محمود عبدالشكور : كتاب حمدين حجاج.. فايزة وسلطان

محمود-عبدالشكور-كتاب-حمدين-حجاج-فايزة-وسلطان

كتاب ممتع جدا رافقني في العيد، وقرأته في جلسة واحدة، عن اثنين من أحب صناع الأغنية الي قلبي: الراحلة فايزة أحمد، ورفيق عمرها الملحن محمد سلطان.

فايزة من أجمل الاصوات النسائية العربية في القرن العشرين، وطريقتها في الأداء تجمع بين تشخيص الحالة والتعبير عنها، وبين البراعة في السيطرة على المقامات والقفلات، أى أنها تجمع بين الإحساس والتكنيك في أرفع مستوياتهما، وفي حالة انصهار كاملة،  صوت دافيء ومعبر، واختبارها الحقيقي في أنها تركت بصمة، وأغنيات باقية، في زمن متخم بالمواهب، وبالأصوات العظيمة، زحام هائل من المواهب، شقت فايزة بصوتها صفوفه، وانتزعت لنفسها معجبيها، وهذا بالضبط ما حدث مع سلطان، الذي قدم أفضل ألحانه في زمن الكبار، والذي انتقل بفايزة من الأغنية العاطفية وحدها، الى ألوان غنائية أخرى، قدمتها كلها باقتدار.

الكتاب الصادر دار ريشة للنشر والتوزيع عنوانه "فايزة وسلطان"، وله عنوان فرعي  ذكي ودال على الحكاية هو :"عشنا عمرنا أحباب"، ومؤلفه هو المحرر الفني المتميز حمدين حجاج، الذي يمتلك القدرة على السرد الشيق والسلس، والذي لم ينس أنه صحفي يجب أن يسأل ويتحقق، لا أن يأخذ المعلومة كما هي.

يمكن القول إن الكتاب هو مذكرات محمد سلطان، ولكن بالتركيز على أهم مشروعات سلطان الفنية، وهي علاقته كملحن مع فايزة، وسلطان، الفنان الراقي النبيل، هو الذي اقترح أن تشاركه فايزة عنوان الكتاب، امتنانا ووفاء لها، وترجمة لأهم ما في مسيرة سلطان الفنية من إبداعات مع فايزة، وهكذا التقط حمدين الفكرة، فجعل السرد متبادلا في جزء معتبر من الكتاب، بين قصة حياة سلطان، وقصة حياة فايزة، ثم يستعيد محمد سلطان (متعه الله بالصحة والعافية) زمام السرد في بقية الكتاب، متحدثا عن تفاصيل علاقته مع فايزة، وحياتهما كزوجين طوال 17 عاما، وأغنياتهما المشتركة، ورأيه فيها كأنسانه وكمطربة استثنائية، كما يتحدث عن علاقته مع مطربين آخرين، ومع الرؤساء والشعراء، بل ويرسم ملامح عصر بأكمله، فنيا وسياسيا واجتماعيا.

يقدم الكتاب دراما إنسانية غريبة، تلعب فيها المصادفات دورا محوريا، وتحفل بمفاجآت عديدة للقاريء: كثيرون مثلا لا يعرفون أن محمد سلطان الحاصل على ليسانس الحقوق والماجستير في الإقتصاد قد عين في النيابة، ولكنه ترك وظيفته من أجل الموسيقى، وكثيرون لا يعرفون أن سلطان عرف الموسيقار عبد الوهاب في سن مبكرة جدا، وكان سلطان وقتها في سن الثالثة عشرة، ولا يعرفون أيضا أن سلطان كان صديقا لفريد الأطرش، وتعرف على فايزة شخصيا لأول مرة في حفل اقامه فريد في بيته.

حياة فايزة أحمد الرواس، وهذا اسمها بالكامل، أيضا غريبة، فقد اعتمدت في الإذاعة السورية واللبنانية معا، وسجلت ديويتو وهي صغيرة مع فيروز في إذاعة الشرق الأدنى، ووقع حادث لفايزة في العراق قبل أن تأتي الى مصر، أفقدها القدرة على تذكر اسمها، ولكنها واصلت الغناء رغم كل ذلك.

أما الأغرب على الإطلاق فهو أن سلطان، الفتى السكندري الوسيم، لم يكن يحب فايزة عندما تزوجها، ولكنه تعامل بنبل لوقف أي شائعات عن فنانة يعشق صوتها، ولا يريد للصحافة أن تسيء الى علاقتها معه كملحن، ولم يكن هناك حل سوى إعلان الزواج، ولكن بمجرد أن حدث ذلك، حتى أصبح سلطان عاشقا لفايزة، لا يرى امرأة غيرها، اكتشف الإنسانة خلف الفنانة، وهي أيضا أحبته من البداية، وصممت أن تنجب منه رغم حالتها الصحية الصعبة، صرنا أمام حكاية حب مدهشة، وحكاية وفاء أعظم، الى درجة أن سلطان ظل يزور قبر فايزة يوميا لسنوات طويلة، ومازال يرى أن لقاءه بها من أهم أحداث حياته، على المستوى الشخصي أو الفني.

يحضر في الكتاب عصر الكبار بكل ملامحه، فايزة القادمة من الشام جاءت لكي يلحن لها اسم بعينه هو محمد الموجي، ثم تعاونت مع بليغ حمدي، ولحن لها عبد الوهاب، ولكنها كانت تشكو دائما من انه يفضل صوت نجاة، ثم جاءت مرحلة سلطان كملحن ناشيء أعجبت فايزة به وبألحانه، وكانت أغنية "أؤمر يا قمر"، من كلمات محمد حمزة وألحان سلطان هي علامة النجاح المبكرة.

 سلطان يتحدث في الكتاب عن كبار كثيرين، عن محمد فوزي وفريد وعبد الحليم وعبد الوهاب، عن هاني شاكر ومحرم فؤاد وعادل مأمون، عن حسين السيد ومأمون الشناوي ونزار قباني، عن مشروع تعاون لم يتم بين سلطان وأم كلثوم، فقد كان يفترض أن يلحن لها أغنية "ودارت الأيام"، عن اكتشاف يوسف شاهين لسلطان كممثل في فيلم "الناصر صلاح الدين"، عن صداقة سلطان مع الرئيس السادات، الذي كان يغني، ويعزف سلطان معه على العود في جلسات خاصة كثيرة.

الكتاب لا يخلو ايضا من ذكر اللحظات المؤلمة، مثل فترة طلاق فايزة وسلطان، ثم عودتها إليه، وفترة مرضها الصعبة، ولحظاتها الأخيرة في مستشفى المعادي، غنت لرفيق عمرها مطلع أغنيتهما الجميلة "أيوة تعبني هواك"  بأعذب صوت، فكانت أغنية الوداع.

كل التحية لجهد حمدين حجاج، فقد أعادني الى أجمل ما في هذا الزمن، وقدم للقاريء كواليس رحلة النجاح الشاقة.

 ليته يقوم في طبعات قادمة من كتابه الممتع الحافل بصور جميلة لفايزة وسلطان، بإضافة ملحق بأغنياتهما المشتركة، أو بالأغنيات التي لحنها سلطان لمطربين ومطربات آخرين وأخريات، وكثير من هذه الأغنيات رائع وباق، وكذلك  تسجيل مساهمات سلطان في مجال السينما تمثيلا، أو كمؤلف للموسيقى التصويرية، وهناك أيضا أوبريتات لحنها سلطان لفايزة تستحق التسجيل.

ليت حمدين يواصل هذا المنهج السردي الشيق في التأريخ في كتب قادمة  لأسماء عاشت زمنا عظيما، وأضافت الى هذا الزمن.

"فايزة وسلطان" كتاب يستحق القراءة بكل جدارة.