مجدي الحداد يكتب : ما بين صفري المونديال ومجلس الأمن

مجدي-الحداد-يكتب-ما-بين-صفري-المونديال-و-مجلس-الأمن

متقدمت مصر بطلب للفيفا ــ الإتحاد الدولي لكرة القدم ــ لاستضافة وتنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم في عام 2004 ، و التي نُظمت وأُقيمت بعدئذ في العام 2010 ، واستضافتها جنوب أفريقيا .

وتقدمت مع مصر لاستضافة وتنظيم تلك البطولة عدة دول عربية هي كل من المغرب وتونس وليبيا مقابل جنوب أفريقيا . وكانت الفيفا قد استحدثت نظاما جديدا يسمح باستضافة كل قارة من قارات العالم استضافة وتنظيم تلك البطولة ، وكان تنظيم دورة البطولة في العام 2010 من نصيب القارة الأفريقية .

وهنا في الحقيقة عدة ملاحظات هامة ولعل أهمها هو غياب التنسيق والآثرة بين الدول العربية الواقعة على الأقل في القارة الأفريقية . وكان يكفي مثلا احتشاد كل الدول العربية حول دولة واحدة لديها حظ أوفر من غيرها في استضافة تلك البطولة ، وكانت المغرب في حقيقة الأمر هي الأوفر حظا . كما يعكس هذا الأمر ، على بساطته ، عمق الخلاف وربما حتى التباغض والتباعد العربي العربي في كل شيء تقريبا ؛ في الرياضة كما في السياسة ..!

وعلى أية حال فقد حصلت المغرب فقط على عشر أصوات من أصوات اللجنة التنفيذية للإتحاد الدولي لكرة القدم " فيفا " ــ و البالغ عددهم 24 صوتا ــ الداعمة والمؤيدة لها لتنظيم البطولة ، بينما حصلت جنوب أفريقيا على 14 صوتا ففازت بتنظيم البطولة . 

وعندما لم تحصل مصر ولو على صوتا واحدا من أصوات اللجنة التنفيذية للإتحاد عرف ووصم ذلك عندئذ بصفر المونديال . وللمفارقة ؛ فإن وزير الشباب والرياضة وقتها كان على الدين هلال ، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ، ومحرر في عدة دوريات ــ وربما كان يشرف ، أو حتى يرأس بعضها ــ وربما منها حتى الأهرام الإستراتيجي ..! 

وبما أن هلال رجل أكاديمي فكان جديرا به أن يدرس مدى ملائمة وقدرة مصر على تنظيم بطولة بهذا الحجم وقتذاك ، ومدى ملائمة منشآتها الرياضية ، وغيرها ، للمعايير الرياضية التي تضعها كما تشترطها الفيفا على أي دولة ترغب في تظيم بطولة كأس العالم ، وكانت مصر في حقيقة الأمر لا تمتلك أي من متطلبات تنظيم تلك البطولة والتي تتفق مع المعايير التي وضعتها الفيفا ، فأهدرنا الملايين على لاشيء ..!

فكان من المتصور إذن أن يكون هذا الحدث كاشفا لأشياء كثيرة ، ولو أنه كان لدينا قيادات رشيدة وأمينة ، ومراكز بحثية واستراتيجية حقيقية ، لدرسوا أسباب خسارة مصر لأي صوت مؤيد وداعم لها في إستضافة تلك البطولة ، ومدى إنسحاب أو حتى تأثير ذلك على أشياء أخرى أكثر أهمية وخطورة . وأن هذا الصوت ، أو بالأحرى الأصوات ، التي فقدتها مصر ، أو افتقدت تأييدها في مجال الرياضة ، يمكن أن نفقدها أيضا في ميادين أخرى وربما أكثر أهمية وخطورة من الرياضة ــ كما أسلفنا ــ كأي نزاع سياسي أو حتى عسكري تكون فيه مصر مثلا طرفا فيه وحتى غير معتدي وإنما مُعتدى عليه ..؟!

ومع هذا ؛ فهل قامت أي جهة بحثية أو استراتيجية بدراسة الأمر على أي نحو ..؟! 

كلا ..!

فقد تكرر الخطأ مره أخرى ، ولكنه قد أخذ شكل أخر ، وإن احتفظ بنفس جوهره ، إذ خسرت مصر في جميع المباريات التمهيدية الثلاث في بطولة كأس العالم التي أقيمت في روسيا عام 2018 ولم تحصل على نقطة واحدة ــ وهذا إذن صفر أخر كاشف لحقيقة العشوائية واللامبالاة ــ ويمكن أن يتدرج بنا من أقل الأمور أهمية وخطورة إلى أعظمها أهمية وخطورة ، وكما سيتكشف لاحقا ــ وبفارق زمني قدره حوالي ثماني سنوات بين الصفرين ..! . وال8 سنوات تلك كانت كافية في حقيقة الأمر في بناء دول هدمتها تماما الحرب العالمية الثانية ، وصارت من أغنى الدول وأقواها إقتصاديا . بينما نحن حتى في مجال الترفيه والرياضة وكرة القدم لم نتقدم قيد أنملة ــ إن لم نتقهقر للخلف ..!

وهل وقف الأمر عند هذا الحد إذن ..؟!

وهل تعلمنا من أخطائنا السابقة ، وشرعنا في عمل الدراسات والأبحاث ، وبما أن ما يمكن أن تفشل فيه في مجال الرياضة يمكن أن يكون أسبابه حاضرة للفشل فيما هو أخطر من الرياضة ــ وعلى نحو ما ذكرنا سابقا ــ وبما أن الرياضة ذاتها بمثابة مرآه تعكس أشياء كثيرة في حقيقة الأمر عن طبيعة الدولة والمجتمع ، وكيفية وطرق ونوعية الإدارة وحتى مستوى ومدى جودة الحياة ذاتها ؛ ولذا فقد قيل أن الرياضة هي مرآة الحضارة ..؟!

يعني المفروض إن ؛ " صفرين في الراس يوجع " ، ومع ذلك ، ومع الأخذ في الاعتبار ما سبق ، فعندما تقدمت مصر منذ أيام بشكوى لمجلس الأمن بشأن تعنت أثيوبيا في عدم توقيعها على أي إتفاق ملزم ، وشروعها في الملىء الثاني للسد من غير أي موافقات أو حتى مشاورات مع دولتي المصب ؛ مصر والسودان ؛ فلم تحصل مصر على أي صوت في مجلس الأمن ، وخاصة من الأعضاء الدائمين ، مؤيد لها أو حتى متعاطف معها ، ورمى مجلس الأمن الكرة إلى المفاوضات المباشرة بين الدول الثلاث ، وقد تكرر نفس المشهد مع الإتحاد الأفريقي ، كما تكرر مع الإتحاد الأوربي ..!

فهل أستوعبنا شيء من صفر المونديال منذ 2004 وحتى الآن في العام 2021 ؛ أي بعد مرور سبعة عشر عاما ..؟!

أم يحق لنا أن نقول أنه قد آن الآوان أن يعود الجيش لثكناته ، وهذا هو واجبه الأهم والمقدس ، والذي نحن كشعب بحاجة حقيقية ماسة وحتى وجوديه إليه ، وأن يُعطى العيش لخبازه ، مع محاولة تفكيك دولة العسكر وبناء الدولة المدنية الحديثة على أنقادها ، وكفى ما خسرناه كشعب ، وكدولة حتى الآن . اما إذا كابرنا واستمرأنا نهج وسياسة الكوارث السادر فيه النظام وهو لا يلوي على شيء ؛ فمن نافلة القول ذكر المآل الذي سيودي بنا ، وكذا سيؤدي إلى خسارة الشعب ــ أو التضحية به ــ وتلاشي أو تفتت الدولة ذاتها معاذ الله ..!