السفير معصوم مرزوق يكتب : علاقات عامة — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

السفير معصوم مرزوق يكتب : علاقات عامة

معصوم-مرزوق-يكتب-علاقات-عامة

تعرفت عليه في مناسبة إجتماعية بإحدي السفارات الأجنبية ، يشبه كتلة خرسانية مدكوكة في بذلة واسعة بنية ، يعلوها رأس مربع محشور في تلك الكتلة بحيث لا تبدو رقبته المخنوقة في رباط رقبة أحمر مشجر .. كل ما فيه مبالغ فيه : شفتاه مبطرختان ، أذناه كبيران ، حواجبه كثيفة ، وعيناه واسعتان .. إلا رأسه فهي باستثاء فوديه خالية من الشعر تماماً ...


عرفت انه رجل أعمال ، قال لي أنه غير مشهور لأنه يؤمن بالمداراة علي شمعته ، وهو مشغول بأعماله وليس بالحديث عنها ، ولم يكن ليحضر حفل هذه السفارة لولا أن لديه أشغال مع دولتها ويريد أن " يسلك " المسائل ...


انضم إلينا آخرون ، لا يعرفونه ، ووقع عليً عبء تقديمه للآخرين ، ثم دار حديث مجاملات في البداية ، حتي بادر صديق صحفي بإنتقاد رجال الأعمال نقداً لاذعاً ، وتحفز الجميع للإستماع إلي رد فعل الرجل ، إلا أنه هز رأسه بأسف مبدياً إتفاقه مع ما قيل .. ثم أثار آخر مسألة اختناق المرور وروي لنا معاناته في قيادة سيارته من مدينة نصر إلي مكان السفارة ، فضحك رجل الأعمال وقال أنه لديه سائق وحارس وأربعة من الخدم يعملون لديه ، وران الصمت حيث لم يفهم أحد علاقة إختناق المرور بعدد العاملين لديه ..


يبدو أن الصديق الصحفي لم يرقه رد الرجل ، فقد سأله ببرود عن إسم زوجته ، فأجابه رجل الأعمال ببساطة بأن لديه زوجتين وأربعة أولاد ذكور ، وأن ابنه الأكبر تقدم لخطبة إبنة أحد كبار المسؤولين ، وأنه بني لكل ولد قصراً في الطريق الصحراوي ، وأن أباه كان رجلاً عصامياً يعمل أجيراً في وكالة البلح ، وأنه لم يشرب سيجارة أو كأس في حياته ، ويصلي الوقت بوقته ، وحج إلي بيت الله الحرام سبع مرات ، مؤكداً أنه لا يغضب الله ..


أخرج الصحفي نوتة صغيرة من جيبه وبدأ يدون فيها ، فسأله أحد الحاضرين عما إذا كان سينشر تصريحات رجل الأعمال ، وضحكنا سوي أن رجل الأعمال تنحنح ثم أخرج من جيب الجاكيت الداخلي صورة صغيرة له ومدها بيده إلي الصحفي الذي نظر إليه في دهشة ثم التقطها منه ووضعها في جيبه ، فقال الرجل هذه صورة لي عندما كان رأسي به شعر ، ثم طفق يحكي عن محاولاته المستميتة للحيلولة دون سقوط شعره ، وسفره إلي ألمانيا لزراعة الشعر في رأسه ، وأنواع الفازلين التي يستخدمها وأسعارها الباهظة ، وذكر أن زوجته الأولي تقول له أن الصلع علامة الذكاء ، ولكن زوجته الثانية لا توافق علي ذلك وتراه علامة شيخوخة ، ورأيه أن المسألة وراثة لأن أمه سقط شعرها عندما كانت في الخمسين من عمرها وأن أبوه طلقها لهذا السبب لأنها كان يتشاءم عندما يستيقظ في الصباح ويجد رأسها لامعة علي الوسادة ...


كان الصحفي لا يزال يكتب ، وشعرت أن واجبي تنبيهه إلي أن ما يقوله الرجل هو مجرد معلومات شخصية لا يصح أن تكون محل خبر للصحافة ، فهمست في أذنه للتوقف عن كتابة هذه المعلومات ، ولكنه لم يلتفت إلي نصيحتي وواصل الكتابة باهتمام ..


بعد قليل انضمت إلي المجموعة الفنانة الشابة التي لمعت مؤخراً في عالم الغناء ، كانت ترتدي فستان سهرة أسود تنعكس عليه أضواء القاعة ، وقد كشف عن جزء غير عادي من صدرها وظهرها ، فهللت كل المجموعة لها منجذبين لفتنتها الطاغية ، كانت تمسك بكأس في يدها اليمني ، وسيجارة في اليد اليسري ، طلب منها رجل الأعمال أن تغني لنا مقطعاً من أغنيتها الأخيرة وهو يقسم أنه يسمعها طول الوقت ، وأن أسطواناتها في سيارته ، وأنها الخليفة الحقيقية لأم كلثوم ، فابتسمت في دلال معتذرة عن الغناء لأنها مصابة بدور برد خفيف يؤثر علي أحبالها الصوتية ، فقال لها رجل الأعمال أن عليها بمخلوط الكراوية والينسون ، وأن تضع لبخة الحنظل علي عنقها قبل النوم ، وتشرب ملعقة عسل نحل علي الريق ، وفي النهاية نصحها بأن تغطي نفسها قبل أن تخرج من القاعة لأن الجو في الخارج قارس البرودة ..


تطوع آخرون بوصفات طبية أخري ، وهي تستمع إليهم باهتمام ورقة ، تهز رأسها موافقة وتتسع حدقتاها الخضراوان وكأنها تكتشف لأول مرة علاج البرد ، وفجأة قاطع رجل الأعمال الجميع وهو يسألها عما إذا كانت تضع عدسات لاصقة ملونة ، محذراً من خطورة ذلك علي القرنية ، وأن لون عينها العسلي الأصلي أجمل من هذا اللون الأخضر الفاقع الذي لا يتسق مع سمرة بشرتها ، وذكر أنه كان يعرف امرأة أيام الشقاوة تضع عدسات لاصقة حتي أصيبت بالحول ، قالت له الفنانة محتجة أنها لا تضع عدسات لاصقة ، فأصر علي أنه يعرف أن لون عينيها عسلي ، فنصحته أن يغير جهاز التليفزيون ، فقال لها أن لديه عشرات من هذه الأجهزة في منازله المختلفة ، وأن لون عينيها في كل هذه الأجهزة كان عسلياً ...


كان الصحفي لا يزال يمسك بنوتته يدون في سرعة واهتمام ، في حين طلبت الفنانة بطاقة تعارف رجل الأعمال فأخرج لها أربع بطاقات بألوان مختلفة وأحداها من البلاستيك مطبوعاً عليها صورته ، قال لها أنه يفضل هذه البطاقة ، لأنها لا تتلف إذا نسي أحد وغسلها مع ملابسه ، كما أن الصورة تتيح تذكر صاحب البطاقة ، وذكر أن لديه آلاف البطاقات لأشخاص مهمين متناثرة في أدراج مكاتبه ، لا يتذكر أصحابها لأنهم لا يضعون صورهم في البطاقة ، فقال له أحدهم أن الأسهل هو إدراج هذه البطاقات في الحاسوب مع بعض المعلومات عن صاحب كل بطاقة ، فقال رجل الأعمال أنه ليس لديه وقت للقيام بذلك ، كما أنه لا يفهم شيئاً في هذا الحاسوب ، ولديه أربعة سكرتيرات يقمن بهذه المهمة لأعماله ، إحداهن تزوجت الشهر الماضي ومنحها إجازة لمدة أسبوعين ، وقال متبرماً أنها أفضل سكرتيراته ، وأنه حزن لزواجها لأنها سوف تحمل وتنجب ثم تكثر إجازاتها ، فضلاً عن أن  زوجها شاب متدين قد يمنعها فيما بعد من العمل لديه ، رغم أنه لا يغضب الله ويعاملهن بالمعروف ...


أخذ الكأس من يد الفنانة كي تتناول بطاقاته من يده ثم تدسها في صدرها ، وقالت له مداعبة أياك أن تشرب من الكأس حتي لا أجري وارءك ، فسارع بوضع شفتيه الغليظتين علي حرف الكأس وهو ينظر إليها بعينين مشاغبتين ، وهي تتأوه محتجة وترجوه ألا يعذبها ، فإذا به يتجرع ما تبقي في الكأس مرة واحدة ، ثم يمسح فمه بظاهر كفه وهو يضحك قائلاً أنه سوف يقطع نفسها جرياً ورائه ، فلوت شفتيها في رقة ثم نظرت للصحفي وسألته ماذا يفعل ، فقال لها أنه يكتب موضوعاً سياسياً عن الإنتخابات ، فعادت تسأله عن الصحيفة التي يعمل بها ، فأجابها فذكرت له أنها صديقة حميمة لرئيس التحرير ، فسألها رجل الأعمال في خفة عما إذا كان رئيس التحرير قد شرب من كأسها أيضاً .. وضحك الجميع ..


قال لي صديقي الصحفي ونحن نغادر القاعة في نهاية الحفل أن هذا الرجل مرشح للإنتخابات عن دائرته ، وشكرني بشدة علي أنني قدمته إليه ، بينما كان رجل الأعمال أمام مدخل السفارة  ينزلق إلي المقعد الخلفي في سيارته ، والفنانة تدخل من الباب الآخر ، والسائق ينحني لها في وقار قبل أن يغلق الباب ..