معصوم مرزوق يكتب : في حضرة جثمان الزعيم ! — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

معصوم مرزوق يكتب : في حضرة جثمان الزعيم !

معصوم-مرزوق-يكتب-في-حضرة-جثمان-الزعيم
في المبني الضخم الذي يضم مقبرة الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونج ، طلب المرافق ان نحني الراس ثلاث مرات احتراماً وتوقيراً للرفيق الذي يرقد في صندوق زجاجي ، وقد حافظوا علي ملامح وجه الجثمان وكانه يرقد في هدوء ! ..


قلت لصديقي هامساً : " هكذا تخلق الشعوب آلهتها ! " ..
لو ان معجزة ما اعادت الحياة مرة اخري لذلك الجثمان المسجي أمامنا ، وخرج من بوابة ذلك المبني الضخم الي ميدان القبة السماوية الشهير متوجها الي " المدينة المحرمة " ، فلابد انه لن يتعرف علي ما يراه .. انها " صين " اخري غير تلك التي تركها !! .


المدينة بكين العاصمة ، لا تختلف كثيراً عن اي مدينة أوروبية او أمريكية معاصرة .. عمارات شاهقة ، شوارع كبيرة نظيفة ، مرور منساب بسلاسة ونظام ، جسور ممتدة في كل اتجاه ..الخ .. انت لست بالضبط في بكين التي دخلها الرفيق / ماو علي راس جيش من الفلاحين ، او التي غادرها تمتلئ شوارعها بالدراجات .
في المنزل الذي ولد فيه الزعيم الصيني " ماو تسي تونج " ، تأملت طويلاً في حجرة نومه البسيطة ، ففي هذا المكان كانت البدايات الأولي لشخصية تركت بصماتها علي التاريخ البشري ، وخاصة في الصين .. 


لاحظ المرافق الصيني ذلك ، فقال لي وكأنه يكمل سلسلة أفكاري : " لقد كان ماو يسبح في النهر الذي هناك يومياً ويقطعه ذهاباً وأياباً كي يذهب إلي مدرسته " .. إن شيئاً لا يمكن أن يعوق إنساناً من تحقيق أهدافه إذا توفرت لديه الإرادة ، وذلك درس صيني مؤكد ...
تحدث أحد المسئولين الصينيين بإسهاب عن المسار الذي اتخذته الصين من أجل إصلاح النظام السياسي والإداري ، وتناول العناصر الرئيسية لذلك الإصلاح مؤكداً في  كل لحظة علي الخصائص المتفردة لذلك الإصلاح الذي بدأ منذ حوالي 30 عاماً من خلال خطط خمسية متتالية ، ولكن ذلك المسئول وغيره ركزوا علي نتائج واستخلاصات المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني .


لقد شرح ذلك المسئول أن أهم التحديات التي تواجه الإقتصاد الصيني حالياً هي بطء الإنتعاش الإقتصادي العالمي ، وبطء النمو في الطلب المحلي والإعتماد المفرط فيه علي الإستثمار ، وكذلك التحرك البطئ في إعادة تشكيل الهياكل والأنماط الإدارية لمواكبة التغيرات الحادة التي تمر بها الصين ، حيث شهدت تحولات جذرية أنتقلت خلالها من كونها مجتمع زراعي في الإساس إلي مجتمع صناعي ، بل وتحولت المناطق الريفية إلي مناطق حضرية ، بكل ما يحمله ذلك من تعقيدات وتحديات إقتصادية وإجتماعية وثقافية .


وفي لقاء مع أحد كبار خبراء الإدارة في الصين ، تحدث عن أهم المشاكل التي تواجه الإصلاح حالياً ، مركزاً علي نمو حالات تجاوز الصلاحيات ، وتداخل تلك الصلاحيات مع المسئوليات ، وأحياناً بشكل يؤدي إلي انقطاع الصلة ما بين الصلاحيات والمسئوليات ، فتعدد الإختصاصات يعني في الغالب انعدام المسئولية، ويترتب علي ذلك ظاهرة آخذة في التنامي وهي " التحلل من المسئولية " ، وغمز المسئول الصيني عينه وقال ضاحكاً : " وهذه – أي التحلل – ليست صفة صينية " ! .. 
يمكن القول بأن التجربة الصينية الجديدة تتمثل في الإصلاح التدريجي الذي يسعي دائماً إلي ممارسة التجارب والتأكد من نتائجها قبل تعميمها والشروع في تنفيذها ، وهو إصلاح يجمع ما بين إتجاهين أحدهما من أعلي إلي أسفل يتعلق أساساً بالتصميم وبلورة الأفكار ، والآخر من أسفل إلي أعلي يتعلق  بالإكتشاف والمبادرة والإبتكار والتجريب ، وكما اتضح من المناقشات مع المسئولين الصينيين ، فأن الخصائص الصينية تنطلق أساساً من ظروف الصين الواقعية لكنها لا تهمل في نفس الوقت التجارب الدولية ، ومن خلال هذه الضفيرة تجدل الصين ما تتمني أن يكون إصلاحاً متناغماً في كافة المجالات بحيث تهدف دائماً أن تكون كل خطوة إلي الامام محققة لمصالح جموع الشعب الصيني  .


رداً علي سؤالي ، أجابت مسئولة صينية كبيرة بأن مصدر اتخاذ القرار الإقتصادي في الصين أصبح يأتي من إتجاهين ، أحدهما الإتجاه الحكومي ، والآخر هو أتجاه السوق ، قلت لها محاولاً تقمص إحدي لحظات " الينبغيات العربية " : " ألا يعني ذلك أنكم تحاولون ترويض حصانين جامحين كل منهما يجري في أتجاه عكس الآخر "  .. أحنت السيدة رأسها لبرهة ، ثم قالت حائرة : " تلك هي المعضلة الصينية !! " .. 
غادرت اللقاء بعد مناقشة طويلة لكنني كنت أفكر في " المعضلة " .. لماذا يصر الرفاق في الصين علي أن يكون إسم التجربة " إشتراكية " ذات خصائص صينية ، لماذا لا تكون " رأسمالية " ذات خصائص صينية ؟ .. وذلك علي أي حال حديث آخر ...


كانت الابتسامة العريضة ترتسم علي ملامح الرفيق / وانج مان تشاو امين عام مركز بحوث إصلاح النظام السياسي والاداري الصيني ، وهو يفتتح محاضرته الشيقة ، ويجب ان نلاحظ منذ البداية ان الابتسامة تعد بمثابة علامة تجارية صينية يتم تسويقها مع بضاعتهم السياسية ، ومع ذلك  تمطع رفيق عربي كي يتساءل مستنكراً عن كيفية تطور الصين من دولة متخلفة الي دولة متقدمة دون المرور بمرحلة الاشتراكية ووفقاً للمراحل التي تحدث عنها المغفور له " كارل ماركس " ، فأحني الرفيق الخبير الصيني راسه مفكرا ، ثم رفع راسه اخيراً كي يقول متبسماً وباقتضاب :" نحن لا نهتم كثيراً بالجوانب النظرية لأننا نعيش في بيئة موضوعية ويجب ان نعزز أوضاعنا الداخلية حتي نستطيع مواجهة الإخطار الخارجية " . 


ولكن الرفيق العربي كان لا يزال غاضباً ، مندهشاً ، متاثراً ، فقال معلقاً :" يا رفيق .. اكو خلل في آليات السوق " ، ويبدو ان المترجم لم يفهم المقصود وساد الارتباك اللغوي بعض الوقت حتي قطع الخبير الصيني قول كل خطيب مبتسماً في هدوء وهو يقول :" اليات السوق لم يكن لها دور في المشكلة الاقتصادية عام ٢٠٠٨ " .
تاملت طويلاً في وجه الرفيق " ماو ' خلف الزجاج السميك ، حاولت ان أتخيل ما كان يمكن ان يعلق به علي " ينبغيات " بعض الرفاق العرب ، تصورته يبتسم ساخراً وهو يقول انه مسئول عن حياة شعب تعداده مليار وأربعمائة مليون نسمة ، وهي مسئولية تتكسر أمامها كل " الينبغيات" .. 
اما كيف ذلك ، فهذا حديث اخر ، ربما عشت لأكتبه ...