محمد عبد القدوس يكتب : السادات خرج من الباب الخلفي

محمد-عبد-القدوس-يكتب-السادات-خرج-من-الباب-الخلفي

هذه هي الحلقة الثالثة والأخيرة عن ظروف إعتقالي لأول مرة عام ١٩٨١ .. يعني أربعين سنة بالتمام و الكمال! وكلامي اليوم يتعلق بحبيبي "سانو"، فهو يدخل ضمن حكايات إحسان عبدالقدوس! وقلت من قبل أنه فوجئ بالقبض على إبنه، فهو يعرف السادات من مدة طويلة جداً قبل ثورة ١٩٥٢، ولذلك صدم في صديقه القديم الذي وافق على القبض على إبنه. 


والجدير بالذكر أن السادات إطلع بنفسه على أسماء كل المعتقلين قبل أن يعطي الأمر بالتنفيذ. 
وبعد ذهابي وراء الشمس بأيام جاءت دعوة لوالدي لحضور إجتماع المجلس الأعلى للصحافة مع رئيس الجمهورية، وضم اللقاء كبار الصحفيين في مصر لكن حبيبي أبي تردد في الحضور وأراد الإعتذار، لأنه زعلان جداً من "السادات"! وأعتبر أن الموافقة على إعتقالي خيانة للعيش والملح بالتعبير العامي! 


وأخيراً خضع لرأي شريكة العمر ست الحبايب أمي الجدعة التي قالت له إن عدم ذهابه يمكن أن ينعكس بالسلب وتكون له نتائج مش حلوة على معاملتي داخل السجن! وذهب "سانو" إلى اللقاء مضطراً بحكم الظروف، لكنه رفض بشدة الجلوس في الصفوف الأمامية وأصر على الجلوس في آخر القاعة بجوار الباب الخلفي، فلا يرى السادات ولا يراه. 


ودخل الرئيس "بهيلمانه" إلى المكان، وبدأ في إلقاء خطابه الذي شن فيه حملة نارية على الصحافة وصحف المعارضة خاصة، وإتهمها بالتجاوز وتعريض مصالح البلاد للخطر! وفي أثناء خطابه كانت عينه تدور بين الجالسين حتى لمح والدي في آخر القاعة وإستقرت عينه على حبيبي أبي! ودب الخوف في قلب أبي، فقد خشي أن يوجه السادات كلامه إليه في خطابه ويضعه في موقف محرج! ولكن هذا لم يحدث! وبعد إنتهاء اللقاء فوجئ الجميع بأن الرئيس لم يخرج من الباب الرئيسي الذي دخل منه بل أصر أن يذهب إلى والدي ويخرج بعدها من الباب الخلفي، وقام بالسلام عليه، وجرى بينهم حديث جانبي، وحاول السادات أن يتحدث عن أسباب إعتقالي، لكن أبي رفض تماماً أن يستمع إليه وقال له: أنا شخصياً دخلت السجن أكثر من مرة، وأنت كمان "يقصد السادات"! خللي إبني كمان يخوض هذه التجربة، وفوجئ السادات بهذا الكلام وأصابته الدهشة وخرج من القاعة من الباب الخلفي. 


والغريب أن أخبار اليوم خرجت بعدها بكلام عجيب قالت فيه أن إحسان عبدالقدوس قال للسادات أنه نصح إبنه بالعدول عن سلوكه المتطرف، لكنه لم ينتصح! واتصل أبي برئيس التحرير المرحوم "إبراهيم سعده" قائلاً في غضب: أبني والحمد لله متربي كويس وهو أبعد ما يكون عن التطرف، وأصر على نشر تكذيب لهذا الكلام!! فرد الأخير قائلا : يا أستاذ إحسان أنت أستاذنا كلنا، لكن الرئيس السادات طرف في هذا الموضوع فلابد من إستئذانه أولا قبل نشر رد حضرتك!! وأخيراً تم النشر في أخبار اليوم التي كانت أوسع الصحف إنتشارا في ذلك الوقت، وفيه "كلمتين حلوين عني من حبيبي أبي"!! وجاءني ضباط السجن الذي كنت فيه قائلين: أفرح يا عم مصر كلها بتتكلم عنك! وأطلعوني على عدد أخبار اليوم رغم أن الإطلاع على الصحف كان ممنوعا تماماً على المسجونين. 


والصورة المرافقة لهذا الموضوع تؤكد لحضرتك علاقة السادات القديمة جداً بأسرتنا، وهي في أوائل الخمسينات من القرن العشرين على شاطئ "سيدي بشر" بالإسكندرية، وفيها الرئيس بالمايوه يداعبني أنا وشقيقي "أحمد" عندما كنا أطفال صغار.