محمد إبراهيم المدهون يكتب: في ذكرى رحيل اسطورة المقاومة — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

محمد إبراهيم المدهون يكتب: في ذكرى رحيل اسطورة المقاومة

محمد-إبراهيم-المدهون-يكتب-في-ذكرى-رحيل-اسطورة-المقاومة

في التاسع عشر من يونيو من عام ألف وتسعمائة وواحد وسبعين يطل (عماد حسن إبراهيم عقل) إلى الدنيا في مخيم جباليا، وكان الوالد الذي يعمل مؤذناً لمسجد الشهداء في مخيم جباليا قد اختار لابنه الذي جاء ثالثاً بين الذكور هذا الاسم (عماد) تيمناً بالقائد المسلم (عماد الدين زنكي).

صوب عماد وإخوانه سكاكينهم وخناجرهم إلى صدور المجرمين الساقطين في شباك العمالة والخيانة بتخطيط متقن وعمليات نوعية جريئة أثارت جنون اليهود ورفعت لواء عز الدين القسام في عزة وإباء، يحمل روحه على كفه وبندقيته على كتفه، فقد عزم على الجهاد حتى الشهادة ورفض أن ينسحب من الميدان أو يخرج خارج الوطن وبقي وفياً لقسمه، إذ نقل عنه - رحمه الله - عند بداية مطاردته قوله: " من الآن فصاعداً فأنا مُطِارد للاحتلال وعليه سوف أذيقهم العلقم بإذن الله" .

وأمام هذا حالة المطاردة وتوفيراً للجهد المضني في توفير الملجأ، وتسهيل الحركة لهذه الأعداد تم التخطيط لخروج مطاردي (مجموعة الشهداء) من قطاع غزة والانتقال إلى الضفة الغربية حيث تم تشكيل الجهاز العسكري لحركة حماس هناك وحمل أيضاً اسم (كتائب الشهيد عز الدين القسام) اسوة بقطاع غزة.

بقي عماد وفياً لقسمه، قسم المؤمنين بالجهاد حلاً وحيداً لتحرير كل فلسطين حتى أكرمه الله بالشهادة، ومما قاله لمسؤوليه الذين عرضوا عليه الخروج تلك العبارة الخالدة : " سأبقى في فلسطين حتى أنال الشهادة وأدخل الجنة، هذا جهاد نصر أو استشهاد "


 هكذا ردد الشهيد الشيخ المجاهد عز الدين القسام الذي عبر عن البعد الإسلامي لقضية فلسطين بعد قدومه إلى فلسطين من سوريا في آواخر العشرينيات من القرن العشرين .

ومع نجاح البطل ومجموعاته في اصطياد عدد كبير من جنود الإحتلال دخلت عمليات صيد (الحرباء) أو (الشبح) أو، (العقرب) وهي التسميات التي أطلقتها سلطات الاحتلال العسكرية على شهيدنا الغالي وتم تشكيل قوة خاصة لمطاردة عماد بالذات ووضع ضابط الشاباك المدعو (أبو ياسين) لمتابعة المطارد (رقم واحد) اسطورة الجهاد والمقاومة الذي نفذ عمليات أسطورية وأطلق إستراتيجية #نقطة_صفر

لبى شهيدنا البطل الذي كان صائماً وبعد أن تناول قليلا من طعام الإفطار في بيت آل فرحات بحي الشجاعية، وبعد تناوله الإفطار بمدة نصف ساعة، أي في الساعة الخامسة والربع من مساء الأربعاء الموافق 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 1993، والذي يوافق الذكرى الرابعة لاستشهاد الشيخ (عبد الله عزام)، وبعد أربعة أيام من ذكرى استشهاد الشيخ (عز الدين القسام).

وفيما بدت المنطقة أشبه بثكنة عسكرية حيث تواصل قدوم التعزيزات العسكرية أخذ أسطورة غزة بالانتقال من مكان إلى آخر باتجاه جنود الاحتلال وهو يحمل مسدس عيار 14 ملم وهو يقول " حضر الآن موعد استشهادي "، ثم صعد بعدها إلى سطح المنزل وقام بأداء ركعتين لله تعالى، فقد أصابت إحدى القذائف المضادة للدروع الشهيد ومزقت جسده أشلاء حيث كانت الإصابة مباشرة في منطقة الرأس التي تناثرت إلى عدة قطع لدرجة أن أجزاء من رأسه قد أزيلت وملامح وجهه الطاهر لم تعد تظهر على الإطلاق.

فيا يوم الرابع والعشرين، يا يوم الملحمة الخالدة، أطلقها تدوي على رؤوس الأشهاد، نعم الشهيد عماد، ونعم الحي عند ربه، تشهد له كل فلسطين، تكبر له مآذن القدس، وتهلل له مساجد غزة، فهنيئاً لك يا عماد القسام، هنيئاً لك وسام الشهادة الخالد، فقد سطرت الغد المشرق، ورويت أرضاً متعطشة لدماء الطاهرين لتنبت العزة والكرامة، تقف معلماً لكل المجاهدين، كيف يطرقون الجنة بجماجم اليهود، اليوم عجز عمالقة الكلام أمام عمالقة الجهاد، وتقدم الدم الزكي يخطب فينا، ليحرك فينا الهمم ويبعث فينا العزائم .

وقال رابين في ذلك " إن مقتل عماد عقل يمثل إنجازاً مؤثراً وهاماً في الحرب ضد الإرهاب "وأعرب باراك رئيس أركان الجيش الإسرائيلي حينه بالقول " كان أخطر إرهابي يعمل في قطاع غزة ", وعقب أحد قادة الشاباك " إن مطاردة عماد عقل كانت من العمليات الصعبة والمعقدة والمحبطة في تاريخ عمليات المطاردة التي قام بها جهاز الأمن الإسرائيلي - الشاباك - منذ تأسيسه ", وقال أحد ضباط القيادة في رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي" كان من أخطر الإرهابيين والمطلوبين الذين عملوا في قطاع غزة .. رجل ميداني بارع لم يخش شيئاً، كان من الخطورة بمكان الاصطدام به ليلاً "

وقد أبّن مخيم الثورة نجمه الأسطع، شهيد مخيم جباليا، وأقام عرساً جماهيرياً عظيماً للشهيد القائد عماد عقل تحول بهتافاته الموحدة والمشاركة الفعّالة لمختلف الفصائل والتنظيمات الفلسطينية وأجنحتها العسكرية إلى احتفال وحدة وطنية لم يشهد قطاع غزة لها مثيلاً بين الفصائل الفلسطينية من (فتح وحماس والشعبية والديمقراطية والجهاد الإسلامي وحزب الشعب)، فقد زحف أكثر من خمسة عشر ألف شخص من جميع أنحاء قطاع غزة.

لقد غادرنا أبا حسين في وقت غربة الدين وغربة المقاومة بعد أن أرسى رغم حداثة سنه معالم طريق المقاومة وغدا معلماً رئيساً في طريق التحرير وفي ملحمة الشهادة والعطار.

نم قرير العين أبا حسين وها هم كتائب القسام جيش لا يقهر، وغدا الأغراب هم الذين لا ينتمون إليك يا سيد المقاومة في ساعة العسرة .