معصوم مرزوق يكتب : نوبة رجوع — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

معصوم مرزوق يكتب : نوبة رجوع

معصوم-مرزوق-يكتب-نوبة-رجوع

23 أكتوبر 1973 .. منتصف النهار تقريباً .. كمين يحتله مجموعة صغيرة من قوات الصاعقة علي تقاطع المدق 12 المؤدي إلي مركز القيادة المتقدم للجيش الثالث .. 

كانت العمليات القتالية قد انتهت قانوناً بقرار مجلس الأمن رقم 338 في الليلة السابقة ، ولكن قائد تلك المجموعة طلب من رجاله الإستمرار في أعلي درجات التأهب لأنه لا يزال يسمع أصوات طلقات واشتباكات لم تتوقف في اتجاه الشمال الشرقي من موقعه ...

كتبت كثيراً عن العبور والمعارك التي خاضها الأبطال من شباب مصر ، ولكنني لاحظت أن يوم 23 أكتوبر تحديداً يحتل مكانة خاصة ، ففي هذا اليوم استشهد نصف رجالي تقريباً ، وخضت المعركة بعد ان انقطع الإتصال مع قياداتي ، كنت مع رجالي وحدنا تماماً في مواجهة تقدم طابور مدرع للعدو ومن فوقه طائرات الهليوكوبتر توفر حماية مباشرة وتقصف الطريق أمامه بتمهيد نيراني رهيب .. 

كان العدو يستخدم ذخيرته بغزارة لا تبررها أي ضرورة عسكرية ، وهو ما يؤكد شعوره بالخوف والهيستيريا ، ولذلك كان من المهم أن نحبس نيراننا حتي تحقق المفاجأة الكاملة ، والهدف المأمول منها ...

تفاصيل بعض جوانب هذه المعركة موجودة في مقالات أخري عديدة سبق لي كتابتها علي مر السنين ، ولكنني أريد في هذا المقال أن أركز علي جانب واحد ، وهو استعداد مقاتل الصاعقة للشهادة ، وإقباله علي المخاطر بلا تردد أو وجل .. حتي في ظروف معركة هو غير مؤهل لها أساساً ، حيث دارت معركة ذلك اليوم في منتصف النهار ، في مواجهة عدد من المدرعات ، دون أن تدعيم أو مساندة .. 

في تدريبات الصاعقة يتعلمون أنه لا يوجد مستحيل ، حيث تشمل هذه التدريبات علي تحديات للمألوف عن قدرات الجسد العادية ، ويتعرض المتدرب لظروف لا تبتعد كثيراً عن الموت المحقق ، وكما كنا نقول بعد التدريب : " لقد رأينا الموت بعيوننا " .. نعم .. كان الموت يصاحبنا حتي في التدريب ، وكم سقط رفاق في التدريبات ...

أثناء معركة 23 أكتوبر ، نفذ الرجال الأوامر التي كان يعني كل أمر منها الموت المحقق ، منها مثلاً رجال المهندسين العسكريين محمد سلطان ومحمد السيد ، اللذين استمرا بالقرب من موقع الألغام التي قاما بغرسها تحت قصف العدو الوحشي .. لقد انطلقا لتنفيذ الامر بغرس الألغام تحت ضغط دبابات العدو ، رغم أن القذائف والطلقات كانت تتناثر في كل مكان كالمطر ، وكان عليهما التحرك من حفرتيهما المؤمنة في قوس الكمين إلي الأرض المكشوفة المحيطة بالمدق 12 طبقاً للمخطط الذي اتفقنا عليه .. أي كان عليهما التحرك في مساحة تزيد علي 500 متراً في جميع الإتجاهات لدفن اللغم ، ثم العودة لسحب لغم آخر ، هكذا عدة مرات ....

كنت أراقب تحركاتهما ، وعيني علي تشكيل الدبابات المقترب ، كنت أخشي أن يصاب أي منهما قبل استكمال بث الألغام التي أصبحت أساسية في خطتي لتساعدنا في إيقاف تقدم الدبابات ، وخلال تلك الدقائق الحاسمة لم أفكر كثيراً في خطورة المهمة التي يقومان بها ، ولكنني بعد الحرب تذكرت ذلك المشهد ، وتساءلت كيف أقدما علي تنفيذ الأمر المستحيل بالتحرك بين هذا السيل المتدفق من طلقات العدو التي كان لا يمكن أن تفلت منها ناموسة طائرة في المكان ...

لم أعرف حتي الآن لماذا لم يعودا مرة أخري إلي موقعهما بعد الإنتهاء من دفن كل الألغام ، فلقد انشغلت بإعادة تمركز قواذف الأر بي جي ، حتي ناداني رضوان ليخطرني بإصابة سلطان ومحمد ، كانا يرقدان متجاورين بفاصل مترين ، والدماء تنزف منهما بغزارة ، حيث أصابتهما قذيفة دبابة مباشرة .. 

لقد قفزت من حفرتي وبمساعدة محمد عبد الفتاح ومحمود قمنا بلف جثمانيهما في بطاطين الجيش ، وحملناهما ونحن نزحف حتي تم دفنهما في نفس الحفرتين اللتين كانا قد حفراها عندما كنا نجهز الكمين .. ولقد ظلت دماؤهما الغالية مختلطة بدمائي علي أوفارولي لمدة يومين كاملين فيما بعد ...

سألت نفسي كثيراً علي مر السنين ، لماذا لم يعودا مرة أخري إلي موقعهما ؟ ، لماذا ظلا راقدين في منطقة الألغام رغم أنها مكشوفة ؟ .. 

هل قررا مثلاً البقاء لحراسة حقل الألغام ؟ .. أم أنهما لم يستطيعا رفع رأسيهما أو النهوض بسبب إطلاق النيران الكثيف ؟ ... ولكن هذه ليست أسباب كافية ، فأولاً هما كانا علي مستوي متميز من الكفاءة بحيث يصعب تصور أنهما قررا حراسة حقل الألغام ، وثانياً لا يمكن الإقتناع بأنهما لم يستطيعا النهوض بسبب كثافة النيران حولهما ، لأنهما تدربا علي العمل في هذه الظروف ، بالإضافة إلي أنني رأيتهما يتحركان ذهاباً وإياباً عدة مرات أثناء عملية دفن الألغام وتجهيزها ...

لم يعد سوي تفسير واحد .. وهو أن دبابات العدو كانت قد أصبحت علي مرأي البصر ، ولابد أنهما خشيا كشف مكان الكمين كله لو عادا إلي موقعنا مرة أخري ، لذلك قررا البقاء والتضحية بنفسيهما حماية لنا جميعاً .. 

وهذا التفسير تبرره مواقف كثيرة منهما ومن غيرهما أثناء العمليات ، وكان كل الرجال لديهم يقين غريب عند دفن كل شهيد أن الدور سوف يأتي عليهم إن عاجلاً أو آجلاً .. فلم يعد الموت غريباً أو مخيفاً ، بل كان ضيفاً مقيماً اعتدنا عليه ...

في الأحوال العادية يتم دفن الشهيد من خلال مراسم عسكرية ، حيث يعزف النفير نوبة رجوع ، وتؤدي التحية العسكرية للشهيد بينما يتم إطلاق بعض الطلقات في الهواء .. وكان ذلك يتم كلما سنحت ظروف المعركة ، ولكن في يوم 23 أكتوبر لم يكن لدينا وقت لذلك ، فقد تم دفن الشهداء بسرعة وبعضهم لم نتمكن من دفنه نتيجة لظروف الإشتباك ..

لم يطلق النفير نوبة رجوع ، ولا أدينا التحية العسكرية ، ولم نطلق طلقات في الهواء تحية لهذين العملاقين أثناء دفنهما ، ولكن دبابات العدو التي تعثرت في حقل الألغام كانت خير تحية لبطولتهما ، خاصة وأن إحداهما انفجر جنزيرها تقريباً في نفس الموقع الذي استشهد فيها البطلان ، ولم نطلق طلقاتنا في الهواء ، وإنما سددناها بقسوة وعنف في صدور جنود العدو الذين قفزوا من الدبابة المعطلة .. أما التحية العسكرية فأن الوطن كله آداها لكما يا أعز الرجال ، ولا يزال يؤديها حتي الآن ...

لا زلت أتذكر ملامح الوجوه رغم مرور السنوات .. اتذكر اللحظة التي رأيتكما فيها تسارعان بتنفيذ أمر التلغيم ، رغم إدراكي بعد ذلك بمدي صعوبة تنفيذ هذا الأمر .. أتذكر حركتكما السريعة من مكان لآخر ودون ارتباك وكأنكما تقومان بتدريب في ظروف عادية ، بينما الطلقات تمرق حولكما من كل اتجاه .. أتذكر قسمات الوجه الصلبة المصممة التي لم ينزع عنها الموت نضارة شبابها .. لقد كان شعارنا في الصاعقة " تضحية .. فداء .. مجد " ، وأنتما حولتما الشعار إلي واقع ، فالمجد لكما ، ولكل شهداء الوطن الأبرار في كل الحروب ...