ميدل إيست آي : على وقع الانسحاب الأمريكي.. فرنسا تضع عينها على العراق

ميدل-إيست-آي-على-وقع-الانسحاب-الأمريكي-فرنسا-تضع-عينها-على-العراق

الساعة تدق في بغداد، فقد وعدت الولايات المتحدة بسحب قواتها من العراق بحلول نهاية العام، لكن الكثيرين يتسادلون عمن سيملأ الفراغ الذي ستركته واشنطن.


وفي نهاية الأسبوع الماضي، أثناء حضوره قمة إقليمية في العاصمة العراقية، بدأ "إيمانويل ماكرون" في الدفاع عن دور فرنسا. وقال مسؤولون عراقيون وأمريكيون إن الرئيس الفرنسي يريد تقديم باريس على أنها داعم وحليف استراتيجي لحكومة بغداد. وكان عقد قمة إقليمية في العاصمة العراقية مكانا مثاليا للبدء.

وتعتبر العلاقات العراقية الفرنسية جيدة ومستقرة. وكانت فرنسا من أوائل الدول التي اعترفت بالنظام السياسي الجديد، رغم رفضها المشاركة في التحالف العسكري الدولي بقيادة الولايات المتحدة للإطاحة بـ "صدام حسين" عام 2003.

وتأتي فرنسا في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في عدد الأفراد المنتشرين في العراق كجزء من التحالف الدولي ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، فضلا عن كونها عضوا رئيسيا في "الناتو".

وبالنسبة لفرنسا، فإن الانسحاب الأمريكي المخطط له فرصة للتوغل في العراق وإنشاء منصة انطلاق لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط، وتوفير توازن ضد النفوذ الإيراني، والتنافس مع تركيا.

وقال مسؤولون عراقيون إن الفرنسيين يعتقدون أنه بعد عقود من الحرب والضعف والاضطراب، فإن العراق مستعد لاستقبالهم، وأنه سيوفر لهم قاعدة لبناء جسور سياسية واقتصادية مع دول المنطقة.

وشهد مؤتمر بغداد للشراكة والتعاون الذي عقد نهاية الأسبوع الماضي إطلاق هذه الخطة. وكان المؤتمر "البوابة الرسمية" التي دخلت فرنسا من خلالها إلى العراق بتقديم نفسها على أنها "شريك للحكومة العراقية في اهتماماتها وراعية لمصالح العراق الإقليمية والدولية"، على حد تعبير مسؤول عراقي.

وقال "ماكرون" في مؤتمر صحفي متلفز إن فرنسا ستحافظ على وجودها في العراق لمحاربة الإرهاب "مهما كانت الخيارات التي يتخذها الأمريكيون".

وقال "إيلي أبو عون"، مدير برامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد الولايات المتحدة للسلام: "من الواضح أن فرنسا ترى في التراجع الأمريكي فرصة لاكتساب نفوذ سياسي واقتصادي في العراق، بعد فشلها في لبنان".

وفي العام الماضي، قام "ماكرون" بتدخل جريء في لبنان في أعقاب انفجار بيروت في أغسطس/آب، ووعد بإيجاد طريقة للخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد، لكنه وجد بدلا من ذلك قادة لبنانيون متصلبون كما كانوا قبل الانفجار الكارثي.

وفي غضون ذلك، تداخلت فرنسا مع تركيا بشأن عدة قضايا، بما في ذلك منطقة شرق البحر المتوسط الغنية بالغاز، وليبيا التي دعمت فيها أنقرة وباريس الأطراف المتصارعة.

وأضاف "أبو عون" أن "العراق قريب من تركيا، وفرنسا تبحث عن أوراق للضغط على تركيا وتعزيز موقعها في صراعها المستمر في شرق البحر المتوسط وشمال أفريقيا... لدى فرنسا أجندة وهي تتابع ما تريده".

المشروع الفرنسي

ووفقا لمسؤولين عراقيين، كان مؤتمر بغداد في الأصل مشروعا فرنسيا. وقد استند إلى فكرة تبناها رئيس الوزراء العراقي السابق "عادل عبد المهدي"، وطُرح للمناقشة من قبل الرئيس العراقي "برهم صالح" خلال زيارة إلى فرنسا في فبراير/شباط 2019.

وبالرغم أن "عبد المهدي" زار فرنسا بعد 3 أشهر لتنضيج الفكرة، إلا أنه تخلى عنها فيما بعد وتمحور حول الصين، "خوفا من اتهامه بالوقوع في أحضان فرنسا، لأنه يحمل الجنسية الفرنسية ولأنه غير مقبول إقليميا"، بحسب ما قاله مسؤول عراقي مطلع على المشروع.

وقال مسؤول عراقي كبير آخر: "كانت الفكرة الأصلية هي إيجاد حليف استراتيجي بديل للعراق ليحل محل الولايات المتحدة بعد انسحابها".

وتشعر العديد من القوى السياسية بالقلق من فكرة الانسحاب الأمريكي الكامل من العراق.

وأضاف المسؤول الكبير أن القادة العراقيين "كانوا ولا يزالون يبحثون عن قوة يمكنها تأمين توازن موضوعي ضد النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة".

وتابع: "لا أحد يريد أن يسقط العراق بالكامل في المستنقع الإيراني. الإيرانيون أنفسهم لا يريدون أن يكونوا مسؤولين عن كل ما يحدث في العراق ويبحثون عن شركاء في الغنائم والخسائر".

وانتهز الفرنسيون فكرة "عبد المهدي" وطوروها، ثم طرحوها كمبادرة بعنوان "دعم سيادة العراق" خلال زيارة "ماكرون" للعراق في سبتمبر/أيلول 2020.

وكان من المفترض أن يعقد هذا المؤتمر في باريس، حيث أراد الفرنسيون أن يكونوا منظمي الحدث. ومع ذلك، بعد توسيع المؤتمر ليشمل عددا من المنافسين الإقليميين، تم نقله إلى بغداد وأعيد صياغته كحدث يركز على الاستقرار في الشرق الأوسط.

وقال عضو في فريق رئيس الوزراء العراقي "مصطفى الكاظمي": "رغم أن فرنسا عمليا ليس لها علاقة بالمؤتمر في شكله النهائي، ومشاركتها غير مبررة، لم يستطع العراقيون استبعادها لأنها صاحبة الفكرة الأصلية".

وأضاف أن "العراق يريد العودة الى لعب دور الوسيط، وأراد الفرنسيون أن يكون هذا المؤتمر تذكرة لعودتهم إلى المنطقة عبر العراق فصار نوعا من تبادل المنفعة بين الطرفين". وتابع: "تم تقديم فرنسا كرئيسة مشاركة للمؤتمر، لكن الحقيقة هي أن العراقيين هم الذين نظموا كل شيء، وتجمع كل هذه الدول كان ثمرة جهود الكاظمي وعلاقاته".

الفوضى

وألقى الانسحاب الأمريكي الدراماتيكي من أفغانستان الشهر الماضي وسيطرة طالبان السريعة على البلاد بظلال ثقيلة على المشهد السياسي في العراق وأثار مخاوف عدد من القوى السياسية العراقية من احتمال وقوع سيناريو مماثل في العراق.

والسيناريو الأسوأ بالنسبة لمعظم القوى السياسية غير المرتبطة بإيران هو ما يسمونه "الفوضى متعددة الأوجه"، حيث يعتقدون أن ذلك سيؤدي إلى اندلاع صراع طائفي. ويرى هؤلاء أن مثل هذا الصراع سيؤدي في النهاية إلى تقسيم البلاد بشكل صارم عبر خطوط طائفية وعرقية.

وقال عضو آخر في فريق "الكاظمي": "لم يستمد النظام السياسي في العراق شرعيته من الانتخابات. إنه يستمدها من الشرعية التي يمنحها المجتمع الدولي له".

وأضاف: "تهديد شرعية النظام بايصال الولايات المتحدة والمجتمع الدولي الى استنتاج مفاده أن العراق اصبح بمثابة قضية خاسرة وانه لا فائدة من الاستمرار في دعمه، سيعني انهيار هذا النظام وتحول العراق إلى دولة طوائف".

وتابع المصدر تحذيراته قائلاً إن "العراق معرض لفوضى سياسية وشعبية واسعة النطاق، في ظل الانسحاب الامريكي الكامل وخسارة إيران سيطرتها على وكلائها في العراق".

وأوضح أن "هذه الفوضى تعني اندلاع صراع دموي بين المجموعات الطائفية والسياسية، وان تقسيم العراق قد يكون النتيجة الحتمية من هذا المستوى من الصراع".


ومع ذلك، فإن غالبية السياسيين والمسؤولين العراقيين بعيدون عن مثل هذا التشاؤم.

ويعتبر مثل هذا السيناريو الفوضوي غير مرجح؛ لأن لأن معظم القوى السياسية العراقية كانت على علم بالتحديات القادمة التي سياتي بها الانسحاب الامريكي وتعمل على إيجاد مصادر بديلة للقوة لتحقيق التوازن.

ومن أبرز هذه القوى تيار "مقتدى الصدر"، وتيار "الحكمة" بقيادة "عمار الحكيم"، وتحالف "النصر" بزعامة رئيس الوزراء الأسبق "حيدر العبادي"، وعدد من القوات المقربة من المرجع الشيعي العراقي "علي السيستاني"، بالإضافة إلى "الكاظمي" و"صالح".

وقال أحد قادة "الحكمة": "تمثل هذه القوى نواة تحالف سياسي كبير قد يتشكل بعد الانتخابات البرلمانية في أكتوبر/تشرين الأول لتشكيل الكتلة الأكبر وتسمية رئيس الوزراء المقبل".

وأضاف أن "هذه القوى ستقود العراق نحو ترسيخ سيادته والخروج تدريجيا من عباءة إيران، مع محاولة إيجاد بديل للولايات المتحدة لخلق التوازن المطلوب في العراق والمنطقة" وتابع: "فرنسا لاعب دولي مقبول إقليميا، وهي القوة الثانية في الاتحاد الأوروبي ولا ترفضها إيران، وهذا أمر مهم للغاية".

وقال مسؤولون وسياسيون إنه بالرغم من سيطرة طهران وواشنطن بشدة على العراق منذ عام 2003، إلا أنهماباتا لا يتمتعان بشعبية وتأثير سياسي كما كان من قبل.

ومع انسحاب الولايات المتحدة على ما يبدو من المنطقة، يريد السياسيون والمسؤولون العراقيون إقامة حالة توازن في بلادهم، ويعتقد هؤلاء أنه يمكن تحقيق ذلك من خلال تحويل العراق إلى "نقطة التقاء" للاعبين الإقليميين.

وقال مسؤولون أمريكيون وعراقيون إن ذلك يمكن أن "يعزز قوة ونفوذ" عدد من القوى الإقليمية والدولية من خلال خلق مصالح مشتركة فيما يكون العراق في الوسط.

وقال "دوجلاس سيليمان"، السفير الأمريكي في بغداد حتى عام 2019، إن "العراق يسعى إلى تصوير نفسه كلاعب رئيسي في المنطقة، وقد سعت العديد من الحكومات العراقية إلى القيام بهذا الدور في السابق. وبذل الكاظمي جهودا كبيرة لكي يلعب العراق دورا إقليميا إيجابيا. ويمكن لاستقرار العراق أن يكون أساس استقرار وازدهار المنطقة".

وبدأ "الكاظمي" التحضير لمؤتمر بغداد بترتيبات مع الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" وملك الأردن "عبد الله الثاني"، ثم توسع ليشمل إيران والإمارات والسعودية ودول أخرى.

وقال "سيليمان": "هذا الدور مهم جدا للعراق من الناحية الجيوسياسية". والفكرة هي أن يكون العراق منطقة توافق واستقرار لدول المنطقة بدلا من أن يكون منطقة نزاع كما حصل في الأعوام الماضية.

وأضاف أن "أهم ما تحقق في هذه القمة هو اللقاءات الثنائية الصغيرة التي جرت على هامش مؤتمر بغداد، حيث خلق المؤتمر الأرضية والجو المناسبين لبدء الحوارات بين الأطراف المتصارعة، وهذا هو المهم".

الكثير من السيطرة

وأشادت إيران ووكلاؤها الإقليميون بسيطرة طالبان على أفغانستان ووصفوا الانسحاب الأمريكي العشوائي بأنه هزيمة أمريكية فاضحة وانتصار كبير للإسلام. ووعدوا بأن نفس الشيء سيظهر في العراق قريبا.

وأثار الإعلان عن مثل هذه النتيجة قلق العديد من العراقيين. ومع ذلك، استبعد القادة والمسؤولون السياسيون العراقيون والأمريكيون تكرار ما حدث في أفغانستان وسخروا من فكرة أن الفصائل المدعومة من إيران ستتولى المسؤولية قريبا وستلاحق أي شخص يعتبر عميلا للولايات المتحدة والغرب.

وقال سياسي شيعي بارز مقرب من إيران: "في الواقع، يمكن للفصائل المسلحة المدعومة من إيران إسقاط الحكومة والسيطرة على بغداد في غضون أيام، إن لم يكن ساعات، لكنها لن تفعل ذلك".

وأضاف أن "الوضع الحالي يخدم إيران ووكلاءها أكثر من أي شيء آخر. لذلك لن يكرروا حتى تجربة استقدام رئيس وزراء موال تماما لإيران كما حدث مع عبد المهدي".

وتابع: "الوضع في العراق مختلف تماما عن أفغانستان. ويفهم قادة الفصائل المسلحة والسياسيون المرتبطون بإيران هذا تماما، لذا فهم لا يسعون حتى للسيطرة رسميا على الحكومة أو أي إدارات حكومية أخرى".

وفي الواقع، فإن أي استيلاء كامل من قبل إيران ووكلائها سيؤدي على الفور إلى الخراب المالي للعراق.

وتم إيداع جميع احتياطيات وأموال البنك المركزي العراقي التي تم الحصول عليها من مبيعات النفط في حسابات خاصة في البنك الفيدرالي الأمريكي، وتم تغطيتها بالحصانة الأمريكية منذ عام 2004، لمنع الدول الدائنة من ملاحقة ومصادرة الأموال العراقية.

وقال سياسيون ومسؤولون إن القوات المدعومة من إيران تخشى أن تقوم الولايات المتحدة بعد ذلك بتجميد أصول العراق وفرض عقوبات مالية قد تطيح بأي حكومة تتشكل في غضون أسابيع.

علاوة على ذلك، يعاني العراق من تمزق المشهد سياسي بشكل كبير، والنزاعات المتزايدة بين الفصائل المسلحة المدعومة من إيران. لذا فإن إيجاد نوع من الموقف الموحد بعد انسحاب الولايات المتحدة، كما فعلت طالبان، هو أمر غير مرجح على الإطلاق.

وفي غضون ذلك، هناك مخاوف من الموقف الذي سيتخذه "السيستاني" لأنه قد ينهي آمال الجماعات شبه العسكرية وكثير من دعمها الشعبي في لحظة.

وقت خفض التوقعات

وبكل بساطة، لن يشبه انسحاب واشنطن من العراق انسحابها من أفغانستان.

واتفقت الولايات المتحدة مع الحكومة العراقية على سحب جميع القوات المقاتلة بحلول نهاية ديسمبر/كانون الأول، لكن واشنطن ستظل تقدم دعما استخباراتيا وجويا للعراق.

والأهم من ذلك، أن الاتفاقية الموقعة بين حكومة "الكاظمي" وإدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" تسمح للقوات الأمريكية بتنفيذ عمليات عسكرية داخل العراق إذا طلبت الحكومة العراقية ذلك، حسبما قال مسؤولون أمريكيون وعراقيون.

وقال مسؤول أمريكي مطلع على تفاصيل الاتفاقية إن "جميع العمليات العسكرية التي تشارك فيها القوات الأمريكية ستتوقف بنهاية عام 2021، أما إذا احتاجت الحكومة العراقية إلى مساعدة مثل الطيران أو المخابرات فسيتم توفيرها من خارج العراق".

وأضاف أن "تحليل البيانات الاستخباراتية والطائرات المقاتلة والطائرات المسيرة لا تحتاج أن نكون على الأرض، ولهذا وافقنا على اقتراح الكاظمي بسحب القوات المقاتلة المتبقية في العراق".

وبالنسبة لفرنسا، من المرجح ألا يكون المستقبل في العراق ورديا كما تريد.

وقال سياسيون ومسؤولون إنه في نهاية المطاف، لا تمتلك باريس المقومات المطلوبة للنجاح على المدى القصير.


وقد استثمرت الولايات المتحدة وإيران وتركيا والسعودية ودول أخرى لها تأثير حقيقي في العراق الكثير من الأموال وأقامت علاقات قوية على مدى العقدين الماضيين. ولا يمكن لفرنسا الوافدة متأخرا أن تتباهى بأنها فعلت الشيء نفسه.

وقال أحد أعضاء فريق "الكاظمي": "لن ينجح الفرنسيون في ملء الفراغ الذي قد تتركه الولايات المتحدة في العراق. إنهم يسعون فقط لتحويل المساحة المتاحة لهم إلى موطئ قدم للتوسع في الشرق الأوسط".

وأضاف: "المنطقة من وجهة نظر الفرنسيين الآن ناضجة وجاهزة لاستقبالهم لأن العراقيين مرهقون وسوريا في حالة خراب واليمن منهار. ويعني هذا أن هناك نحو 250 مليون شخص يحتاجون إلى البناء سياسيا وماليا".

وأشار المصدر إلى أن "الكاظمي" سمح لفرنسا بالمشاركة في مؤتمر بغداد احتراما لدور فرنسا في تنظيمه في المقام الأول. لكن المؤتمر كان أساساً يتعلق بتعيين "الكاظمي"، وليس "ماكرون"، كوسيط إقليمي عبر فوزه بولاية ثانية.

لكن إلى أي مدى سينجح أي منهما؟ هذا ما ستجيب عليه الأيام القادمة.