مصر تخشى أزمة مياه مع ركود الدبلوماسية العالمية بشأن سد إثيوبيا

مصر-تخشى-أزمة-مياه-مع-ركود-الدبلوماسية-العالمية-بشأن-سد-إثيوبيا

تكشف النقوش الهيروغليفية التي يبلغ عمرها 4 آلاف عام، التي تم نقشها على حجر في جزيرة سهيل على طول نهر النيل في جنوب مصر، الآثار المدمرة للجفاف والمجاعة على المصريين القدماء. وتعتبر مواسم الفيضانات السيئة في عهد الملك المصري "زوسر" من أقدم ما يذكرنا بمخاوف مصر الوجودية بشأن الأمن المائي والجفاف.


وبصرف النظر عن الانحرافات الطبيعية التي تسببت في الجفاف الذي دام 7 أعوام قبل 4 آلاف عام، تواجه مصر الآن أزمتين يمكن أن تؤديان إلى تفاقم مشاكل المياه، تغير المناخ وسد النهضة الإثيوبي الذي تم بناؤه حديثا. وفي الوقت الحالي، يبدو أن هذا الأخير هو الشاغل الأكثر إلحاحا للمصريين.

ومع مناخ شبه صحراوي، تعتمد مصر على نهر النيل في 95% من إمداداتها المائية. ويعتمد أكثر من 85% من الزراعة في مصر على مياه نهر النيل، الذي يُقدَّر كأب للأنهار الأفريقية نظرا لطوله الذي يمتد لمسافة 6 آلاف و670 كيلومترا ويتدفق عبر 10 دول أفريقية. ومصر ملزمة بزيادة استهلاكها من المياه لإطعام سكانها المتزايدين مع التقلص الوشيك لإمدادات المياه.

ومن المتوقع أن يؤدي تغير المناخ إلى زيادة مستويات سطح البحر، وفقدان الأراضي الصالحة للزراعة، وانخفاض الوصول إلى المياه العذبة في مصر.

ومن ناحية، يمكن أن تغمر الظواهر المناخية المتطرفة الأراضي الزراعية الساحلية بفيضان النيل، ما يؤدي إلى فشل المحاصيل وانعدام الأمن الغذائي. ومن ناحية أخرى، تخشى مصر من تفاقم موجات الجفاف بسبب الحرارة الشديدة الممتدة وكذلك انخفاض إمدادات المياه من سد إثيوبيا الضخم للطاقة الكهرومائية، أو ما يعرف بـ"سد النهضة". ويبدو أن العداء بين إثيوبيا ومصر بشأن مسألة استخدام المياه يقترب من طريق مسدود مع عواقب وخيمة.

وتعتبر إثيوبيا سد النهضة، الذي كلف بناؤه 4 مليارات دولار، كنزا وفخرا وطنيا من شأنه أن ينتشل أكثر من 65 مليون شخص من الفقر من خلال "الكهربة الجماعية". وعلقت أديس أبابا أملها على سد النهضة كمحفز لتنميتها الاقتصادية. ودفع العديد من الإثيوبيين تكاليف بناء السد العملاق عن طريق شراء سندات حكومية. لذلك، ستلتزم بخطتها للوفاء بوعدها بالكهرباء بغض النظر عن الخلافات مع دول المصب مثل مصر والسودان.

وقامت إثيوبيا بملء سد النهضة للمرة الأولى بـ4.9 مليارات متر مكعب من المياه في يوليو/تموز 2020. وأكملت الملء الثاني بما يقرب من 13 مليار متر مكعب من المياه في يوليو/تموز الماضي، وهو ما فاجأ مصر والسودان وزاد من تأجيج التوترات.

من هنا، دقت السلطات في القاهرة والخرطوم ناقوس الخطر بشأن الإجراءات الأحادية التي اتخذتها أديس أبابا، وافتقارها للشفافية والتنسيق والاتفاق معها بشأن استخدام المياه.

وفي مواجهة الجمود بعد انهيار المفاوضات من خلال الاتحاد الأفريقي في أبريل/نيسان، أحالت مصر نزاع السد مع إثيوبيا إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في يونيو/حزيران من هذا العام. وقدم أعضاء جامعة الدول العربية دعمهم للقاهرة والخرطوم بشأن قضية النيل في يونيو/حزيران 2021، ودعوا جميع الأطراف إلى وقف الإجراءات أحادية الجانب.

وبدعم من الدول العربية، كان قرار القاهرة بإحالة القضية إلى مجلس الأمن الدولي لتسليط الضوء على خطورة النزاع على المياه وحث القوى العالمية على استخدام الدبلوماسية لمنع صراع عسكري محتمل. وتعتقد السلطات المصرية أن مجلس الأمن الدولي يمكن أن يساعد في تفادي الحرب مع إثيوبيا واستخدام هذه القضية كسابقة دبلوماسية لأي خلاف مستقبلي بين الدول يتعلق بموارد مائية مشتركة.

وأعرب وزير الخارجية المصري "سامح شكري" عن أمله في أن يفرض مشروع قرار تونسي لمجلس الأمن اتفاقية ملزمة قانونا بين إثيوبيا ومصر والسودان في غضون 6 أشهر من تاريخ التوقيع عليها، لضمان "قدرة إثيوبيا على توليد الطاقة الكهرومائية، مع منع إلحاق ضرر كبير بالأمن المائي لدول المصب". وطبقا للقرار فان مثل هذا الاتفاق سيتم التفاوض بشأنه من خلال الاتحاد الأفريقي.

ومع ذلك، كان الممثل الدائم لمصر لدى الأمم المتحدة "محمد إدريس"، أقل تفاؤل بأن مجلس الأمن لديه الرغبة في معالجة نزاع سد النهضة. وحتى الآن، ثبت أنه على حق؛ حيث ظلت القوى العالمية محايدة إلى حد كبير بشأن التوترات المتفاقمة حول مياه النيل.

ولم يُظهر مجلس الأمن الدولي على وجه الخصوص أي رغبة في المشاركة في هذه المسألة. وفي الواقع، لم يمارس أعضاء مجلس الأمن الدولي أي ضغط على إثيوبيا لوقف إجراءاتها الأحادية فيما يتعلق بتشغيل السد، الذي يظل في قلب المشكلة بالنسبة لمصر والسودان. وهكذا، فإن الدول الأخيرة كانت غير راضية عن ضعف استجابة مجلس الأمن لقضية تمثل مثل هذه المصلحة الوطنية الحيوية بالنسبة لها.

وأعربت إثيوبيا عن أسفها لضغط مصر والسودان من أجل قرار مجلس الأمن الدولي، بحجة أن الحل لن يأتي من مجلس الأمن، ولكن من المحادثات المباشرة. بالإضافة إلى ذلك، شدد وزير المياه الإثيوبي "سيليشي بيكيلي أولاتشو" على أن الاتحاد الأفريقي قادر على التفاوض على اتفاق، بالرغم من فشل محاولات الاتحاد السابقة للقيام بذلك.

ووفقا لرئيس الاتحاد الأفريقي "فيليكس أنطوان تشيسكيدي"، كانت إثيوبيا منفتحة لتبادل المعلومات حول تشغيل السد والتوصل إلى حل وسط مقبول بشأن السد تحت رعاية المنظمة.

وهناك افتقار واضح لمشاركة القيادة الأمريكية في حل النزاع أيضا. وبينما حذرت الولايات المتحدة من قبل من أن قرار إثيوبيا لملء السد قد يؤجج الاحتكاكات، فقد امتنعت عن التدخل النشط، خاصة بعد انسحاب إثيوبيا من المفاوضات التي توسطت فيها الولايات المتحدة عام 2020.

وفي يوليو/تموز من هذا العام، رددت "ليندا توماس جرينفيلد"، السفيرة الأمريكية في الأمم المتحدة، أصوات أعضاء مجلس الأمن الآخرين، من خلال التأكيد على أن الأمر يجب أن يتم التعامل معه على المستوى الإقليمي تحت رعاية الاتحاد الأفريقي.

وبينما تتعمق الأطراف المتعارضة في النزاع في حججها وتتهم بعضها البعض بالافتقار إلى الإرادة السياسية للتوصل إلى حل وسط، تستمر الأعمال العدائية في التعمق. وبدون مشاركة دولية نشطة ومساعدة للتفاوض على اتفاق، يبدو أن العالم قد يفوت الفرصة لمنع أول حرب كبرى بين الدول على المياه. وقد يكون تمرير مشروع القرار التونسي في مجلس الأمن نقطة انطلاق جيدة لتجنب نشوب صراع جديد في أفريقيا.

المصدر |  إنسايد أرابيا