مستقبل النفط.. لماذا تودّع أوبك+ قيود الإنتاج بلا رجعة؟ — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

مستقبل النفط.. لماذا تودّع أوبك+ قيود الإنتاج بلا رجعة؟

مستقبل-النفط-لماذا-تودّع-أوبك-قيود-الإنتاج-بلا-رجعة

من غير المرجح أن يتراجع منتجو النفط في "أوبك+" عن خططهم لزيادة الإنتاج، حيث تجبر كل من توقعات السوق قصيرة الأجل والتوقعات طويلة الأجل للتغيرات الهيكلية في سوق النفط العالمية المنتجين على التركيز أكثر على توسيع حصتهم في السوق.

وأظهر اجتماعا "أوبك +" الأخيران بوضوح نية أعضاء المجموعة ضخ المزيد من النفط في السوق.

وفي شهري يونيو/حزيران ويوليو/تموز، تطلب الأمر جهدًا كبيرًا من الأعضاء للاتفاق على زيادة الإنتاج بمقدار 0.4 مليون برميل يوميًا على أساس شهري.

ومع ذلك؛ فللمرة الأولى منذ فترة، لم تركز المناقشة المكثفة على مشاكل الامتثال لقيود الإنتاج ولكن على رغبة جميع منتجي النفط الرئيسيين - وخاصة الإمارات - في ضمان حصولهم على أقصى زيادة ممكنة في حصة الإنتاج.

وبعد اعتماد خطط الإنتاج الجديدة مباشرة، أظهر أعضاء "أوبك +" أحد أعلى معدلات نمو الإنتاج في التاريخ الحديث، مشيرين إلى أن هذه كانت البداية فقط.

فقد أعلنت الإمارات عزمها على زيادة حجم الصادرات من مؤشر خام "مربان" القياسي في عام 2022 لضمان نجاح تداوله في العقود الآجلة.

ولن تكون هذه الخطط ممكنة بدون الحفاظ على مستوى عالٍ من الإنتاج، مع الإشارة ضمنيًا إلى إعادة توزيع تدفقات النفط بين الاستهلاك المحلي والتكرير والصادرات.


كما تستعد شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك" لتنفيذ خطط لزيادة الإنتاج بمقدار مليون برميل يوميًا على مدى السنوات الثماني المقبلة، بل وتفكر في التوسع في أعمال الحفر في المنطقة.

من جانبها، تتحدث السعودية عن زيادة الطاقة الإنتاجية بمقدار مليون برميل في اليوم بحلول عام 2030.

وبالتالي، تعتبر شركات الخدمات حاليًا منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر المناطق جاذبية على المدى الطويل، بالرغم أن ربحيتها في عام 2021 كانت متواضعة.

دوافع لعدم التراجع

بحلول سبتمبر/أيلول الجاري، كانت هناك مخاوف من أن الزيادات الشهرية الجديدة في الإنتاج قد تؤدي إلى زيادة إغراق الأسواق التي لا يزال تعافيها بطيئًا، حتى أن بعض أعضاء "أوبك" جادلوا بأن وتيرة زيادة الإنتاج قد تحتاج إلى التباطؤ بعد سبتمبر/أيلول لتجنب انخفاض الأسعار.

ومع ذلك، ففي 1 سبتمبر، وافقت "أوبك +" على الحفاظ على خطط نمو الإنتاج الحالية، وهو قرار مدفوع بعدة عوامل.

أولاً، على الرغم من بعض التوقعات السلبية قصيرة الأجل، تظل توقعات السوق متوسطة الأجل إيجابية نسبيًا وتشير إلى أنه سيتم تجنب فرط المعروض في عام 2021.

وعلاوة على ذلك، تتنبأ معظم هذه التوقعات بفائض نفط أقل بكثير مما كان متوقعًا في السابق في عام 2022، مما يعني أن الوضع العام مهيأ لمزيد من التحسن على المدى الطويل.

كما ساهمت الاعتبارات السياسية في قرار "أوبك +" بالحفاظ على معدلات نمو الإنتاج.


فمن ناحية، سيعطي إبطاء إنتاج النفط بعد شهرين فقط من قرار رفعه إشارة سلبية للسوق، ويقوض الثقة في "أوبك +" كمنظمة قادرة على قراءة الاتجاهات الاقتصادية، وسيُنظر إليها على أنها تثير اضطرابات في السوق.

ومن ناحية أخرى، يحتاج أعضاء "أوبك +" إلى إيجاد توازن ليس فقط فيما بينهم، ولكن أيضًا بين مصالحهم ومصالح طرف ثالث هو الولايات المتحدة، فالمسؤولون الأمريكيون لم يكونوا راضين عن الزيادة الأخيرة في أسعار النفط والوقود، وطالبوا المجموعة بزيادة الإنتاج بشكل أكبر.

ولا يمكن للسعودية أو الإمارات تجاهل ذلك تمامًا، نظرًا لعلاقاتهما السياسية المتوترة في الآونة الأخيرة مع الولايات المتحدة.

عالم جديد قادم

ومع ذلك، فإن السبب الرئيسي وراء إحجام "أوبك +" عن خفض الإنتاج - سواء في سبتمبر/أيلول أو في أي وقت قريب - هو السيناريوهات المحتملة طويلة الأجل لتطور السوق، والتي تترك منتجي النفط أمام خيار واحد فقط هو زيادة الإنتاج ومحاولة الاحتفاظ بحصتهم في السوق لمواجهة التحول القادم للطاقة.

وإذا لم يفعلوا ذلك، لا ترى معظم التوقعات أن المستقبل سيحمل في طياته مبشرات بالنسبة لمنتجي "أوبك +"، على الرغم من اختلاف طبيعة التحديات التي سيواجهونها.

وتشير إحدى التوقعات إلى أنه خلال العقد المقبل، قد يتسبب نقص الاستثمار في تطوير حقول النفط الجديدة (بسبب مخاوف المنتجين بشأن السرعة المحتملة لتحول الطاقة، وفائض المعروض في السوق، والانخفاض المقبل في أسعار النفط) في حدوث عجز كبير في الطلب.

وعلى سبيل المثال، تشير توقعات مجموعة "وود مكينزي" أنه بحلول عام 2030، ستصل فجوة المعروض إلى 20 مليون برميل في اليوم، مع نمو الطلب بمقدار 7 مليون برميل في اليوم، وسينخفض الإنتاج من خارج "أوبك" بمقدار 13 مليون برميل في اليوم.

وقد تكون هذه فرصة لمنتجي "أوبك +"، لأنه يعني أن هناك خيارًا أمامهم لتوسيع حصتهم في السوق وزيادة أرباحهم، ومع ذلك، قد يتم تفويت هذه الفرصة إذا استمرت القيود المفروضة على إنتاج النفط في تقييد خطط التنمية الخاصة بهم.


ويتحدث عدد من أعضاء "أوبك +" بالفعل عن صعوبة تحقيق مستويات ما قبل 2020 من الإنتاج أو الحفاظ عليها على المدى الطويل.

وتقول "وود مكينزي" إن عشرينيات القرن الحالي، قد تشهد فشل "أوبك" في زيادة حصتها في السوق دون بذل جهود إضافية لتعزيز الإنتاج.

لا عودة للعصر الذهبي

هناك سيناريو بديل على المدى الطويل، ستنمو فيه الحصة السوقية لأوبك (وربما أوبك +)، حيث سيؤدي تحول الطاقة إلى تقليل الطلب على النفط وانخفاض الأسعار، مما يترك السوق مفتوحًا لأولئك الذين لديهم تكلفة إنتاج أقل.

ووفقًا لأحد السيناريوهات التي طرحتها وكالة الطاقة الدولية، فإنه بحلول عام 2050، ستصل حصة "أوبك" في السوق إلى نسبة غير مسبوقة تبلغ 52%.

ومع ذلك، فإن هذا لا يعني بداية عصر ذهبي آخر لأعضاء المجموعة؛ لأنه بحلول ثلاثينيات القرن الحالي، سيؤدي الطلب المحدود على النفط وانخفاض الأسعار إلى خفض دخل المصدرين بشكل خطير وتحويل بعض حقولهم النفطية إلى أصول عالقة.

ولتجنب ذلك، يُنصح المنتجون بتسريع جهود التنويع وجعل الطاقة المتجددة جزءًا حيويًا في هيكلهم الاقتصادي.


ومع ذلك، ما تزال الموارد النفطية المصدر الوحيد لتمويل المشاريع في هذه المجالات بالنسبة لبلدان "أوبك +".

ويحتاج منتجو النفط إلى ضمان قدرتهم على تحويل هذه الموارد إلى نقود قبل أن يجبرهم الانخفاض المتوقع في الأسعار وتباطؤ نمو الطلب على مواجهة مشكلة الأصول النفطية العالقة.

ويعني ذلك أن قيود الإنتاج المفروضة ذاتيًا ليست سوى إجراء مؤقت لتحقيق الاستقرار في سوق النفط وتأخير انخفاض الأسعار، أما على المدى الطويل، فسيكون منتجو النفط الرئيسيون أكثر تركيزًا على زيادة الإنتاج.

مستقبل "أوبك +"

لن تكون العملية مباشرة وسهلة، حيث سيحاول منتجو النفط التقليديون مثل السعودية تحقيق التوازن بين سعر النفط الفعال وحجم الإنتاج المرتفع وعدم الرغبة في العمل بمفردهم في الوقت ذاته.

وهذا هو المجال الذي تواصل فيه "أوبك +" لعب دور مهم للغاية، حيث توفر منصة تفاوض مهمة تسمح للمنتجين بتنسيق جهودهم لزيادة حصتهم في السوق، وتجنب التوترات غير الضرورية.

كما أنها تظل الوسيلة الوحيدة المتاحة لتنظيم السوق بشكل فعلي، والتي يمكن استخدامها من حين لآخر من قبل منتجي النفط لتحقيق الاستقرار في الوضع إذا لزم الأمر.


ومن منظور طويل الأجل، ستتردد "أوبك +" بشدة - حتى أكثر من ذي قبل - في خفض حجم الإنتاج دون ضرورة ملحة.

وبالتالي، ستكون أهميتها كأداة سوق ومنصة تفاوض ضامنة لاستمرارية وجودها بعد عام 2022، عندما ينتهي الاتفاق على مستويات الإنتاج الحالية.


المصدر | نيكولاي كوزانوف/ معهد الشرق الأوسط