته التي كان يؤمن بها، إلى نهايتها، حتى يسهم في تطوير وعي وخطاب وأداء حزبه الذي يرأسه. كما كان عليه، بناء على ذلك، أن يجعل الحزب يتفادى الدخول في ثنائية استقطابية شخصانية بينه وبين سعد الدين العثماني.

غير أن زعيم أطروحة التماهي، التي فرضتها سلطة التحكم على الحزب منذ 2003، يبدو أنه لم يمتلك ما يكفي من الجرأة السياسية والأدبية، كي يعلن صراحة نهاية أطروحته السياسية، بعد تجربة خمس سنوات من محاولة تفعيلها من أعلى منصب تنفيذي في البلاد، بعد منصب الملك. 

وقد لجأت سلطة التحكم، سنة 2017، إلى ذات التقنية التي استخدمتها سنة 2003، ضد تيار التمايز، وهي تقنية "تعديل البنية لتعديل الوظيفة"، ولكنها هذه المرة قد لجأت إليها، لتغليب اتجاه داخل نفس تيار التماهي. فاختارت العثماني بدلا عن بنكيران.

هذا الأخير، الذي اكتفى بالانزواء إلى الخلف مرة اخرى، وبالمراهنة على شبيبة الحزب لاسترجاع منصبه الحزبي المضيّع، والتشويش على تدبير غريمه الجديد في رئاسة الحكومة، وتصريف تخبطه السلوكي، بين تقديم نفسه للدولة كزعيم قادر على الاستمرار في خدمتها من جديد، والاحتجاج على سلوك الأمانة العامة بتجميد العضوية والدعوة إلى عقد هيآت ثم مقاطعة حضورها، والتراجع عن الدعوة لعقد أخرى..

الجزء الثاني من المقال في هذا الرابط 

الجزء الثاني