نصر القفاص يكتب : بوابات الأموال القذرة !! (31) ديلسبس فى بنما !!

نصر-القفاص-يكتب-بوابات-الأموال-القذرة-31-ديلسبس-فى-بنما

إذا كنت من أولئك الذين يحتملون متابعة نشرات أخبار العالم.. ستجد أن قادة "طالبان" الموصوف والمعروف بأنه تنظيم إرهابى, يتم الترحيب بهم فى فنادق خمس نجوم بالعاصمة القطرية – الدوحة – وتفاصيل تفاوض هؤلا مع مسئولين رفيعى المستوى من الخارجية الأمريكية بقيادة "زلماى خليل زاد".. تلك حقيقة جديدة بعد أن قررت الولايات المتحدة سحب جيشها مع جيوش أخرى غربية, ومغادرة أفغانستان باتفاق على صفقة لصالح "واشنطن" ولتذهب الحرية والديمقراطية اللتان زعموا أنهم جاءوا لأجلهما إلى الجحيم.. ليذهب الأمن والاستقرار إلى النار.. وليذهب شعب أفغانستان إلى جلاديه – طالبان – بعد أن أصبحوا أصدقاء للغرب, برعاية الدويلة الصغيرة على الخليج – قطر – باعتبارها جناحا آخر من أجنحة طائر الرخ الأمريكى!!

قبل نحو نصف قرن.. شاهد "جون بركنز" مؤلف "الاغتيال الاقتصادى" عرضا فنيا شعبيا فى واحدة من ساحات "باندونج" بإندونيسيا.. كان يتوقع ما حدث فى أفغانستان.. وقد يدهشك أن هذا العرض, تضمن رؤيته لما حدث فى الشرق الأوسط طوال السنوات التى أعقبت حرب أكتوبر 1973.. سأفتح معك تلك الصفحة التى حملت التفاصيل, بقلم أمريكى لا ينكر أنه شارك فى مؤامرات نهب دول عديدة بالاشتراك مع البنك الدولى وصندوق النقد.. تنفيذا لسياسات "واشنطن" وحلفائها من الذين يسمون أنفسهم قادة العالم الحر.. فيقول "بركنز" فى كتابه: "دعانى شاب إندونيسى لمشاهدة عرض على مسرح شعبى.. كان يقدمه فنان يعرض حكايات.. على طريقة الأراجوز فى مصر.. جمهوره كان بالمئات يتابعونه بشغف شديد.. أذهلنى أنه يسيطر على عقول وقلوب مشاهديه.. يفجر ضحكاتهم ويحرك أفكارهم.. فرجئت به يقدم دمية تحمل شكل الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون بأنفه الكبير وفكه المتدلى.. ويرتدى ملابس العم سام على هيئة علم أمريكا بنجومه وخطوطه.. كانت معه دمية أخرى ترتدى حلة مخططة من ثلاث قطع – أزياء اللصوص – وتحمل هذه الدمية الثانية فى يدها سلة مزخرفة برسم الدولارات.. كانت تلك الدمية الثانية تلوح بإحدى يديها بالعلم الأمريكى, فوق رأس الدمية نيكسون.. كما لو كانت خادما يهوى على رأس سيده! خلف الدميتين كانت تظهر خريطة للشرق الأوسط والشرق الأدنى.. أعلام تلك الدول تم تعليقها بخطاطيف فى مواضعها على الخريطة.. سرعان ما اقترب نيكسون من الخريطة ورفع علم فيتنام ووضعه فى فمه.. ثم صرخ بكلمات ترجموها لى.. إذ هو يقول.. مرة.. زبالة.. لا نريد المزيد منها.. ويخرجها من فمه ليضعها فى جيبه.. واستمر يفعل الأمر نفسه من أعلام دول أخرى.. أدهشنى أن اختياراته لم تشمل البلاد التى تسيطر عليها أمريكا فى جنوب شرق آسيا.. على العكس كانت أعلام الدول التى يلتهمها هى دول الشرق الأوسط.. فلسطين والكويت والسعودية والعراق وسوريا وايران.. ثم تحول بعد ذلك إلى باكستان وأفغانستان.. ومع كل مرة يضع فيها علم هذه الدولة أو تلك, كان مقدم العرض يقول كلاما يحمل السخرية من هذه الدولة أو تلك.. كان حماس الجماهير يزداد, وضحكاتهم تجلجل.. رأيت شعورهم بالسخط من لغة الرجل الذى يقدم عرض العرائس.. ثم يقول نيكسون.. إعط هذا للبنك الدولى, وانتظر إذا كان سيفيدنا ببعض الأموال.. حدث ذلك مع علم إندونيسيا.. هنا ظهرت دمية ثالثة لتقف بين الدميتين, وتمسك يد الدمية نيكسون, وتصرخ.. توقف.. إندونيسيا مستقلة.. ودوت تصفيقات الجمهور, عندما تحمل الدمية الجديدة رمحا وترشق بها الدميتين اللتان بدأ بهما العرض.. وبعد مغادرتى المسرح أوضح لى الشاب الذى دعانى للعرض, أن الجمهور لا يعرف ما يتم عرضه كل ليلة.. وأن ما شاهدته كان مصادفة, لكن شعب إندونيسيا شديد الوعى ولا يكف عن الكلام فى السياسة"!!

قد تكون شاهدت الرئيس الأمريكى "ترامب" وهو يقدم عرضا حقيقيا, لما سبق تقديمه على مسرح العرائس فى "باندونج" قبلها بنحو نصف قرن.. فقد كان "ترامب" يكرر قوله أمام الجماهير ووسائل الإعلام, أنه قال لملك السعودية.. إعطونا ثمن حمايتنا لعروشكم!! وهكذا انقلب ما كان خيالا مضحكا بمنتصف السبعينات إلى حقيقة نشاهدها ونسمعها دون اكتراث.. لأن "الأوف شور" أحكم قبضته كنظام سياسى بعد أن بدأ اقتصاديا,على كل الدول التى دخلت "بيت الطاعة" الأمريكى"!! وأصبحنا نشاهد "الهرولة" فى التطبيع من عواصم عربية تجاه إسرائيل.. كما سمعنا ما يتجاوز الذى كنا نعتقده عبثا, حين تجرأ رجل دولة فى مصر إسمه "مصطفى الفقى" على أن يتحدث عن أن حل أزمة "سد النهضة" مع إثيوبيا تملكه إسرائيل, وعلينا أن نستجدى منها الحل!!

يورد "جون بركنز" فى مذكراته أنه تدرب على وضع خطط ما يسمى بالتنمية المستدامة لمدة خمسة وعشرين عاما فأكثر.. وقالت له من قامت على تدريبه: "هل تعتقد أن أحدا يستطيع أن يرى المستقبل بعد خمسة وعشرين عاما؟! عليك أن تضع تقديراتك للبنك الدولى وتسويقها لدى الأنظمة المستهدفة.. المهم أن تتحدث بذلك وكلك ثقة فى النفس وفى تقديراتك وخططك التى تعرضها عليهم"!! ثم يضيف بعد ذلك قائلا: "كنت أتأمل نفسى.. كما لو كنت ساحر الملك آرثر الذى يلوح بعصاه السحرية فوق البلاد, فيجعلها تضىء فجأة.. تزدهر فجأة.. دون اكتراث بأولئك الذين يعيشون بجوار مجارى الصرف الصحى.. فالتلاعب بالأرقام والإحصائيات يمكن أن يرسم مستقبل"!!

الشعب الأمريكى يطلع على كافة الحقائق فى بلاده.. ماكينات الإعلام هناك لا تتوقف عن نشر وإذاعة الحق والباطل.. تتابع أوروبا وعواصم الغرب وتوابعه ما يحدث فى الولايات المتحدة الأمريكية.. أما الدول التى يستهدفها نظام "الأوف شور" يصعب على شعوبها متابعة ما يحدث هناك فى هذا العالم.. لا يحدث ذلك بالصدفة.. لأن ماكينات الإعلام فى دول "العالم النايم" تدور بما تريده أجهزة ومؤسسات فى "واشنطن" فترعى المئات من الصحفيين والساسة ورجال القانون.. هؤلاء يقومون بدور مزدوج.. أحد وجهيه دعم النظام الذى يدور فى الفلك الأمريكى,, والوجه الثانى.. الأهم.. تزييف التاريخ وتشويه الحقائق التى لا تخدم مصالح السيد الأمريكى.. تحريك هؤلاء يتم بحرفية.. فبين رجال أمريكا من يلعبون دور الدفاع عن النظام فى هذه الدولة و تلك.. وفى المقابل آخرون يلعبون دور المعارضة, لاستخدامهم وقت اللزوم.. ولعل حكاية رئيس "بنما" الذى دعمته الولايات المتحدة الأمريكية.. بل قل زرعته ونصبته واسمه "مانويل نورييجا" توضح ذلك.. كان يتقاضى مائة وعشرة آلاف دولار سنويا, من المخابرات المركزية الأمريكية وقت أن كان "جورج بوش" رئيسا لهذه المؤسسة.. وكانت المخابرات الأمريكية تعلم تورطه فى تجارة المخدرات.. ورغم ذلك باركوا استيلاءه على السلطة عام 1989 وقبضت عليه بتهمة الإتجار فى المخدرات بحجة حماية أطفال وشباب أمريكا.. وكل هذه معلومات وحقائق يعلمها القاصى والدانى فى الولايات المتحدة الأمريكية وعواصم الغرب كله.. لكنها تبقى سرا على شعوب دول "العالم النايم"!!

حكاية "بنما" تستحق أن نعرف بعض تفاصيلها.. هى حكاية كل دولة أو زعيم يعلن رفضه للهيمنة الأمريكية.. وفى تاريخ "بنما" رئيس لا تكف ماكينات الإعلام الأمريكى عن تشويهه.

إنه "عمر توريخوس" بطل "بنما" الذى لا يغادر ضمير وذاكرة شعبها!

كانت "بنما" جزء من "كولومبيا" عندما هبط عليها "فرديناند ديلسبس" لينفذ فيها قناة أخرى, كان يراها تكمل "قناة السويس" بربط المحيط الأطلسى بالمحيط الهادى.. بدأ المشروع عام 1881 وانتهى عام 1889 بكارثة مالية.. تدخل الرئيس الأمريكى وقتها للسيطرة على هذه القناة.. طلب من "كولومبيا" توقيع معاهدة تسمح لاتحاد شركات أمريكا الشمالية بإدارة هذه القناة.. رفض قادة "كولومبيا".. فقام الرئيس الأمريكى عام 1903 بإرسال أسطوله إلى هناك, وقضم "بنما" وأعلنها دولة مستقلة.. تم تنصيب حكومة تابعة للولايات المتحدة عليها, ووقعوا معها معاهدة منحت شرعية للوجود الأمريكى هناك.. تعاقب على حكم "بنما" حكومات تنتسب إلى العائلة التى يربطها بواشنطن قسم الولاء لها!! كانت هذه الحكومات عونا لشركة "استاندرد اويل" للبترول, وكان "روكفلر" مالكها.. كذلك شركة "يونايتد فروت" التى تحكم عددا من دول أمريكا اللاتينية.. وعاش شعب "بنما" الذى لا يتجاوز عدد مليونى مواطن حياة العبيد.. وفى عام 1968 تم إعلان "بنما" دولة مستقلة تولى قيادتها "عمر توريخوس" الذى يحبه ويقدره شعبه.

يروى "جون بركنز" حكايته مع "عمر توريخوس" الذى ذهب إليه, ليأخذه إلى مصيدة "البنك الدولى" باعتباره "قرصان اقتصادى" فكانت المفاجأة.. أيقظ الرئيس الذى انحاز لشعبه, ضمير من جاء يسرق ثروات بلاده.. كتب عنه بتقدير واحترام شديدين.. كشف سر اغتيال الزعيم الوطنى بعد أن استعصى على إدارة "واشنطن" والذين يديرون شبكات "الأوف شور" فى العالم.. وصفه بأنه كان يتمتع بتقدير الطبقات المتوسطة واحترام الفقراء.. فهو ابن لأب وأم كانا يعملان بالتدريس.. شق طريقه بنجاح بين ضباط الحرس الوطنى فى بلاده.. أكسبه اهتمامه بالفقراء والمهمشين حبهم.. إلتفوا حوله.. عقدوا عليه الآمال.. تأثر بالحالة.. قرر أن يعمل من أجلهم ولصالحهم.. كان مثقفا وصاحب موقف ورؤية.. فتح أبواب بلاده للفارين من الاضطهاد فى الدول المحيطة.. منح حق اللجوء السياسى لكثيرين بينهم يساريين ويمينيين.. ذاع صيته خارج حدود بلاده كقائد يحرص على تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة فى الدول المحيطة.. أطلقوا عليه وصف "رسول السلام" فى دول عديدة, منها هندوراس وجواتيمالا والسلفادور ونيكاراجوا وكوبا وكولومبيا وبيرو والأرجنتين وشيلى وبراجواى.. فالدولة الصغيرة التى تضم مليونى نسمة فقط.. أقامت نظاما سياسيا واقتصاديا, حقق العدالة الاجتماعية.. تمسك بألا تكون بلاده دمية فى أيدى حكام "واشنطن" ورفض إغراءات "موسكو" ومحاولات "بكين" لاستقطابه.. إهتم الإعلام الأمريكى بتجربة الرجل, وتحذير البعض من خطورة أفكاره وتجربته فى محيطه.. بل وحتى فى الداخل الأمريكى.. خاصة وأنه ناضل للتخلص من مراكز تدريب تابعة للجيش الأمريكى, وكانت تقوم بإعداد فرق مسلحة تساند كل ديكتاتور ترضى عنه "واشنطن" ويتخرج منها ما تسميه شعوب أمريكا اللاتينية "فرق الموت"

"الحرية هدف عمر.. لم تخترع بعد الآلة التى تستطيع قتل الأهداف النبيلة" 

كانت هذه العبارة فقط ترافق صور "عمر توريخوس" فى كل مكان.. شاهد ذلك "جون بركنز" الذى ذهب إلى "بنما" لإنهاء مفاوضات حول أول خطة شاملة للتنمية.. من وجهة نظر البنك الدولى.. وسنجد المؤلف يسجل اعترافه, فيقول: "كان الأمر ينطوى على خدعة,, وسيلة لجعل بنما ترزح تحت عبء الديون, لتعود مرة أخرى إلى الحظيرة الأمريكية وتصبح دمية.. كنت قد أنهيت مهمتى فى إندونيسيا بنجاح.. حصلت على عائد أكبر بكثير من أى خيال.. إنفتح طريق الثراء أمامى, بإخضاع دولة بعد الأخرى"!!

تخيلوا أن هذا مواطن أمريكى.. إنفتح أمامه باب النفوذ والثراء.. حقق منهما الكثير وصار مرموقا ويشار إليه بالبنان.. لكن ضميره استيقظ فقرر أن يبتعد ويكتب حكايته, مع علمه بأن هذا ثمنه فادح.. فعل دون أن تنهشه "كلاب الحراسة" فلم يتهمه أحد بمحاولة هدم أمريكا.. لم يرشقه أحد بالخيانة أو الجنون.. لم يسأله أحد عن تكديره للسلم والاستقرار.. فهناك.. فى أمريكا يمارسون الحرية, ويدوسونها بالحذاء فى الدول التى تخضع لنفوذهم وسيطرة سادة "البيت الأبيض".. يتكرر الأمر فى عواصم الدول الاستعمارية.. المهم أن يدمروا مجتمعات "العالم النايم" ليحافظوا على تماسك مجتمعاتهم.. ومازالت هناك تفاصيل أخرى فى "حكاية بنما"!! يتبع