محمد عبدالجيد يكتب : عصر النهضة المصري

محمد-عبدالجيد-يكتب-عصر-النهضة-المصري

لو نظرنا نظرة شاملة للقرون الثلاث الأخيرة، التاسع عشر والعشرين والواحد والعشرين الحالي، وقسمنا كل قرن إلى ثلاثة أقسام، لوجدنا أن النهضة التي قامت في النصف الأول من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، قامت بها الأجيال التي ولدت في الثلث الأخير من القرن الذي سبقها، لكن بدافع ودعم وإلهام من الأجيال التي سبقتهم في الثلث الأوسط من القرن، بمعنى:

القرن التاسع عشر الذي بدأ بالعام 1800 وهو عصر نهضة محمد علي باشا، بدأ بنهضة عسكرية قام بها محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا وتوازت معها نهضة علمية من خلال البعثات العلمية التي أرسلت للخارج والتي وصلت 9 بعثات، ضمت 319 طالبا، بتكلفة تجاوزت أكثر من 3 ملايين من الجنيهات وقتها، وعادت بنهضة شاملة في التعليم والصناعة والترجمة والفنون العسكرية، وكان من روادها رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك.

وهذا الجيل يبدو لي أنه تأثر بالحراك الذي خلفه الجيل الذي سبقه ومنهم الجبرتي وحسن العطار وعمر مكرم وعلي بك الكبير وغيرهم.

ثم جاء القرن العشرين في عام 1900، وحدثت نهضة كبيرة في النصف الأول منه رغم الاحتلال البريطاني، وظهرت ملامحها في جوانب متعددة في الحياة وقام بها أيضا الأجيال التي ولدت في الثلث الأخير من القرن السابق، بعد إلهام وتأثر ودعم من الأجيال التي جاءت في الثلث الأوسط قبلهم، فمثلا:

قامت النهضة الفكرية والأدبية، على يد طه حسين وعباس العقاد وأحمد لطفي السيد وأحمد أمين ومصطفى صادق الرافعي والمنفلوطي وتوفيق الحكيم، وكانت هناك حركة لإحياء الشعر قام بها أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وما تلاهما.

ونشطت حركة الترجمة ولمع اسم عمدة المترجمين الأستاذ محمد بدران الذي ترأس دار التأليف والترجمة منذ نشأتها عام 1914 وما صحبه وتلاه من أساتذة في هذا المجال أبرزهم د.زكي نجيب محمود، المفكر والفيلسوف فيما بعد.

وكانت هناك نهضة صناعية وطنية قادها طلعت باشا حرب وما صنعه من انجازات وطنية.

وكان الحراك السياسي واضحا، بدأ بزعامات في الشأن العام مثل مصطفى كامل ومحمد فريد، ثم تلاه زخم وحراك شعبي في ثورة 1919 والتي أفرزت زعامات كبيرة منها سعد زغلول ودستور 1923 الذي صدر في وزارة يحيى باشا ابراهيم والذي قامت في عهده أول انتخابات نزيهة، فاز بها الوفد، والذي برز فيه بعد ذلك زعامات كثيرة منها مصطفي النحاس ومكرم عبيد، وعلي ماهر وأحمد ماهر، ونجيب الهلالي، وغيرهم.

هذا هو الجيل الذي صنع النهضة في النصف الأول من القرن العشرين وهو من مواليد الثلث الأخير في القرن التاسع عشر، لكن سبقه جيل الثلث الأوسط من القرن التاسع عشر والذي كان ملهما له، ومن أعلام هذا الجيل:

عبدالرحمن الكواكبي وجمال الدين الأفغاني وعبدالله النديم ورشيد رضا والإمام محمد عبده وقاسم أمين وأحمد عرابي وسامي البارودي.

تأتي بداية الأفكار وشرارة التنوير والنهضة من أجيال الثلث الأوسط ليتم ترجمتها من أجيال الثلث الأخير وتتحول من مجرد كلمات وكتب وخطب لواقع عملي على الأرض يؤثر في حياة المصريين، هذا ما حدث في القرنين الماضيين، وللأسف كان من يقضي على هذه النهضة هم أجيال الثلث الأول من القرن، فمثلا في القرن التاسع عشر بعدما قام محمد على بنهضته الكبرى، سقط معظمها على يد عباس الأول وسعيد باشا الذي قال "أمة جاهلة أسلس قيادةً من أمة متعلمة" وأغلق كثيرا من المدارس وأوقف البعثات فقضى على نهضة القرن.

وفي القرن العشرين بعدما قامت هذه النهضة الشاملة، لم تستمر في النصف الثاني من القرن العشرين بعد عام 1952 مثلما بدأت عليه، وبعد عقد أو عقدين من الزمان انطفأت شرارة النهضة مرة أخرى.

وكان الرابط في هاتين النهضتين هو التعليم، فالأجيال التي قامت بالنهضة تلقت تعليما جيدا منفتحا على ثقافات مختلفة، ثم اهتمت هي بالتعليم عندما مارست سلطتها.

وها هو القرن الواحد والعشرين، بزخمه وحراكه الكبير، في الفكر والسياسة والتغيرات الدولية الكبرى، التي تجلت بوضوح منذ 2011 وأفرزت أجيالا جديدة، لها طموحات وآمال كبيرة.

فهل تصنع هذه الأجيال النهضة الثالثة في هذا القرن؟ وهل يتم ترجمة كل ما يقال في وسائل الإتصال والتواصل وما يقرأ في الكتب لبرامج عمل ينعكس أثره على مصر والمصريين؟ 

في ظني أن هذا ممكن جدا بشرط المشاركة الفعالة والإشتباك والتدافع الفكري المستمر بين تلك التيارات المختلفة ليخرج منها شئ يليق بهذا الشعب.

وحتى لا يتم القضاء عليها في النصف الثاني من القرن، يجدر هنا العناية التامة بالأجيال الأصغر حاليا والذين ما زالوا في طور الطفولة والصبا حتى يستمروا بشعلة النهضة ولا يسمحوا بانطفائها مرة أخرى