ما الذي يدفع التوترات المتصاعدة بين الجزائر والمغرب؟ — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

ما الذي يدفع التوترات المتصاعدة بين الجزائر والمغرب؟

ما-الذي-يدفع-التوترات-المتصاعدة-بين-الجزائر-و-المغرب

قطعت الجزائر في 24 أغسطس/آب علاقاتها الثنائية المتدنية بالفعل مع المغرب، معلنة أن هذا يرجع إلى "الأعمال العدائية" للمملكة واتهمتها بالتورط في حرائق الغابات التي اجتاحت منطقة القبائل في وقت سابق من ذلك الشهر. ويسلط التوتر المتزايد بين البلدين الضوء على عدم اليقين الإقليمي وقد يؤدي إلى نهاية تعاونهما المحدود في قطاع الطاقة.


تاريخ صعب

يتمتع البلدان بتاريخ طويل من العلاقات المتوترة، والتي تكمن وراءها قضايا أيديولوجية سياسية ومسائل ترسيم الحدود والتنافس على النفوذ الإقليمي.

خاض المغرب والجزائر حربًا حدودية قصيرة بعد استقلال الأخيرة عن فرنسا في خريف عام 1963، ولطالما دعمت الجزائر جبهة البوليساريو في كفاحها ضد المغرب للسيطرة على الصحراء الغربية.

وقد تم إغلاق الحدود البرية بين البلدين رسميًا منذ عام 1994، وهو قرار اتخذته الجزائر من جانب واحد عقب اتهامات مغربية بأن الجيش الجزائري كان وراء هجوم إرهابي في مراكش عام 1994. وقد دعت القيادة المغربية، بما في ذلك الملك "محمد السادس"، مرارًا وتكرارًا إلى إعادة فتح الحدود، وهو أمر رفضه القادة الجزائريون باستمرار.

ومع ذلك، نجح البلدان في إيجاد سبل محدودة للتعاون حول خط أنابيب الغاز الذي ينقل الغاز الجزائري عبر المغرب وإلي إسبانيا والأسواق الأوروبية الأخرى، بالرغم من أن مستقبل هذا الترتيب أصبح الآن موضع شك.

لكن هذا الشهر، وصلت التوترات بين الجزائر والمغرب إلى مستوى لم يسبق له مثيل منذ سنوات، رغم أن المواجهة العسكرية الشاملة لا تزال غير مرجحة.

وقد رفع البلدان من وجودهما العسكري على طول الحدود، وبينما تظل احتمالات نشوب نزاع مسلح منخفضة، فإن التوتر المتزايد يوفر لكل منهما ما يكفي من الوقود لصرف الانتباه عن القضايا الداخلية الأكثر خطورة.

في الواقع، ظل التحدي الأكبر للقيادة العسكرية الجزائرية يتمثل في كيفية إقناع السكان الذين يركزون على الداخل بأن المغرب يمثل تهديدًا لرفاههم أكبر من التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية الداخلية.

إن كراهية العسكريين الجزائريين والنخبة الحاكمة وشكوكهم في المغرب عميقة وتعود إلى الصراع الحدودي في الستينيات والتوترات الإيديولوجية في حقبة الحرب الباردة.

لم تعد مخاوف الجزائريين القدامى من مخططات الرباط لـ "المغرب الكبير" واقعية، ولكن مع ذلك، فإن الآراء المتشددة للمغرب والمخاوف بشأن خططه التوسعية لا تزال قائمة بين كبار الضباط العسكريين في الجزائر. لذلك تظل طموحات المغرب المتزايدة لزيادة نفوذه السياسي والاقتصادي الإقليمي مقلقة للبعض في الجيش الجزائري.

أسباب جديدة للصراع

لقد أضافت الأحداث المحلية والإقليمية والعالمية الأخيرة الكثير من الشكوك والتوتر المستمر بين الجارتين. لقد وجه اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية ضربة للجهود الجزائرية لإبقاء المغرب معزولًا بشأن هذه القضية. وبالرغم من أن النزاع لم يتم حله بأي حال من الأحوال، فإن اعتراف الولايات المتحدة يعد فوزًا كبيرًا للمغرب وبالتالي، في لعبة المحصلة الصفرية، تعد هذه خسارة للبوليساريو. كما أن الجزائر حذرة للغاية من تنامي التعاون المغربي الإسرائيلي حيث قام البلدان بتطبيع العلاقات كجزء من الصفقة التي أبرمت مع إدارة "ترامب" والتي منحت المغرب اعترافًا أمريكيًا بمطالبها بالصحراء الغربية.

لا تزال الجزائر مؤيدًا أيديولوجيًا قويًا للقضية الفلسطينية، وكانت شديدة الانتقاد لقرار المغرب بتطبيع العلاقات. ومما زاد من الغضب الجزائري أن تورط المغرب المزعوم في فضيحة برنامج التجسس "بيجاسوس" أثار إدانات واتهامات بالتجسس على المسؤولين الجزائريين وكبار القادة العسكريين.

وزاد التوتر بين وزير الخارجية الجزائري "رمطان لعمامرة" مع سفير المغرب لدى الأمم المتحدة، "عمر هلال"، في يوليو/تموز بشأن الصحراء الغربية، من حدة الخلاف.

ورداً على إعادة تأكيد "لعمامرة" على دعم الجزائر لتقرير المصير، دعا "هلال"، كما فعل بشكل استفزازي من قبل، الجزائر إلى تبني نفس الدعم لتقرير المصير في منطقة القبائل المضطربة منذ فترة طويلة.

وبالرغم من اللكمات الحادة ضد الجزائر، فإن القيادة المغربية تلقي باللوم على الجزائر في التصعيد وتفسرها على أنها وسيلة للقيادة الجزائرية لحفظ ماء الوجه بينما تتجنب دعوات الملك "محمد السادس" الأخيرة لإعادة فتح الحدود وتحسين العلاقات.

في أغسطس/آب، عندما اجتاحت حرائق الغابات منطقة القبائل، عرض المغرب على الجزائر طائرتين من طائرات مكافحة الحرائق الكندية. ولكن الجزائر، بالرغم من عدم وجود أسطول إطفاء خاص بها، رفضت العرض.

سياسة خطوط الأنابيب

مع تصاعد التوترات، فإن أحد عوامل عدم اليقين الرئيسية ذات التداعيات الأوسع هو مستقبل "خط أنابيب الغاز المغاربي الأوروبي" الذي بدأ عملياته في نوفمبر/تشرين الثاني 1996 لتصدير الغاز إلى الأسواق الإسبانية والبرتغالية. يمر خط الأنابيب عبر المغرب وفي المقابل يتلقى المغرب 7% من الغاز المنقول الذي يستخدمه للاستهلاك المحلي.

وقد نجت الاتفاقية من أزمات دبلوماسية سابقة. ومع ذلك، هذه المرة، يعد مستقبل الاتفاقية أكثر غموضا.

بالإضافة إلى "خط أنابيب الغاز المغاربي الأوروبي"، تصدّر الجزائر حاليًا أيضًا عبر خط "ميد غاز"، وهو خط أنابيب تحت الماء يتجاوز المغرب وهو قيد التوسع للتعامل مع التدفقات الأعلى. تقوم شركة "ميج" بدفع 13.5 مليار متر مكعب من الغاز الجزائري سنويًا، بينما يمتلك "ميد غاز" طاقة إنتاجية تبلغ 8 مليار متر مكعب سنويًا. وهناك خطط لزيادة طاقته التصديرية إلى 10 مليار متر مكعب في السنة، لكن التوسيع لن يتم تشغيله حتى نهاية العام على أقرب تقدير.

من المقرر تجديد اتفاقية عبور "خط أنابيب الغاز المغاربي الأوروبي" بين الدولتين في أكتوبر/تشرين الأول.

وبالنسبة للمغرب، إذا فشلت الصفقة، فإن هذا سيحرمه من مصدر رئيسي للطاقة. يمثل الغاز 10% من استهلاكه المحلي من الطاقة، وسيؤثر فقدان الوصول إلى الغاز الجزائري بشكل خاص على محطتين للطاقة تقعان في شمال المغرب -جنوب طنجة وجنوب الجرادة على التوالي- وكلتاهما تعتمدان على الغاز المستورد.

على مدار العامين الماضيين، ومع اقتراب تجديد اتفاقية خط الأنابيب، أشار المغرب إلى نيته في إبرام صفقة أكثر فائدة مع الجزائر، مدعومًا بحقيقة أن الملكية الكاملة لخط الأنابيب ستنتقل من شركة "ناطورجي" الإسبانية إلى الحكومة المغربية اعتبارًا من 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2021.

ويريد المغرب تعزيز وصوله إلى الغاز كمصدر مهم للطاقة، بالرغم من الجهود المحلية المستمرة لتنويع مزيج الطاقة وزيادة حصة مصادر الطاقة المتجددة.

إذا فشل البلدان في التوصل إلى اتفاق، فقد يواجه المغرب نقصًا في الطاقة قد يكافح من أجل تعويضه على المدى القصير إلى المدى المتوسط، بينما تحرم الجزائر نفسها من مصدر دخل مهم. من جانبهم، سيتعين على إسبانيا والبرتغال بالمثل تعويض نقص الطاقة من مورد مختلف.

وإذا اتبعت المغرب والجزائر نهجًا صارمًا، فقد تحرم الجزائر المغرب من ورقة مساومة رئيسية، لكن ذلك سيكون على حساب اعتباراتها الاقتصادية المحلية.

لا يمكن للجزائر أن تفقد هذا الوصول، لا سيما بالنظر إلى الخسائر الاقتصادية المعوقة التي واجهتها البلاد في السنوات الأخيرة. وعد المغرب بالإبقاء على خط الأنابيب مفتوحًا، وقد يقدم على مخاطرة كبيرة في حال قام بمنع وصول الغاز إلى الأسواق الأوروبية. فبالإضافة إلى مشاكله الأخيرة مع الشركاء الأوروبيين بشأن الهجرة، ومزاعم التجسس، والصحراء الغربية، والحكم الأوروبي القادم بشأن اتفاقية الصيد البحري، فإن هذا قد يضر بشكل خطير بعلاقات المغرب مع الاتحاد الأوروبي.

توترات قديمة وديناميات إقليمية جديدة

بما أن الشركاء الثلاثة -الجزائر والمغرب وإسبانيا- يواصلون المفاوضات حول هذا الاتفاق الذي يحتاجونه جميعًا، فلا ينبغي إغفال الاعتبارات الجيوسياسية. يزداد حرص الجزائر على إعادة تأكيد نفسها كقوة إقليمية بعد عامين من الاضطرابات في الداخل وتراجع طويل الأمد عن الشؤون الإقليمية.

إن قطع العلاقات مع المغرب، حتى مع احتمال تعريض صادراتها الحيوية من الطاقة للخطر، يتعلق بعدم السماح للمغرب بأي نفوذ، فضلاً عن محاولة لفت انتباه الجماهير المحلية بعيدًا عن المشاكل في الداخل وحشدهم ضد عدو خارجي. بالنسبة للمغرب، فإن هذه الصراعات والتوترات القديمة التي يرغب في تركها وراءه تشكل تحديًا لطموحاته الداخلية والخارجية. إنها بمثابة تذكير بأن البلاد معرضة للخطر، وأن استقرارها الإقليمي والمحلي لا يمكن اعتباره أمرًا مفروغًا منه وهو أمر تحرص الجزائر على التأكيد عليه في سعيها لاستعادة دورها الإقليمي الأوسع.

المصدر | انتصار فقير - معهد ميدل إيست