محمد بدر الدين يكتب : محمد خان وفرسان الكوكبة السبعة

محمد-بدرالدين-يكتب-محمد-خان-و-فرسان-الكوكبة-السبعة

محمد خان.. واحد من كوكبة في الحياة السينمائية والثقافية الوطنية المصرية، بدأ مشوارهم وكدحهم يعطي أجمل الثمار، مع خواتيم سبعينيات القرن العشرين ومفتتح الثمانينيات، في الإخراج وكتابة السيناريو والتصوير والمونتاج، ومختلف عناصر العملية السينمائية.

ولقد بزغت وبرزت على الفور سبعة أسماء، من المخرجين المتميزين، سبقهم علي بدرخان بفيلم "أهل القمة" عام 1981، والذي يظل أهم وأحسن أفلامه إلى جانب فيلم "الجوع" 1986 (عن ملحمة الحرافيش لنجيب محفوظ)، أما الفرسان السبعة، فقد كنت عادة، كمدخل عام، أقسم أو أقدم خريطتهم على النحو التالي:

 محمد شبل.. الذي قدم أول وأهم أفلامه الفانتازيا السياسية "أنياب" عام 1981، ولم يمهله القدر فرحل قبل أن يكمل مسيرته.

 مخرجان هما الأوفر إنتاجاً على نحو ملحوظ، أكثر من غيرهما من فرسان الكوكبة السبعة، عاطف الطيب الذي قدم "سواق الأتوبيس" 1983، وهو ثاني أفلامه وأول أفلامه المتميزة.. ومحمد خان الذي قدم "ضربة شمس" 1980 وهو أول أفلامه، ثم كان "طائر على الطريق" و"موعد مع العشاء" وكلاهما 1981 وكلاهما أول أفلامه المتميزة.

 ومخرجان، قدما من السينما التسجيلية.. هما خيري بشارة، الذي أخرج "العوامة 70" 1982 وهو ثاني أفلامه وأول أفلامه المتميزة.. وداود عبد السيد، الذي قدم أول أفلامه "الصعاليك" 1985 وهو في ذات الوقت من أفلامه المتميزة.

 ثم مخرجان، قدما من كتابة السيناريو.. هما رأفت الميهي، الذي تراوحت أفلامه بين الواقعية والفانتازيا، وإن غلبت الأخيرة واشتهر بها، وكان أولها "عيون لا تنام" 1981 وهو من أفلامه الواقعية والمتميزة.. وبشير الديك الذي يقف مع الميهي ضمن صدارة كتاب السيناريو في كل تاريخ السينما المصرية، على أنه ساهم أيضاً بإخراج فيلمين، هما "الطوفان" 1985 و"سكة سفر" 1987 ونعد كليهما أيضاً من الأفلام المتميزة.

 وإذا كان علي بدرخان قد سبق كوكبة الأعلام السبعة، لهذه الموجة السينمائية المجددة في السينما المصرية، المنطلقة مع مطلع الثمانينيات، فإنه لم يلبث أن لحق بكوكبة السبعة أسماء في الإخراج السينمائي بالغة الأهمية بدورها: رضوان الكاشف وأول أعماله وهي قليلة لرحيله المباغت المبكر "ليه يا بنفسج" وذروتها "عرق البلح"، ومجدي أحمد علي الذي بدأ أعماله بالفيلم المتميز "يا دنيا يا غرامي"، ومحمد كامل القليوبي الذي قدم ضمن أعماله الفيلم المتميز "البحر بيضحك ليه"، وسيد سعيد الذي كان فيلمه الوحيد "القبطان" من الأعمال المتميزة، وشريف عرفة (برباعيته مع كاتب السيناريو الكبير ماهر عواد ثم خماسيته مع الكاتب المخضرم وحيد حامد والنجم عادل إمام)، وأسامة فوزي بمجموعة أفلام بدأها بفيلمه المتميز "عفاريت الأسفلت"... وهكذا، هي روح جديدة سرت في السينما المصرية، وسط ورغم أوضاع مجتمعية سياسية وثقافية متردية، ومع ذلك فقد طلعت هذه الظاهرة المفرحة.

 وقد أطلق مجمل النقاد على عطاء كوكبة السبعة تسمية جيل الثمانينيات أو موجة الثمانينيات، واشتهرت تسمية الناقد البارز سمير فريد لهذه الموجة "بالواقعية الجديدة" (وقد أصدر كتاباً بهذا العنوان)، وهي تسمية مناسبة معبرة وإن لم تكن جامعة مانعة، وكاتب هذه السطور يؤثر عادة تسميتها (حركة تجديد السينما)، خاصة أن بعض عيون سينما هذه الكوكبة لا تنتمي إلى الواقعية وفي المقدمة فانتازيا الميهي.

 هذا هو مدخل، أو بالأحرى موجز لمدخل، إلى عالم وإسهام وإبداعات وجماليات سينما المخرج الكبير محمد خان ومشواره، الذي غادرنا بغتة فجر الثلاثاء 26 يوليو 2016، وكاد يتوافق هذا التاريخ الحزين مع الذكرى الأولى لرحيل الرائد القطب الآخر في كوكبة السبعة المدهشة: رأفت الميهي.

 زلزل خبر رحيل محمد خان الجميع، خاصة أنه كان لا يزال في ذروة العطاء، وأنه كان من طراز المبدعين الذي يظل يبدع ويعطي ويسطع عمله، حتى آخر لحظة من عمره.. وقد كان آخر أعماله في نفس عام رحيله (فيلم: قبل زحمة الصيف).. وأحسب أن زلزال رحيله وتوابعه وأثره القاسي الحزين سوف يبقى طويلاً، وأن الحديث والبحث على كل مستوى، سوف يشمل باستمرار كل أعماله، سواء مجملة، أو زوايا فيها، أو كل فيلم على حدة.

 وعندنا أن الناس والتاريخ، وأجيالاً من الجمهور ومن الباحثين، سوف يتوقفون طويلاً على الخصوص، أمام أفلام (فارس) السينما المصرية والعربية، بكل تميزه وروح عالمه السينمائي الخاصة وجمالياته المتفردة البارعة الممتعة. (وفارس: هو اسم أثير لديه في أفلامه).

 وضمن أفلام محمد خان، في الصدارة، من أعمال البداية: طائر على الطريق، موعد على العشاء (كلاهما 1981)، الحريف (1984)، عودة مواطن (1986)، أحلام هند وكاميليا (1988)، سوبر ماركت (1990).. ومن أعمال الخواتيم: فتاة المصنع (2014).

 لكن سينما خان.. في الحقيقة لها بداية.. لكن لن تكون لها نهاية أبداً.

 لقد أخذت سبعة أفلام فقط، كنماذج لحصيلة بالغة الثراء واضحة التميز بل التفرد، لمخرجنا الفذ، فلتكن اقتراحاً (بأسبوع لأفلامه)، يكون محلاً للتأمل والندوات العلمية والدراسات النقدية الرصينة.. لكن معظم أفلام محمد خان في الحقيقة، جديرة بالاعتداد والإعجاب، مثلما مخرجها جدير دوماً بالاعتزاز والمحبة.. وبأن تفتخر به مصر دائماً وأبداً، فهؤلاء الأعلام المصريون مثل محمد خان هم الذين يؤكدون هوية مصر الحقيقية وطابعها الحضاري ونكهتها المتفردة، وليس الأمر أن حكاماً أو إدارة ما، في يدها هي أن تعطي لأمثال محمد خان.. الهوية والاعتراف، أو "الجنسية"!!.. التي اعتقدوا أنهم أعطوها له، ومتأخراً جداً عندما يبلغ السبعين.. بينما هو لم يكن قط محتاجاً إليها!. بل جميعنا وبلادنا كلها.. من في احتياج ماس إليه وإلى إبداعه العظيم!.

 كتبت هذا المعني في جريدة "العربي" يوماً، جامعاً في نفس المقال بينه، والمذيعة الرائعة السورية العروبية الراحلة "رشا مدينة"، حيث نفس مسألة التعنت الغريب الغبي والمستمر في منح الجنسية المصرية لكليهما.. قرأ محمد خان ما كتبت، وشكرني باسماً من قلبه وروحه العذبة الراقية.. ثم قال لي: "ولا يهمك.. لا تهتم.. أنا لم أعد أفكر في هذا".

 لكنني.. بالقدر الذي عرفته به، لمحت رغم كل شيئ، ورغم هذه الابتسامة الواضحة..

 أن هذه الابتسامة كانت تحاول.. أن تداري مرارة.

 مرارة حقيقية.. لم تغب هذه اللحظة عن بالي قط.

• كلمة سلام.. لاختام أو وداع:

لم أشعر أننا نودع (محمد خان)، فى جمع مسجد عمر مكرم.

وإنما شعرت أننا معه وفي رحاب حضوره الآسر وأنفاسه .. نسامره ونجالسه .. ونمرح معه ويمزح .. كعادته كذروة للرقى والمرح النبيل .. والعذوبة والنقاء فى كل شئ ...