معهد أمريكي: شروط وقف إطلاق النار ستحدد شكل إثيوبيا في المستقبل — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

معهد أمريكي: شروط وقف إطلاق النار ستحدد شكل إثيوبيا في المستقبل

معهد-أمريكي-شروط-وقف-إطلاق-النار-ستحدد-شكل-إثيوبيا-في-المستقبل

في حديثه أمام معهد الولايات المتحدة للسلام في 2 نوفمبر/تشرين الثاني، قال المبعوث الأمريكي إلى منطقة القرن الأفريقي "جيفري فيلتمان" إن "مصلحة واشنطن في القرن الأفريقي هي الاستقرار". وفي نهاية الجلسة، لخص التحدي الذي يواجهه في البحث عن سبل تفاوضية لإنهاء الحرب بين الحكومة الفيدرالية برئاسة "آبي أحمد" وحكومة منطقة تيجراي بقيادة "جبهة تحرير شعب تيجراي".

وقال "فيلتمان": "يعتقد آبي أحمد أن جبهة تحرير شعب التيجراي تريد القضاء عليه، فيما تعتقد الجبهة أن رئيس الوزراء يريد القضاء عليهم". وأضاف: "لا أعتقد أن أيا من القناعتين صحيحة".

وتتمثل المهمة الأولى في إيجاد صيغة يمكن بموجبها للطرفين إطلاق حوار متبادل والاتفاق على وقف إطلاق النار ووضع حد لخطاب الكراهية.

لكن الحكومة في أديس أبابا تصر على أن "جبهة تحرير شعب التيجراي" منظمة "إرهابية". وقالت المتحدثة باسم الحكومة "بيلين سيوم" الأسبوع الماضي: "لا أعلم تجارب ناجحة لأي دولة قررت الحديث مع الإرهابيين"، ومن بين الأمثلة العديدة التي كان من الممكن أن يختارها "فيلتمان" لإثبات العكس هي ناميبيا وجنوب أفريقيا وأيرلندا الشمالية.

وفي يوليو/تموز، وضعت قيادة "التيجراي" شروطها المسبقة للحوار بما في ذلك انسحاب القوات غير التيجرانية من أراضيها ورفع الحصار واحترام الدستور الفيدرالي القائم. ولم يشعر سكان "تيجراي" برد دولي في السابق؛ حيث تم تجاهل الحرب الشاملة ضدهم في النصف الأول من العام، ولكن بعد ذلك انطلقت صيحات الإنذار عندما هدد القتال الآن أديس أبابا.

في الواقع هزمت قوات دفاع "تيجراي" قوات الدفاع الوطني الإثيوبية بشكل شامل، وخسر "آبي أحمد" الحرب، وتم اختزال أحد الجيوش الأكثر احترافا وقوة في أفريقيا إلى مجموعة من المجندين والمليشيات وبقايا جنود تشبه القوة المقاتلة، ولكنها غير منظمة ومحبطة المعنويات.

لقد هُزم الجيش الموسع الذي أُعيد تشكيله على نطاق أوسع في معارك في مدينتي أمهرة وكومبولتشا أمام قوات "التيجراي" التي لم تكن موجودة قبل عام. وفي مواجهة الهجوم الذي بدا مصمما لسحق أجسادهم وأرواحهم من خلال المذابح والاغتصاب والتجويع، وضع أهل "تيجراي" خلافاتهم الداخلية جانبا واتحدوا في المقاومة.

وبدأت قوات تيجراي بحرب عصابات، وكانوا يحملون أسلحة خفيفة ويختبئون في الجبال، لكن بمرور الوقت استطاعوا الاستفادة من الأسلحة التي تم الاستيلاء عليها من قوات الدفاع الوطنية وحلفائها من الإريتريين.

والأسبوع الماضي، انضمت "جبهة تحرير شعب التيجراي" إلى "جيش تحرير الأورومو" و7 مجموعات أصغر أخرى لتشكيل الجبهة المتحدة للقوات الفيدرالية والكونفدرالية الإثيوبية، لكن لم يتم الكشف عن تفاصيل التفاهمات بين هذه الأطراف بعد. وبالنسبة لمواطني تيجراي العاديين وغيرهم من الإثيوبيين على حد سواء، بدا أن "جبهة تحرير شعب التيجراي" تسعى للحصول على السلطة من خلال التظاهر بوجود ائتلاف واسع.

ويتصاعد القلق بشأن الفوضى وانهيار الدولة وعدم الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة. وهذه المخاوف لها ما يبررها حيث يخشى معظم الإثيوبيين من "جبهة تحرير شعب التيجراي" التي كانت القوة المهيمنة في البلاد من 1991 إلى 2018، ولا يريدون عودتها إلى السلطة.

في غضون ذلك، صعّد "آبي" من تحريضه على العنف لدرجة أن "فيسبوك" أزال منشورا دعا فيه الإثيوبيين إلى "دفن" التيجراي، كما عطل "تويتر" قسم "الترند" في إثيوبيا.

وتجري حاليا اعتقالات جماعية للتيجراي في أديس أبابا وسط دعوة عامة لحمل السلاح، لكن حقيقة الهزيمة العسكرية وحجم المذابح (عشرات الآلاف من الشباب قتلوا في أكتوبر/تشرين الأول وحده) لم تعد سرا.

لكن هناك بعض المؤشرات المشجعة على أن "آبي" أدرك أخيرا مأزقه، وأن المجتمع الدولي يستعد لمحاولة إنهاء الحرب. وكان الإطراء العلني من "فيلتمان" لـ"آبي أحمد" في معهد الولايات المتحدة للسلام وسيلة لحمل رئيس الوزراء الإثيوبي على فتح باب الحوار وجها لوجه، وهي خطوة إلى الأمام.

وقد انضم الرئيس الكيني "أوهورو كينياتا" إلى الولايات المتحدة في الضغط من أجل إنجاح المفاوضات. وكذلك انخرط المبعوث الخاص لرئيس الاتحاد الأفريقي "أولوسيجون أوباسانجو" في ذات الإطار حيث سافر يوم الأحد إلى مدينة ميكيلي في تيجراي لعقد أول لقاء له مع الجبهة. وبالرغم أن قوات التيجراي انتقدت "أوباسانجو" بشدة بسبب تعاطفه الصريح مع "آبي"، إلا أنهم استقبلوه بحرارة.

وعند عودة "أوباسانجو" إلى أديس أبابا -التي تعد أيضا مقر الاتحاد الأفريقي- عقد مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الأفريقي أول اجتماع له بشأن الصراع، ودعا إلى وقف إطلاق النار ووضع حد لخطاب الكراهية، لكن لم يتطرق إلى إطلاق سراح السجناء السياسيين وكرر معارضته للتغيير غير الدستوري للحكومة، مستبعدا وجود خطة لدى المعارضة لتشكيل حكومة انتقالية.

وعلى المدى القصير، فإن أفضل سيناريو هو أن يوافق الطرفان بسرعة على وقف الأعمال العدائية، وأن ترفع الحكومة الإثيوبية حصارها عن تيجراي، وتتوقف عن قرع طبول الحرب، وتطلق سراح آلاف المعتقلين.

ومن شأن ذلك أن يعالج مشكلة الجوع في تيجراي، ويمنع المذبحة والعنف بين الطوائف في أديس أبابا، وكلها أمور ضروري، لكنها لن توقف انهيار الدولة لأنها فشلت بالفعل. وقد كشف هيكل الجيش الإثيوبي عن طبيعة الدولة حيث أدار "آبي" دولة عسكرية، ملتزما بفرض رؤيته (استعادة إثيوبيا لمجدها الإمبراطوري) بقوة السلاح. وبينما كان العديد من أنصاره يأملون في قيام جمهورية مدنية، فإن ما حصلوا عليه كان فقط رؤية لإمبراطورية متجددة.

وكان هذا الطموح هو السبب الكامن وراء الخلاف بين "آبي" وحركة "أورومو" والحرب مع تيجراي. فبينما كان يحلم بإمبراطورية، أهدر "آبي" مؤسسات الدولة.

وأصبحت قوات الدفاع الوطنية الإثيوبية اليوم عبارة عن مجموعة من الوحدات العرقية، التي يتم حشدها من خلال خطاب الكراهية. ويخبرنا المؤرخون الأكاديميون أن هذا الوضع لا يختلف كثيرا عن الحقائق الوحشية لماضي إثيوبيا الإمبراطوري.

وفي نهاية المطاف سيتحدد مستقبل إثيوبيا في مفاوضات وقف إطلاق النار. ويعد الوقف الدائم لإطلاق النار أكثر تعقيدا بكثير من مجرد وقف إطلاق النار. وكما يوضح الأكاديمي في تيجراي "مولوجيتا بيرهي"، فإن وقف إطلاق النار سيتطلب لغة دقيقة لا لبس فيها حول مكان تواجد القوات؛ وما هي الإجراءات التي يجب حظرها (والتي سيرغب أهل تيجراي في توسيع نطاقها ليشمل مشتريات الأسلحة)؛ وما هي القوات التي يجب أن تتواجد (أي الميليشيات العرقية)؛ ومن الذي يجب أن يوفر المراقبة والتحقق.

والأهم من ذلك هو الوضع النهائي للقوات المسلحة المتحاربة، فمن غير المرجح أن يعهد أهل تيجراي بأمنهم إلى أي شخص آخر بعد تعرضهم لمحاولات الإبادة الجماعية؛ لذلك سيتمسكون بشروطهم الخاصة، ولن ينزعوا سلاحهم، أو يسمحوا لجيش مركزي يمكن أن يهزمهم في وقت ما في المستقبل. ويعني ذلك أن شروط وقف إطلاق النار ستحدد الشكل المستقبلي للاتحاد الإثيوبي أو ربما الاتحاد الكونفدرالي.

وعندما يوجه الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة دعواتهما الروتينية لاحترام وحدة إثيوبيا وسيادتها، فإن ما يدور في أذهانهم هو استعادة حكومة مركزية قوية واختزال التيجراي إلى متمردين إقليميين ليتم اعطاؤهم جزءا من الكعكة فقط. لكن التيجراي لن يقبلوا الانسحاب أو نزع السلاح ويمكن أن يفقدوا الثقة في الوساطة مما يجعل الأزمة مستعصية على الحل.

لكن في نهاية المطاف يجب أن يتحرك الوسطاء بسرعة لتجنب حمام دم آخر حتي لو استلزم تحديد إطار التسوية وقتا طويلا.


المصدر | اليكس دي وال/ ريسبونسبال ستيتكرافت