محمد كامل خضري يكتب : معاناة

محمد-كامل-خضري-يكتب-معاناة

 فى ذلك الزمن البعيد فى ذلك البلد البعيد فى القيظ الذى يأتيه كل عام مبكرا فيزيد سمرة الوجوه إحتراقا وعود الأجساد جفافا والناجى من المواليد من أمراض الصيف ومن الموت كمن نجا من الطوفان....أسمته أمى بعد مولده أحمد(الثانى)...بعد أن مات أخوه الرضيع فى مهده بالإسهال الشديد والقئ المتواصل وأصبح جلدا على عضم بعد أن إمتنع عن الرضاعة رغم جوعه بعد أن أنتشر الفطر الأبيض على فمه حتى أنه لم يكن يستطيع أن يمسك بفمه ثدى أمه أو تلك الحلمة الكاوتشوك والتى كانت حلقة الوصل بين محتويات الزجاجة العنبرية اللون من الينسون والكراوية وبين حلقه...كانت أمى تضع قطرات من المحتوى على يدها حتى إذا إطمأنت للدفء راحت تمص مصة أخرى من الحلمة زيادة تأكيد ثم تصبر قليلا ثم تكرر المحاولة حتى إذا إطمأنت تماما إلى زوال السخونة وسريان الدفء حاولت أن ترضع أحمد ولكنه لم يكن ليستطيع...بعد أيام مات أحمد "الأول" !

بعد شهور تفاءلت بالإسم فكررته مع مولودها الجديد أحمد(الثانى)ولكنه أبى كذلك أن يبقى على قيد الحياة بنفس الظروف وبنفس الأعراض فى ذلك البلد الذى صيفه هو نار الله الموقدة  !

مرت شهور طويلة وأنجبت أمى طفلها الثالث  إبراهيم ...صورة طبق الأصل من أخويه ولكنه عفى ذو وجه مستدير أخذ من أمى بياضها...ومرت شهور قليلة خلالها كانت أمى قد إستردت عافيتها وبدأ إبراهيم يحبو وتظهر له شخصية ويتعلق بنا ونتعلق به...ولكنه الصيف جلاب المصايب أتى...بدأ إبراهيم فى الإسهال والقئ كأخويه قالت الجارات إنها بشارات التسنين وقالت إحداهن...إستهوى...أى كان متعرقا وجاءته لفحة هواء باردة...زاد الأمر سوءا أن بقع فطر  بيضاء بدأت تكسو فمه من الداخل وتعوقه عن الرضاعة...وتحلق حول أمى  النسوة من الجيران مساندين وداعمين وفى ذاكرتهم أخواه اللذان توفيا فى نفس الظروف وأشاروا عليها بتسويك فمه ب"المنتنه" ذلك النبات العشوائى الذى يشبه الجعديد شديد الخضرة وينبت فى وسط زراعات الفجل والجرجير والبرسيم...أشارت على أمى أن آتى لها بقليل منه  من الحقول القريبة من النهر فأنا أعرفها جيدا فقد كنت آتى بها للأحمدين الراحلين...

لفت أمى فرع منتنة فى قماشة نظيفة بعد أن غسلته ثم عصرته فى فم إبراهيم نزلت منه نقاط خضراء سوكت أمى بهم  فمه المبيض من الداخل...ذقت المنتنة فضولا فى السابق كان طعمها قابضا زى الشاى التقيل شديد المرارة ...إقشعر جسدى بعد أن رأيت إبراهيم يتلوى بسببها وإزرق وجهه وسال لعابه الأخضر كأنه يرفض الجرعة...

لم يحدث تحسن فى حالة إبراهيم بل إزداد الإسهال والترجيع ضراوة ولم يفلح شئ فى إيقافهما...

نصحت إحدى الجارات أمى أن تذهب لمستوصف الراهبات الكاتوليك فى شارع أبطال التحرير...كنا هناك فى السابعة وكانت شمس الصيف فى تلك البلاد تلقى بأشعة من لهب على المشاة ويخترق مداها الأبنية...يتصبب العرق منا بلاتوقف...حجزنا تذكرة بقرش...التذكرة كرتونية كتلك التى كان السقا يضع عليها خطا كلما أحضر لنا قربة ماء...كان رقمنا على ماأذكر من الخمسة الأوائل دخلت أمى وكنت أنتظرها فى قاعة الإنتظار بين الأمهات اللاتى  يتشحن بسواد ملايات اللف وصريخ الرضع وعادت ومعها زجاجة مس أزرق وزجاجة محتواها عكر ...بعدها بسنوات كنت آتى للمستوصف منفردا لأن طبيب الشركة كان يكتب لأبى حقن فيتامين...فارولكس مع خلاصة الكبد وفكان أبى يعطينى إياها على أن آخذها ٢سنتى عضل كل أسبوع حتى أتعافى من نحافتى....كانت السيستر تغلى المحقن الزجاجى وتختار السن المناسب ثم تسحب من الحقنة الجرعة...لم أكن أخاف من الحقن ولكن كان يزعجنى الطعنة المباغتة من الخلف ! 

...عدنا إلى البيت ومع سواك الفم بالمس وشرب الدواء المعكر  لم يحدث تحسن ...ووسط زيارات الجارات ومواساتهن لأمى نصحتها إحداهن نصيحة...عزمت أمى على تنفيذها فى صباح اليوم التالى ...بعد أن أقنعتها أن ولدها محسود وأصابته عين  ! 

كنت أنا الراعى الرسمى للبيت فى غياب أبى بصفتى أكبر الأبناء حيث كان يعمل مايقرب من إثنى عشر ساعة يوميا  مابين إنتقال بالقطار إلى المنجم والعودة وساعات العمل الفعلية ...فكنت أنا القائم بالأعمال ...

صحينا مبكرين وقبل الشروق بحكم العادة وبحكم الحر الشديد الذى لايغادرنا ليل نهار فى شهور الصيف ...لفت أمى الحبرة كما يسميها أهل الصعيد أو الملاية اللف  وحملت عنها إبراهيم الذى أصبح هيكل عظمى من كثرة الإسهال"جلد على عضم" وبمعطيات هذا العصر كان يعانى من حالة جفاف شديدة ...ذهبنا إلى النيل ونزلنا بضع درجات حجرية حتى وصلنا إلى مستوى الماء فى النهر أخرجت أمى إبراهيم من لفائفه وأمسكت به وأنا مشفق على ماستفعله به...غطسته فى الماء وهى تتلو بعد التلاوات والأدعية...وهو لاحول له ولا قوة حتى الشهقة من برودة المياه كان لايستطيعها وكررت ذلك سبع مرات ولفته من جديد فى لفائفه كأنه مومياء طفل فرعونى له آلاف السنين وجدوها فى مقبرته...حملت إبراهيم عنها من جديد ولولا لفائفه لما أحسست أنى أحمل شيئا حملته وهو يئن أنين خافت كأنه تعيس قاده حظه العاثر أن يكون تحت أنقاض عمارة إنهارت ممن إختلس مقاولوها الحديد والأسمنت لمزيد من الكسب ...عدنا إلى البيت وما هى إلا سويعات حتى نادتني أمى من ملعبى الترابى أمام البيت فى إشارة حزينة فهمتها من كثرة ماتكررت فى حياتى...نادى عمك بشارى...ذهبت وناديته وأصطحبته من بيته القريب...كفن إبراهيم  فى لفافة بيضاء وأخذه فى مقطف صغير من الخوص وذهبت معه...قرأت هذا المشهد بعينه بعدها بسنين طويلة فى رواية عنوانها "الأم" لكاتبة أمريكية وتدور أحداثها فى الصين عندما دفنت بطلة الرواية بنتها ...حفر بفأسه حفرة عميقة فى المقابر العشوائية التى كانت خلف الجبل دفنه ووضع عليه بعضا من الأحجار الدبش المتوافرة والتى ساعدته فى جمعها...مقابر للوافدين مقابر بلامبانى وبلاشواهد تعرف سكانها كأنها مقابر شيدت على عجل لدفن جنود أستشهدوا فى معركة...سألتنى أمى هل تأكدنا أن الكلاب لاتستطيع أن تنبش القبر...أكدت لها....عاد أبى من الوردية فإستأذنت النسوة الجارات اللاتى يتشحن بالسواد فى الإنصراف وساد  البيت حالة من الصمت الرهيب...كانت دموع أمى الصامتة مازالت تنسال على خديها دون نحيب ...خلع أبى بدلة العمل الجبردين وصببت له الماء من الابريق حتى يتوضأ كان الماء المتساقط منه دموى اللون من آثار غبار أكاسيد الحديد التى تلف المنجم...صلى العصر...كانت أم فريال جارتنا قد أتت بصينية عليها بشكير لم نقربها كشفها أبى وتغدينا...شافع إبراهيم لوالديه...تذكرت كل ذلك وأنا أقرأ فى صفحات جريدة يومية حشو بها فردتى حذاء جديد إشتريته حتى يظل جلده مشدودا لامعا كما فى قالبه ...بعد أن فردتها وجدت أنها تحمل مئات التعازي من كل حدب وصوب للسيد الرئيس فى وفاة حفيده !