معركة شد حبل داخل النظام السوري.. ما موقف روسيا وإيران؟

معركة-شد-حبل-داخل-النظام-السوري-ما-موقف-روسيا-و-إيران

تقترب الحرب الأهلية في سوريا من نهايتها، لكن تحدياتها السياسية على وشك التحول إلى شد حبل بين إصلاحيي النظام الذين يرغبون في إعادة الانخراط مع العالم والمتشددين الذين يريدون الحفاظ على سيطرة صارمة على اقتصاد البلاد ونظامها السياسي.

ومن المرجح أن تعلق روسيا بين هذين الطرفين، مما يجبر موسكو على لعب دور الوسيط بشكل متزايد لإنهاء دورات العنف التي لا نهاية لها في سوريا دون تعريض مكانتها في البلاد للخطر.

الفوز بالحرب ليس النهاية

تحولت الحرب الأهلية السورية لصالح "الأسد" منذ 2014-2015، رغم أن انهيار جيشه بدا ممكناً بعد أن سيطر المتمردون على مدن رئيسية مثل حلب ودرعا وحتى ضواحي دمشق.

أما الآن، فبعد سيطرة "الأسد" على جميع المدن السورية الرئيسية وحصر المتمردين على طول الحدود الشمالية مع تركيا، فيبدو أن نظامه سيخرج من الحرب منتصرًا بلا منازع.

كما يبدو أن نظام "الأسد" خرج منتصرًا من المعركة الأخيرة في مدينة درعا الجنوبية، وذلك بفضل اتفاق وقف إطلاق النار الجديد الذي توسطت فيه روسيا بين النظام وقوات المعارضة.

ولكن بالرغم من ذلك، فقد أدت تكتيكات الأرض المحروقة التي اتبعها النظام السوري إلى خسائر اقتصادية وإنسانية مدمرة، وليس لدى نظام "الأسد" طريقة واضحة لمعالجتها.

وتقدر الأمم المتحدة بأن إعادة بناء البنية التحتية المدمرة في البلاد ستكلف حوالي 500 مليار دولار، وهو تقدير قد لا يكون نهائيا بالنظر إلى عدم إجراء مسح كامل للأضرار.


كما أدت سنوات الصراع إلى إحداث تغيير كبير في التركيبة السكانية في سوريا، حيث خلفت ما يقرب من نصف مليون قتيل وأجبرت الكثيرين على الفرار. ومن بين سكان البلاد البالغ عددهم 21 مليون نسمة، لم يبق سوى 17.5 مليون نسمة، ومن بين أولئك الذين ما زالوا في سوريا، هناك 6.2 مليون نازح داخليًا وبالتالي فهم غير قادرين على المساهمة في الاقتصاد.

كما أن الجيل القادم من السوريين في وضع لا يسمح بالمساهمة في إعادة إعمار البلاد في المستقبل، حيث فقد العديد من الأطفال سنوات من الدراسة في مخيمات اللاجئين.

كما تفاقمت هذه المشاكل خلال العام الماضي وسط التداعيات الاقتصادية لفيروس "كورونا"، ففي سوريا أدت عمليات الإغلاق المتقطعة إلى إضعاف النشاط الاقتصادي حتى في الأماكن التي يسودها الهدوء نسبيًا مثل دمشق.

وفي غضون ذلك، يعاني لبنان -وهو الشريك التجاري المهم لسوريا- من انهيار اقتصادي سيبقيه مقيّدًا ماليًا في المستقبل المنظور.

كما تراجعت المساعدات الدولية التي ساهمت في دعم السلع والخدمات الأساسية للاجئين في سوريا، حيث أجبر الوباء البلدان على تخفيض الإنفاق وتركيز الاهتمام على الداخل.

ويُصنف الآن ما يقرب من 75% من السكان على أنهم يعانون من انعدام الأمن الغذائي، بزيادة قدرها 20% عن عام 2020، وفقًا لبوابة المعلومات الإنسانية "ريليف ويب". كما تعثرت محاولات جلب تبرعات جديدة إلى سوريا في خضم الأزمة الصحية العالمية المستمرة، مع ظهور حالات تفشي جديدة في جميع أنحاء العالم.

وفي غضون ذلك، تعثرت الآمال في استئناف العلاقات التجارية مع دول الخليج العربي التي تتوق لإيجاد فرص جديدة لشركات البناء الخاصة بها وتقويض نفوذ إيران في سوريا. وتتخوف دول الخليج من قانون "قيصر" الأمريكي الذي يفرض عقوبات علي الدول التي تتعامل مع النظام السوري.

وفي ظل هذه الخلفية، ظهرت البوادر الأولى لمرحلة جديدة محتملة من الاضطرابات، حيث تجلت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة في احتجاجات حتى في معاقل الحكومة مثل دمشق، ونزل السوريون إلى الشوارع للتعبير عن غضبهم من نقص الوقود بالإضافة إلى مظالم أخرى.

بين الإصلاحيين والمتشددين

مع خفوت حالة الطوارئ العسكرية المصاحبة للحرب الأهلية، عادت قضايا رغيف الخبز إلى صدارة السياسة في سوريا، وأصبح العلويون (الداعمون الرئيسيون لحكومة الأسد) أكثر جرأة في شكواهم العلنية من السياسات الاقتصادية، مما ضغط على دمشق لإيجاد طرق لاستعادة العلاقات التجارية مع العالم الخارجي.

وقد تفاقم الأمر لدرجة أن بعض رجال النظام أصبحوا ضحايا سياسات الحكومة. ففي خضم الوضع المالي المتردي بشكل متزايد في البلاد، بدأ نظام "الأسد" في الانقلاب على رجاله. وفي مايو/أيار 2020، استولت الحكومة على أعمال وأصول "رامي مخلوف"، وهو أغنى رجل في سوريا وعضو سابق في الدائرة المقربة من "الأسد".

ومع ذلك، فإن رفع العقوبات الدولية التي تقودها الولايات المتحدة مرهون بانخراط النظام السوري في مفاوضات ناجحة مع فصائل المعارضة.


وبالتالي، فإن إعادة الاتصال بالعالم الخارجي ستعني تقديم تنازلات للمعارضة، ومن المحتمل أن تأخذ شكل صفقة تقوم إما بإضفاء الفيدرالية على سوريا أو إضعاف سلطات الرئاسة أو كليهما، وهو أمر لا يرغب فيه متشددو النظام، بما في ذلك "الأسد" نفسه.

وجاء نظام "البعث" في سوريا منذ انقلاب 1970 وركز بشكل مكثف على القوة الشخصية لعشيرة "الأسد"، ولا يوجد ما يشير إلى أن الدائرة الداخلية مستعدة للتنازل الآن، خاصة بعد تأمين مثل هذا النصر العسكري الاستراتيجي في درعا.

دور روسيا

ومع ذلك، فإن هؤلاء المتشددين ليس لديهم احتكار كامل للسيطرة في سوريا، وهناك نفوذ للشركاء الأمنيين الرئيسيين للنظام؛ روسيا وإيران، خاصة وسط تقلص الجيش السوري على مدى العقد الماضي بسبب الحرب وتقلص السكان.

وقد أرسلت روسيا، على وجه الخصوص، إشارات بالفعل على إنها تفضل اتباع نهج أقل تصعيدا فيما يتعلق بالحرب الأهلية، والحفاظ على انفراجة مع الولايات المتحدة بينما تعقد صفقات تهدئة مع المتمردين السوريين وتركيا.

ونظرا لأن العزلة الاقتصادية لسوريا تقوض ولاء داعمي النظام وتهدد باستئناف الاضطرابات المدنية، فإن موسكو تريد أيضا من "الأسد" تقديم الإصلاحيين داخل الحكومة والسعي للمصالحة مع بعض جماعات المعارضة على الأقل.

وفي نهاية المطاف، تريد روسيا من النظام الابتعاد عن استراتيجيته العسكرية الخاصة بالأرض المحروقة خوفًا من تطهير المزيد من السوريين ودفع البلاد بعيدا عن إعادة الإعمار.


ومنذ سقوط الاتحاد السوفيتي في عام 1991، تجنبت روسيا التدخل في الشرق الأوسط بالشكل الذي تفعله في الحقبة السوفييتة عبر الانقلابات وإثارة الحروب الأهلية لأغراض أيديولوجية.

أما الآن فإن المصالح الروسية في الشرق الأوسط تركز عادة على استغلال التوجهات واستعادة المناطق بدلا من محاولة إعادة تشكيل الخريطة. وفي سوريا تحديدا، ركزت روسيا على الحفاظ على قاعدتها البحرية في طرطوس وإعادة بناء مصداقيتها كقوة كبيرة في المنطقة، وهي الأهداف التي اعتمدت على بقاء "الأسد" في السلطة، ولكن مع خفوت الحرب الأهلية السورية، قد تضطر روسيا لتكبد مخاطر أكبر في سعيها لتحقيق استراتيجيتها.

وإذا قررت روسيا دعم "الأسد" حتى مع انهيار الاقتصاد السوري بشكل أكبر، فمن المحتمل أن تلعب موسكو دورًا أعمق في تهدئة التوترات بين متشددي النظام الذين يرغبون في الاحتفاظ بمكانهم في السلطة، والإصلاحيين الذين يرغبون في كسر عزلة سوريا.

وفي درعا، يبدو أن روسيا نجحت في تجنب الهجوم العسكري المكلف من خلال الوساطة بين المتمردين والنظام، وهو دور لعبته موسكو أيضا في إدلب وشرق دمشق وأماكن أخرى في سوريا.

ولكن الآن، يمكن أن تضطرروسيا تحقيق التوازن بين الطبقات الوسطى والتجارية الفقيرة في دمشق والعلويين في اللاذقية أمام دائرة "الأسد" الداخلية المتشددة.

وقد تتحول هذه التوترات في بعض الأحيان إلى أعمال عنف، وبالرغم من استبعاد تكرار انتفاضات 2011، فإن مثل هذه التوترات من المرجح أن تجبر الجيش الروسي على دور صانع السلام وتحويل تدخله إلى كونه احتلالًا لأجزاء من البلاد.

ومن ناحية أخرى، إذا كانت روسيا ستستخدم نفوذها لمحاولة دفع المتشددين نحو الإصلاح، فإنها ستخاطر بمعاداة أعضاء في دائرة "الأسد" الداخلية التي هي مفتاح الحفاظ على مكانة موسكو في سوريا.

وتعتمد هذه الدائرة الداخلية المتشددة أيضا على الدعم الإيراني لتحقيق كثير من أمنها، مع العلم أن طهران تدعم حربا شاملة لتحقيق سيطرة كاملة على سوريا لذلك فإن طهران قد تشجع على مقاومة الطلبات الروسية بالإصلاح.

كما إن معاداة متشددي الدائرة الداخلية لـ"الأسد" قد تجبر موسكو على الاختيار بين تخفيض تدخلها في سوريا مما يترك المساحة لإيران ومتشددي النظام، وبين إحياء تكتيكات الحرب الباردة مع قادة البلد الذي تحالفت معه.


المصدر | ريان بول/ ستراتفور