معصوم مرزوق يكتب : تربية ملاجئ ! — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

معصوم مرزوق يكتب : تربية ملاجئ !

معصوم-مرزوق-يكتب-تربية-ملاجئ

من عاش في جبهة القتال سنوات الإنتظار سوف يفهم معني جملة ساخرة كان البعض يستخدمونها في تلك الأيام البعيدة ، تقول الجملة :" إحنا تربية ملاجئ " ، والملجأ المقصود هو مجموعة أقفاص من الحديد تدفن في حفرة قد يصل عمقها إلي أربعة أمتار او أكثر ، ثم يتم ردمه من الخارج بالرمال وأكياس من الرمال للتحصين ، وقد يكون للملجأ هواية أو إثنتين ، يمثلان مع الباب مصدر التهوية لمن يعيش في الداخل .. 

وكنا نتفنن في ترتيب وتزيين الملجأ من الداخل ، وفي الغالب كان يدهن باللون الأبيض ، ويتم توزيع مصابيح كيروسين علي مسافات تسمح بإضاءة مناسبة في الليل ، وكان الفراش سفري ، نتباري في تزويده بالمفارش والوسائد ، وتوجد منضدة لتناول الطعام ووضع بعض الكتب والأوراق عليها ، ودولاب ميداني يضم العهدة من ملابس ميري وكذلك ملكي ، ثم بعض المقاعد التي لن تزيد أبدا عن اربعة ، وكان البعض يتم الحصول عليه مما تركه المهاجرون في بيوتهم المهدمة في السويس .

بعد التدريب والمهام التي نكلف بها كان " الملجأ" هو " الملجأ" الذي يضمنا للراحة او الترفيه ، وكم دارت مباريات للشطرنج حامية كان أبرز أطرافها قائد الكتيبة المرحوم جمال غانم ، وكنت أنا ودفعتي فائق أبرز من يلاعبون القائد ، الذي كان يكره الهزيمة ، وإذا خسر دورا يطلب الإستمرار في اللعب حتي يكسب .. 


وكنت إذا طال السهر ( وفي الغالب مساء الخميس ) أهزم نفسي متعمدا كي ننام ، ولم يكن فائق رحمه الله يقبل ذلك ، وبالتالي كان مبارياته مع القائد تبدو بلا نهاية.

كنا نطلق علي الملاجئ إسم " الفيلا " ، فكان ان نتفق مثلا علي ان السهرة في فيلا فائق أو هشام او معصوم .. فيكون علي صاحب الفيلا ان يعد الشاي والقهوة والحلبة واللبن وتشكيلة من البسكوت والمخبوزات وأي حلويات وصلت مع أي منا في إجازته ..

وكانت " فيلتي " مميزة ، نجح العريف فتوح أن يزودها قبل المدخل بحمام نقلنا معظم محتوياته من منازل مهدمة ، وقام فتوح بإختراع " دش" متصل بماسورتين إلي خزانين صغيرين ، احدهما يملأ في الصباح بماء ساخن ، وعن طريق الخلاط احصل علي حمام مثالي ، وقد شاع اختراع فتوح وتم تقليده ، حتي صار يطلق عليه " حمام فتوح " .

كنت استمتع بمكتبتي التي وضعتها في ركن الملجأ ، وكنت كل إجازة أضيف إليها كتبا جديدة ، بالإضافة إلي مفكرتي التي أدون فيها بعض خواطري وملاحظاتي ، وكذلك بعض الشعر الذي كنت أكتبه وأجبر زوار الفيلا ان يسمعوه ، وإلا حرمتهم من حمام فتوح ..

كان الترانزستور والبرنامج الثاني صحبة ما قبل النوم ، وكم رقدت محملقا في سقف الملجأ والأحلام ترتسم أمامي بيوم العبور الذي طال انتظاره ، وكثيرا ما كنت أغادر الملجأ في أنصاف الليالي كي أسير في الوادي القريب علي ضوء القمر وأنا أمزج في خيالي الصور الملونة .

بعد الحرب بسنوات ، اصطحبت زوجتي إلي الموقع كي تري ملجأي .. ووقفت أمام أطلال الموقع الذي كان لا يزال يحتفظ ببعض الهيئات الأرضية المميزة ، وبذلت جهدا كي اتبين موقع الملجأ .. ولم يدلني عليه سوي " حمام فتوح " أو بقاياه التي تحكي عن زمن ورجال وأيام ليتها تعود ..