محمد ثابت يكتب: ماذا يفعل معارضو السيسي في إسطنبول؟ — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

محمد ثابت يكتب: ماذا يفعل معارضو السيسي في إسطنبول؟

محمد-ثابت-يكتب-ماذا-يفعل-معارضو-السيسي-في-إسطنبول

تفتح الكلمات المقبلة جراحا نازفة لأكثر من ثماني سنوات، منذ خطت أول قدم مصرية إلى العاصمة التركية التاريخية إسطنبول، هروبا من جحيم الجنرال المُنقلب عبد الفتاح السيسي؛ لم يكن صاحب هذه القدم (وهو ليس معروفا بالطبع) يعرف أنه سيبقى في هذه البلاد لما شاء الله تعالى، بل إنه سيحمل إليها أمراضا مصرية وعربية خُلقية بالغة الضراوة ومتوغلة في عمق الزمان، فشئنا أم أبينا كان صاحب قدم السبق إلى تركيا، إما مناصرا لجماعة الإخوان المسلمين أو متأثرا بالموقف الشائك بعد التحول الفادح للسيسي من مناصر للجماعة التي اختارها الشعب، أو ثقة الرئيس الراحل محمد مرسي بذلك، حتى ساعات من إفصاح الجنرال نفسه برغبته النهائية في العصف بالرئيس وجماعته في 2 يوليو 2013.

جاء أول مصري إلى إسطنبول، بشعور غير معلوم المصدر أو معروف المنبت بأن «النصر مقبل لا محالة»، فكم سالت كلمات مكتوبة وشفوية باليقين، دون تعزيز أو حتى دليل، أو شبه منطق أو عقل، أو حتى مجرد فهم لطبيعة الملابسات التي أدت لتنحية الجماعة ومناصريها، ووأد أول تجربة ديمقراطية حقيقية في تاريخ مصر السياسي كله، بل العصف بثورة مفترضة جاءت بعد صبر مرير طويل وتضحيات عزيزة نبيلة لآلاف الشهداء والمصابين وأسرهم.

وفي المقابل بقدر ما كانت الدولة التركية نبيلة في موقفها بقيادة رئيسها رجب طيب أردوغان بفتح أبوابها لاستقبال المطاردين، الذين ضاقت الأرض بهم بما رحبت، بقدر ما كانت الدولة نفسها غير مهيأة لبقاء أولئك «المهاجرين» بحسب التعبير الفاضل لكثير من رموزها ومواطنيها عن المصريين آنذاك، إذ إن مفردات الاتفاق الضمني كانت أن المئات ثم الآلاف من المصريين، إنما هم قادمون لأداء رسالة سياسية قيمة ونبيلة، جزء منها إفهام العالم «أكثر» بالظلم الشديد البيِّن الواقع عليهم وعلى بلدهم، و»تأثيراته» المفترضة فيه، ووصل الحال بأحد مؤرخي ذلك «الفهم» أن صرح في جرأة عجيبة أن استمرار الأوضاع يؤدي لا محالة لحرب عالمية ثالثة!

تنازعوا على الدنيا فأربكوها وأفقدوها معناها، وحاولوا جني الثمار القريبة على حساب الثوار فضاعوا وأضاعوا


جاء المصريون محملين بخطيئتين رئيسيتين، أقلهما اعتماد عجيب على الله، دون خطة أو منهجية أو رغبة في بذل أقل جهد، وأيضا اعتمادا على تدخل أجنبي يجعل الولايات المتحدة الأمريكية «تحديدا» تتدخل لإعادة مرسي لسدة الحكم. أما الخطيئة الثانية فعدم فهم الإخوان أنفسهم لخطيئتهم العظمى، منذ تنكبوا لتعديل إمامهم ومرشدهم ومؤسسهم الراحل حسن البنا على منهجه، لما صرح في أخريات أيامه بأنه لو استقبل من أمره ما استدبر، لعطف على تربية مئة شاب من الوطن العربي في المسجد لا يخرج منه للحياة العامة لا السياسية ما عاش، وهو التصريح الذي نقله عنه الشيخ الراحل محمد الغزالي، وما صرح به سكرتير البنا الراحل محمد فريد عبد الخالق في برنامج «بلا حدود» على قناة «الجزيرة». 

وبمزج الخطيئتين بمرور الأيام واستمرار المنهجية نفسها داخل مصر، وبالتالي ازدياد إحكام النظام لقبضته بناء على فهم واعٍ ودقيق لعقلية جماعة، يفترض منها أن تقود الداخل ومعارضي الخارج من إسطنبول، في ما هي لا تملك تطويرا أو مجرد تفعيل لأدواتها، أو مجرد فهم لموقفها وموافقة العالم على الانقلاب، ومنحه قبلة الحياة وشرعنته يوما بعد آخر، وبالتالي تضاعف عدد المصريين في تركيا، وكما لا تملك الجماعة ولا حتى المعارضة مركزا واحدا علميا موثقا للدراسات أو الاستراتيجيات، أو مجرد مفكر منصف عوضا عن أديب فاهم للوضع العام، كذلك لم تعد الجماعة تملك (ولا حتى المعارضة) تعدادا دقيقا بعدد الفارين المصريين في إسطنبول، فضلا عن عدد الشهداء والمصابين والمسجونين على شرف المقاومة، وإنما اعتمدت الجماعة والمعارضة النهج العشوائي المحكم، ما أدى في النهاية إلى سقوط الجميع في هاوية القيادة العشوائية لإعلام غير منضبط أخلاقيا، ولا حتى مهنيا وإنما كان منافسا «بدرجة» للإعلام المصري الذي إن افتقد المهنية، لم يعدم قاطرة سياسية بمظلة من علاقات وتوازنات عالمية تجعله قادرا على الاستمرار.

وسقطتْ شهرا بعد آخر سبل الكفاح والنضال والحديث الحقوقي القاصر، غير المدرك لخريطة العالم وتدهور أخلاقياته «المفترضة» لحساب المصالح، ومع فشل المسارات من «سياسية/إعلامية/حقوقية» وتلاشي الكيانات: المجلس الثوري، تحالف دعم الشرعية، لجنة حل الأزمة.. وبعضها بالمناسبة كان يتم إنضاجه وحرقه على عجل قبل ذكرى للثورة، ولإن النيران تأكل بعضها، إن لم تجد مَا تأكله حملتْ المعارضة والجماعة تحديدا للأسف وزر عشرات الآلاف من أتباعها عانوا مجددا بعد مئات الآلاف من سابقيهم، فيما انداح متنفذون في تركيا في هاوية حب الذات والبحث عن الاستقرار على حساب القيمة والثورة، فظهرت هدية مبكرة، مستثمر عربي لقيادات الإخوان، ثم لم يلبث الإخوان أنفسهم أن تناحروا وأقصوا فريقا منهم فخرج الأخير على الكيان، فأسس كيانا موازيا باسم الجماعة (أيضا) في 2016، ولما أدرك الكيانان حقيقة موقفهم، وفشل معتقدهم الثوري، قادا الجمع المتعب في إسطنبول تحديدا إلى خطة استشرت، وظهرت عملاقة في 2018 لما تسابق كثير من كبار المعارضين على نيل الجنسية التركية، حتى على حساب الثورة نفسها والشباب المعدمين، الذين يضطرون للتسكع بحثا عن لقمة عيش وهم مثقلون بأحكام تصل للإعدام وبقلة الحيلة، ثم تحسس هؤلاء رؤوسهم أكثر عند منعطف اشتداد رغبتهم في استقرار حياتي بالمنفى بدلا من حل قريب يعود بهم لمصر، فقرروا شن حرب ضروس على المجاهرين، برأي مخالف لرأيهم وخطتهم التي تحمل منهجا فريدا من «ألا رؤية»، فكان تشريد المئات من حاضري الضمير وطردهم من جنان التنظيم ومظلة المعارضة، وحبذا لو كان المطرود يمتلك قلما أو لسانا مؤثرين!

ظهرت الحقائق مع طول الأيام والليالي، فلا حل لدى أحد، والأثرة وحب النفس يسودان الموقف، وأصبح الخاسرون هم الأكثر انتهاجا للثورية، ورغبة في تعديل الأوضاع المائلة في تركيا، بدلا من السعي لذلك في مصر؛ وهكذا انكشف المسار الإعلامي


بالإضافة لتدخل السلطات التركية لتقليل الخروج على المهنية لدى إعلاميين نالوا الجنسية من قبل، وكانوا محط الآمال، ومع انتهاء الملف الحقوقي وبالتالي الكيانات تماما، واتضاح معاناة نظام الدولة المضيفة المجتهد من أجل احتواء المصريين، حتى بروز معاناة تعليمية خاصة بنظام الاختبار المؤهل للجامعات، وتحجيمه أمام الوافدين جميعا بمن فيهم المصريون مؤخرا، فضلا عن استمرار إغلاق التدرج في سوق العمل التركي أمام المعارضين، برز جحيم التمحور على ذات الكبار أكثر، وامتلاك ناصية الحياة وأحيانا التمويل والاستئثار بكيانات باهتة، شعارها تقديم خدمات عملاقة. يبقى أن الجميع تنتظرهم متاهة أرحب مع انتخابات منتصف 2023 الرئاسية، وهي في أفضل التوقعات التي يتمناها الجميع، ستعيد النظر في نحو عقد من استمرار وجود «عدمي» للمصريين في ظل شعارات عالية براقة ونتائج خائبة، أدت في النهاية لانقسام الجماعة لأربعة كيانات معلنة وأكثر من هذا سرا؛ ودفع المضارين لأثمان مبالغ فيها وراحة لقادة تنازعوا على الدنيا فأربكوها وأفقدوها معناها، وحاولوا جني الثمار القريبة على حساب الثوار فضاعوا وأضاعوا؛ وإن امتلكوا القليل من متاع لم يكن ليستمر للأسف.

كاتب مصري

(القدس العريي)