معصوم مرزوق يكتب : على حافة النكسة — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

معصوم مرزوق يكتب : على حافة النكسة

معصوم-مرزوق-يكتب-على-حافة-النكسة
بدأت قبور القرن الماضى فى التفتح، تثاءب الذين ماتوا، وبدأوا فى الحديث.. هاهى البرقيات والمكاتبات التى حرصوا على إخفائها وتمويهها، تخرج من صناديقها فى أفواج متتالية، تكشف بعض أسرار الذى كان..
 
وحيث إننى كنت قد تناولت فى مقالات سابقة مذكرات وزير الخارجية الأسبق د. محمود فوزى، ونشرتها في مجلة الدبلوماسي في شكل ملحق شهري مسلسل علي مدي عام، والتى شملت فترة الخمسينيات مع التركيز على معركة السويس، وهى إلى حد ما شهادة وثائقية من معاصر لتلك الأحداث التى كانت تعتبر مراحل متتالية من المد الثورى المصرى التى شهدت أقصى تمدد لها فى بداية الستينيات ثم جاءت انتكاسة 1967، لذلك فقد وجدت أنه من الملائم أن أحاول استكمال الحلقة الناقصة بين قمة المد وحافة الانحسار، ماذا حدث؟ ولماذا؟ وكيف؟


لقد أخرجت المطابع ملايين الصفحات حول تلك الفترة، ولعل أبرزها كتابات الصحفى اللامع الأستاذ محمد حسنين هيكل، ويمكن أن نطمئن إلى وجود صورة معقولة عن فترة منتصف الستينيات من وجهة النظر المصرية، إلا أن هذا الاطمئنان لا يمكن أن يكتمل إلا بالنظر إلى وجهات النظر الأخرى التى تستكمل بعض الفراغات الناقصة، وتجيب عن بعض الأسئلة التى لا تزال تبحث عن إجابة.


لقد احتشدت تلك الفترة بأحداث جسيمة وتطورات متتالية، منها محاولات من الإدارة الأمريكية لتحقيق السلام بين إسرائيل وجيرانها من العرب، وشهدت فى بدايتها تحسنا ملحوظا فى العلاقات المصرية الأمريكية من خلال ما يمكن أن نطلق عليه «دبلوماسية الرسائل» بين الرئيس جمال عبدالناصر والرئيس جون كينيدى، ووصلت فى نهايتها بقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.


ولقد أتاح القانون الأمريكى الحق فى الاطلاع على الوثائق السرية بشروط معينة، حيث تخضع لرقابة وحذف بما يحافظ على كل ما يتعلق مثلا على أسماء عملاء وجواسيس قد تتعرض حياتهم للخطر إذا تم الكشف عنهم، وكذلك كل ما يتعلق بسياسة قائمة، أو بمصادر لا تزال مؤثرة فى الاستراتيجية الأمريكية. 


ورغم كل هذه الشروط المقيدة، فقد أتيح لى من خلال قراءة مئات من تلك الوثائق التى تم الإفراج عنها مؤخرا أن أدخل إلى حقبة الستينيات من بوابات أخرى، منها مثلا بوابة وزارة الخارجية الأمريكية لأجلس على مكتب المسؤول عن مصر وأقرأ بعض أوراقه وتحليلاته وتوصياته، وأن أجلس بين سفيرنا آنذاك «السفير مصطفى كامل» ووزير الخارجية الأمريكى من خلال قراءتى لمحضر المقابلة بينهما، «وربما كان من المثير والمفيد أن يتاح للقارئ أيضا أن يطلع على ما كتبه السفير المصرى آنذاك عن نفس المقابلة!»، أتيح لى أن أستمع إلى التسجيلات الصوتية للمحادثات التليفونية للرئيس الأمريكى جونسون، وأن أكون جالسا بين جمال عبدالناصر والسفير الأمريكى فى القاهرة، وبين الملك حسين والسفير الأمريكى فى عمان، وبين أشكول وجونسون، وجولدا مائير والسفير الأمريكى فى تل أبيب.. إلخ.


أعترف فى البداية أن ما غلبنى لم يزد عن فضول شخصى لقراءة بعض الوثائق، تحول تدريجيا إلى نهم وانشغال كامل بها، تحول فيما بعد إلى رغبة مسيطرة فى تقديم قراءتى المتواضعة لهذه النصوص، فما كان يشغلنى فى البداية هو استمرار فى البحث الذى أرق جيلى كله حين فوجئ بصدمة النكسة، ذلك التاريخ الذى ترك بصمته فى نفوس هذا الجيل، ولا أظنها ستزول أبدا.. 


لقد أطاحت النكسة بآمالنا وأحلامنا، كنا قطارا يسير بأقصى سرعة أصطدم فجأة بجدار النكسة.. فانطرحنا.. استيقظنا فجأة من حلمنا السعيد على واقع مرير مهين.


أقول: إن قراءتى فى البداية لم تتجاوز حالة القراءة العادية التى أصبحت شبه حالة مرضية، على اعتبار أننى لا أتوقع - بعد كل ما قرأت - أن يكون هناك جديد، ولكننى أدركت تدريجيا أننى أكاد أمسك ببعض أهم أسباب الهزيمة، وأننى أغوص فى الرمال المتحركة التى قادت إلى حافة النكسة فى النهاية، وربما يتيح العمر فرصة لعرض بعض هذه النتائج.

هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير