مصر بحاجة إلى نهج أكثر شمولا لإصلاح الدعم

مصر-بحاجة-إلى-نهج-أكثر-شمولا-لإصلاح-الدعم

في حديثه في حدث عام في وقت سابق من هذا الشهر، أصدر الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" إعلانا مفاجئا بأن الخطوة التالية في أجندة الإصلاح الاقتصادي للبلاد ستشمل إلغاء دعم الخبز. ولقد أصبحت الأحدث في سلسلة طويلة من الرؤساء الذين استهدفوا دعم الخبز الذي يوفر قوتا رخيصا لبلد يسكنه أكثر من 100 مليون شخص بتكلفة باهظة على الدولة، بالرغم من أنه لم ينجح أي من أسلافه في إزالة هذا الدعم أو تقليله بشكل كبير.


وعندما تتم مناقشة دعم الخبز في مصر، تظل النقطة المرجعية الرئيسية هي أحداث الشغب التي حدثت في عام 1977 تحت قيادة الرئيس "أنور السادات"، الذي قدم سياسة قصيرة الأجل لرفع الدعم عن الأرز والطحين وزيت الطهي، من بين قرارات أخرى. وبعد ذلك اندلعت أعمال الشغب بين المجتمعات الأكثر ضعفا والأكثر تضررا. وفي حين أنها استمرت بضعة أيام فقط، تراجعت الدولة على الفور عن القرار وأعادت الدعم الغذائي، الذي استمر حتى يومنا هذا.

ومع التضخم والزيادة السريعة في عدد السكان، يضع برنامج الدعم عبئا ثقيلا على عاتق الدولة. وتشير التقديرات إلى أن ما يقرب من ثلثي السكان، أو نحو 70 مليون شخص، يستفيدون من دعم الخبز. وتم تسعير رغيف الخبز بـ5 قروش للمرة الأولى في عام 1988، ولا يزال عند هذا السعر، بالرغم من أن التكلفة الفعلية الآن نحو 0.65 جنيها مصريا (65 قرشا)، وعلى مر السنين، انخفض الوزن القياسي للرغيف من 150 جراما في الثمانينيات إلى 90 جراما اليوم. ويكلف برنامج دعم الخبز الحكومة حاليا نحو 48 مليار جنيه مصري، أو 3 مليارات دولار، سنويا.

ولا يعد قرار إلغاء دعم الخبز مفاجئا، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا الرئيس ألزم نفسه إلغاء أو تخفيف عدد من الأعباء الاقتصادية التاريخية. وفي عام 2015، أعلن "السيسي" عن تحويل الدعم من الدقيق إلى أرغفة الخبز، بهدف الحد من تزايد الهدر والفساد بين المستفيدين. وتمت الإشادة بمخطط "البطاقة الذكية" الذي تم تقديمه لتطبيق هذا النظام، وهو برنامج تم طرحه في البداية في عهد الرئيس السابق "محمد مرسي"، باعتباره نجاحا للنظام الحالي.

ومع توقيع اتفاقية قرض صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار في عام 2016، سنت مصر برنامجا مدته 4 أعوام لرفع دعم الوقود والكهرباء ببطء. وفي عهد "السيسي" أدخل البرلمان أيضا تشريعا يحد من زراعة الأرز عام 2018، يهدف في المقام الأول إلى معالجة أزمة انعدام الأمن المائي التي تواجهها البلاد، ويسعى التشريع الأخير إلى تقليل استهلاك المياه، ويفرض عقوبات على إهدار المياه، ويفرض رسوما على الري.

نظام مغلق إلى حد كبير

ويميل النظام التشريعي في مصر إلى حد كبير إلى جدول أعمال السلطة التنفيذية، بالرغم من أن هذا معيار راسخ وليس سابقة من نوعها. ومن خلال انتخابات مشكوك فيها، تنظمها وتديرها أجهزة المخابرات، تم تنصيب برلمانات مرنة على التوالي منذ عام 2015. والتشريعات المقدمة إلى البرلمان إما يتم إنشاؤها داخل الحكومة أو الرئاسة أو تنبع من داخل الجهاز الأمني. وفي حين أن العملية البرلمانية، من خلال مراحل اللجان ذات الصلة، تتيح الفرصة لمشاركة الجمهور والتشاور، فقد كان هذا على فترات متباعدة في أحسن الأحوال.

وفي أوقات التوتر السياسي المتصاعد، تمت دعوة المجتمع المدني للانخراط مع البرلمان، بالرغم من أن الفاعلين المشاركين ينظرون إلى ذلك على أنه مجرد استعراض، ويظل مقصورا على المشاورات حول قانون المنظمات غير الحكومية والتشريعات الأخرى ذات الصلة.

وكانت هناك لحظات أخرى استطاع فيها الرأي الشعبي تغيير نهج الدولة، مثل اللوبي المناهض للفحم، لكن هذه تظل نادرة جدا.

ومع ذلك، على مر السنين، كان هناك القليل من مشاركة الجمهور، وفي بعض الحالات كان هناك القليل من التحذير من إدخال تغييرات وشيكة في برنامج الدعم. ومن الجدير بالذكر أن "السيسي" اختار إصدار هذا الإعلان حول دعم الخبز قبل إدخال أي تغييرات جوهرية. وبالتالي، لم ينتج عن التشريعات أو القرارات التنفيذية السابقة سوى القليل من التأييد العام أو عدمه، حيث من المتوقع أن يمتص الجمهور بصمت الزيادة المستمرة في تكلفة المعيشة، وترك أولئك الأكثر ضعفا إلى حد كبير بدون دعم شبكات الأمان الاجتماعي بشكل كافي.

وشهدت مصر احتجاجات متفرقة، وإن لم تدم طويلا، في أوقات مختلفة خلال رئاسة "السيسي" عندما يتم اتخاذ هذه القرارات الخاصة فجأة، مثل الزيادة كبيرة في رسوم النقل وارتفاع أسعار الوقود. حتى أن صفقة صندوق النقد الدولي في عام 2016 كانت قد جاءت مع القليل من التحذير، حيث استيقظ المواطنون ليجدوا أن العملة المحلية قد انخفضت بنسبة 50% تقريبا، بينما تم إدخال زيادات في الوقود في وقت واحد.

وفي حين أن هذا النموذج من صنع القرار مترسخ في أسلوب الحكم في مصر، يمكن القول إن تأثيره كان أكثر حدة على مدى الأعوام الـ8 الماضية، حيث قام "السيسي" بإجراء تغييرات جوهرية على الاقتصاد المصري واختار معالجة بعض من أثقل الأعباء المالية على الدولة.

ويتفق الاقتصاديون، بكل المقاييس، على أن هذه الإجراءات ضرورية، لكن الطريقة التي يتم بها تنفيذها لا تفضي إلى نهج حوكمة إيجابي وشامل. ولقد تركت قوانين زراعة الأرز الحديثة، على سبيل المثال، عشرات الآلاف من المزارعين دون خيارات لتعويض الدخل المفقود أو الاستخدام الفعال لأراضيهم، في حين أن القيود المفروضة على استهلاك المياه وتسعير المياه المفروضة كان لهما آثار غير مباشرة على أسعار المستهلك، ما أثر على القوة الشرائية.

ارتفاع الضغط الاقتصادي

وهذا الشهر فقط، أظهرت أرقام البنك المركزي الصادرة أن التضخم الأساسي السنوي ارتفع إلى أعلى مستوياته منذ منتصف عام 2019، بينما ارتفع التضخم الرئيسي أيضا في يوليو/تموز إلى 6.1%، وهو أعلى رقم مسجل منذ يناير/كانون الثاني 2020. وتشير التوقعات لبقية العام إلى أن الأسعار ستستمر في الارتفاع، مع زيادة التضخم.

وبالرغم من أن هذه الاتجاهات لم تثر قلق المتخصصين في الأسواق الناشئة أو الاقتصاديين المحليين، إلا أنها استمرت في زيادة الضغط الاقتصادي على الجمهور. وعلى العموم، لم يستوعب المصريون بالكامل التأثير الهائل لخطة إصلاح الدعم لعام 2016، حيث تم الضغط على الطبقة الوسطى إلى أقصى حدودها، وسقط المزيد والمزيد من المواطنين في براثن الفقر.

ومع تسبب جائحة "كوفيد-19" في ضغوط اقتصادية إضافية، يعيش نحو 30% من السكان الآن تحت خط الفقر، بالرغم من أن وكالة الإحصاء الرسمية، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تحدد خط الفقر عند نحو 1.45 دولارh في اليوم، وخط الفقر المدقع عند أقل من دولار واحد في اليوم، وهي أرقام تقل بشكل صارخ عن أرقام البنك الدولي.

وتحظى البرامج الاجتماعية في مصر لدعم الفئات الأكثر فقرا بالترحيب في الغالب من قبل المجتمع الدولي، لكن مؤشرات التنمية في البلاد تشير إلى أنها أقل بكثير مما هو مطلوب لمساعدة الملايين الذين يحتاجون إلى مساعدات حكومية.

علاوة على ذلك، تستثنى الطبقة الوسطى من الوصول إلى شبكات الأمان الاجتماعي، حتى مع تزايد الخسائر الاقتصادية لخطط الإصلاح.

وتعد محاولات "السيسي" لمعالجة نظام الدعم الذي يضع مثل هذا العبء الكبير على ميزانية الدولة جديرة بالثناء. وفي الواقع، تم الترحيب بالإعلان الأخير من قبل الكثيرين داخل البلاد، بما في ذلك أجزاء من الحكومة الحالية، بالرغم من أن مسؤولين بارزين أثاروا مخاوف من أن إلغاء دعم الخبز بالكامل سيضر دون داع بالمصريين الذين هم في أمس الحاجة إليه.

وفي حين تم اقتراح بدائل مثل إلغاء الدعم تدريجيا، فلم يظهر "السيسي" في السابق استعداده للتراجع عن تصريحاته وتعهداته. وليس من المحتمل إذا ما واجه "السيسي" معارضة كبيرة بشأن الإعلان الأخير أن يكون لذلك تأثير كبير على رغبته في المضي قدما.

وحتى الآن، باستثناء الإصلاحات الرئيسية للقطاع العام، في محاولة مبكرة لخفض فاتورة الأجور، عام 2016، لم يشهد الرئيس أي معارضة مادية لهذه الأنواع من قرارات الإصلاح، بالرغم من الألم الاقتصادي الكبير الذي ترتب على بعضها. وفي حين أن هناك معارضة قليلة بين دوائر النخبة والاقتصاديين لفكرة تخفيض أو إلغاء دعم الخبز، فإن أعضاء المجتمع الأكثر ضعفا، الذين سيتحملون العبء الأكبر، غير قادرين على الوصول إلى العملية التشريعية أو الانخراط مع المعنيين.


ومع عدم وجود خطاب عام حول هذه القضية، فقد أصبحوا غير مرئيين تقريبا، ويفتقرون إلى المكانة السياسية أو الممثلين لدعمهم ومناصرتهم.

الحاجة لاستشارة الجمهور


وينبغي السماح للمجتمع المدني بدور علني وعام في المشاورات مع أولئك الذين يصوغون القانون، بما في ذلك البرلمان والوزارات ذات الصلة. ويجب إشراك نخبة رجال الأعمال والاقتصاديين من قبل الحكومة، بما في ذلك وزارة المالية والبنك المركزي، حيث يقومون بوضع هذه السياسات وخطط الاتصال المناسبة، والتي يمكن التأكيد عليها من خلال المشاركة مع المجتمع الدولي، بما في ذلك المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين استثمرا بكثافة في مصر خلال العقد الماضي.

وفي الوقت نفسه، يجب أيضا توسيع وصول المواطنين إلى المشرعين، للسماح للأشخاص الأكثر ضعفا بالتواصل مع ممثليهم، في حين أن وسائل الإعلام، بالرغم من كونها مسيسة للغاية وتفتقر إلى الاستقلال، يمكنها أن تكون أداة قوية لخلق ضغط سياسي لتوفير عملية شاملة. فمع وجود رقابة قليلة أو معدومة على السلطة التنفيذية وبرلمان مطيع نادرا ما يتحدى الرئيس أو جهاز الأمن، يمكن القول إن الضغط العام هو السبيل الوحيد للدعوة إلى نهج استشاري.

وبتعهده بإلغاء دعم الخبز تماما، دون استشارة جوهرية عبر المؤسسات أو مع الجمهور، يعمل "السيسي" على تعزيز نموذجه في الحكم الذي يحرم الناس من أي دور. وفي الواقع، يشير ذلك بقدر ما إلى مدى قبضته على السلطة بقدر التزامه بإصلاح الاقتصاد المصري.

ومن خلال استهداف الدعم السياسي الأكثر استمرارية في مصر، يمكن لـ"السيسي" أن يعكس ما يقرب من قرن من سياسة دعم المواد الغذائية. وهي لحظة تاريخية تستحق اتباع نهج أكثر شمولية واستشارة. ومن الضروري الاعتراف بالمواطنين وأصحاب المصلحة غير الحكوميين وإشراكهم في تنفيذ إصلاحات ذات مغزى لا يمكن أن تغير البلد بشكل جذري فحسب، بل تهدف إلى إنهاء الحلقة المفرغة من الحكم السيئ والصدمات السياسية التي حالت دون سن مثل هذا الإصلاح لفترة طويلة.

المصدر | حفصة حلاوة - معهد الشرق الأوسط