معهد أمريكي: الحرب الباردة مع الصين انطلقت رغم إنكار بايدن — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

معهد أمريكي: الحرب الباردة مع الصين انطلقت رغم إنكار بايدن

معهد-أمريكي-الحرب-الباردة-مع-الصين-انطلقت-رغم-إنكار-بايدن

تصدّر الرئيس الأمريكي "جو بايدن" عناوين الصحف الثلاثاء عندما أعلن في خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى حرب باردة جديدة أو عالم منقسم إلى كتل جامدة. وبالرغم من عدم ذكر الصين بالاسم، إلا أن الإشارات إليها تناثرت طوال الخطاب، وكرر "بايدن" التزام واشنطن بالتعاون في مواجهة التحديات المشتركة مثل تغير المناخ ومنع تحول "المنافسة" إلى "صراع".

ونال تصريح "بايدن" الثناء من الكثيرين، لكن إذا كان يؤمن حقا بما يقوله، فإن هذا يشي بأنه ربما لا يفهم "الحرب الباردة الجديدة" على الإطلاق، ولا لماذا لا يمكن التحدث عن التعاون وتجنب الصراع ببساطة.

ومن البديهي أن واشنطن وبكين لا تريدان "حرب باردة جديدة" لكن صعود الصين تسبب في اختلاف تصور الجانبين لمصالحهما التي لم تكن سابقا عائقا للتعاون. وتوصل الجانبان إلى استنتاج مفاده أن هذه المصالح في نهاية المطاف أكثر أهمية من العلاقات الثنائية الصحية، وقررا أن تأمين الأولى يستحق التضحية بالأخيرة.

وهكذا، عندما يقول "بايدن" إنه لا يسعى إلى "حرب باردة جديدة" دون تحديد الخطوات المحددة التي سيتخذها لتجنبها فعليا، فإن كل ما يفعله هو تكرار لموقف واشنطن الراسخ بأن العلاقات يمكن أن تعود إلى حالتها الصحية طالما كان ذلك بشروطها الخاصة. وإذا اختارت بكين تجاهل هذه الشروط، فإن "الحرب الباردة الجديدة" ستستمر إلى الأبد حتى لا يعود من الممكن تجاهلها.

ما هي بالضبط شروط واشنطن؟

سيبقي "بايدن" التعريفات والعقوبات سارية، وسيواصل إضافة المزيد منها حتى تغير بكين نهجها بشأن التجارة وحقوق الإنسان في هونج كونج وشينجيانج. وستستمر عسكرة منطقة آسيا والمحيط الهادئ على قدم وساق حتى يتم إعادة توازن القوى لصالح واشنطن وتتراجع بكين عن تايوان وبحر الصين الجنوبي، ثم تستسلم في النهاية لواقع الوجود العسكري الأمريكي الدائم في فنائها الخلفي.

وطالما ظل الحزب الشيوعي في السلطة، فلن تسمح واشنطن لبكين بممارسة الكثير من النفوذ في المؤسسات الدولية، أو الاستفادة الكاملة من التكنولوجيا الأمريكية أو التبادل العلمي، أو ممارسة قوتها الاقتصادية لتأمين نفوذها السياسي.

وبغض النظر عن بعض التفاهمات التي يمكن أن تحدث بشأن التجارة، فإن بقية الشروط لن تقبلها بكين ولن يقبلها الحزب الشيوعي والرئيس الصيني "شي جين بينج". وفي الواقع، أعلنت بكين موقفها التفاوضي بوضوح شديد؛ حيث ذهبت إلى حد تقديمه في شكل قائمة لنائبة وزير الخارجية الأمريكي "ويندي شيرمان" أثناء زيارتها للصين في يوليو/تموز. وإذا وضعنا هذه القائمة إلى جانب "الخطوط الحمراء الثلاثة" لبكين، فإنها تمثل توبيخا شاملا لموقف واشنطن.

وعلى حد علمي، لم أسمع أبدا أي إشارة رسمية أمريكية ناقشت هذه القوائم أو الخطوط الحمراء لبكين، بالرغم من حقيقة أنه خلال الشهرين الماضيين تحدث العديد من كبار المسؤولين الصينيين مرارا وتكرارا عن أهميتها لصحة العلاقة والتعاون حول قضايا مثل تغير المناخ.

ويبدو أن الصين ستستخدم المناخ كرهينة في تعاملها مع واشنطن. لكن بكين تعتقد أن شروطها منطقية وليست معادلة لشروط واشنطن، فهي تقول لواشنطن فقط ابقِ بعيدة عن شؤوننا الداخلية واسحبي جيشك عن حديقتنا الخلفية، وتتساءل بكين عن سبب عدم استجابة واشنطن لهذه الشروط باعتبارها العناصر الأساسية لأي علاقة صحية ومتوازنة. وتجدر الإشارة إلى أن واشنطن تتوقع من بكين أن تلتزم بهذه المبادئ نفسها فيما يتعلق بشؤونها وساحتها الخلفية، فلماذا تعتبر الصين هي الدولة التي تعيق التعاون؟

وبغض النظر عما قد يقوله "بايدن" وإدارته، استنتج كلا الجانبان أن مصالحهما وموقفهما التفاوضي الحالي أهم من التعاون. وما لم يتنازل أحد الجانبين أو كلاهما، فستكون هذه مشكلة سيبتلى بها التعاون الدولي في المستقبل المنظور، ولن تختفي المشكلة لمجرد أن "بايدن" قال بعض الكلمات القوية والمقنعة في الميكروفون.

ويستحق ادعاء "بايدن" بأن واشنطن لا تسعى إلى "عالم مقسم إلى كتل جامدة" السخرية أكثر، حيث يأتي بعد أقل من أسبوع من إعلان واشنطن عن تشكيل كتلة تستهدف الصين بشكل مباشر.


ولطالما نظرت بكين إلى الهيكل الأمني الحالي في آسيا، استنادا إلى معاهدات الدفاع الثنائية المنفصلة بين الولايات المتحدة وكل من اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والفلبين وتايلاند، على أنها كتل أمريكية لمواجهة الصين.

وكما أوضح رئيس مجلس الأمن القومي في الصين "راش دوشي" في كتابه الجديد، فقد كانت بكين تخشى منذ فترة طويلة أن تتسبب نظرية "التهديد الصيني" في استخدام واشنطن لهذا النظام الأمني بوجه الصين مع صعودها وسعيها إلى ممارسة نفوذ أكبر. وفي الواقع، هذا هو الهدف المنطقي الوحيد الذي تستهدفه هذه التحالفات.

من المذنب؟

بعبارة أخرى، أصبحت واشنطن غارقة في أوهام الهيمنة الأمريكية لدرجة أنها نسيت أنها قسمت العالم إلى كتل بالفعل.

وإذا تم تبادل الأدوار، فلن تقبل واشنطن أبدا درجة الضعف الاستراتيجي التي تطلبها من بكين. وإذا كان لدى الصين سلسلة من التحالفات والقواعد المنتشرة عبر الأمريكتين، بغض النظر عن مبرراتها التاريخية أو الجيوسياسية، فستندلع النيران في واشنطن، وسيتم تمكين العناصر الأكثر شوفينية في السياسة الأمريكية وستكون البلاد على استعداد للحرب دائما.

وفي هذه الحالة، ستعتقد واشنطن أن لها ما يبررها في استخدام أي تكتيكات قذرة وقبيحة قد تكون ضرورية لتأمين مصالحها. وستفعل ذلك بغض النظر عن انتهاكها للقانون الدولي أو القواعد الأساسية للعلاقات بين الدول، تماما كما فعلت بكين في بحر الصين الجنوبي، وفي الفضاء الإلكتروني، ومن خلال الإكراه الاقتصادي الذي يستهدف أستراليا وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول.

وكما أوضحت مكالمات رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال "مارك ميلي" ومسؤولين أمريكيين آخرين مع نظرائهم الصينيين في الأشهر الأخيرة من إدارة "ترامب"، فإن إدارة المنافسة العسكرية بين الولايات المتحدة والصين، التي بدأت تسخن بالفعل، ستكون بمثابة مهمة صعبة للغاية.

وبالطبع، لا يريد أي طرف خوض الحرب. لكن لن يكون أي منهما مسيطرا بشكل كامل على الدوافع التي قد تؤدي إلى اندلاعها عرضيا. ويقول "بايدن" إنه لا يمكن السماح للمنافسة بأن تتحول إلى صراع، لكنه لا يريد اتخاذ أي خطوات من شأنها أن تجعل ذلك أقل احتمالا. بمعنى آخر، يريد أن يحصل على الكعكة كاملة ويأكلها أيضا.

وفي النهاية، كشف خطاب "بايدن" عن الفجوة الرئيسية في التصورات بين الجانبين وهي اعتقاد كل من واشنطن وبكين أنها الطرف العقلاني وأن الطرف الآخر هو الذي بدأ الصراع. وتوضح هذه الفجوة "الحرب الباردة الجديدة" نفسها كما تضمن استمرارها لبعض الوقت.


ومن السهل جدا، من الناحيتين السياسية والفكرية، أن توجه إصبع الاتهام ببساطة تجاه بكين وتقول إنها تطلب المواجهة وتستحقها، لذلك دعونا نبدأ هذه المواجهة. ومن الصعب استيعاب حقيقة أن هذا ليس حلا حقيقيا للمشاكل التي أوجدها صعود الصين. والأكثر صعوبة هو العثور على مسار بديل للمضي قدما.

والأمر متروك لواشنطن في نهاية المطاف لاختيار أي الطرق ستسلك، ولا يوجد أحد آخر مستعد أو قادر على القيام بذلك، ولا سيما بكين. وحتى يأتي ذلك اليوم، فإن الحرب الباردة الجديدة موجودة لتبقى، بغض النظر عما قد يحاول "بايدن" إقناع نفسه به.

المصدر | إيثان باول/ريسبونسيبل ستيتكرافت