نصرالقفاص يكتب : بوابات الأموال القذرة!! (32) طبائع الاستبداد !!

نصر-القفاص-يكتب-بوابات-الأموال-القذرة-32-طبائع-الاستبداد

كانت جريدة "المؤيد" لصاحبها.. ورئيس تحريرها.. الشيخ "على يوسف" تنشر فى عام 1900, سلسلة مقالات غريبة فى صراحتها وجرأتها.. بين ما تحمله هذه المقالات فى سطورها كلمات ومعان قد تخشى قراءتها بعد أكثر من مائة وعشرين عاما على نشرها!!

تحدثك تلك المقالات عن أن "المستبد عدو للحق.. وعدو للحرية وقاتلها" وتضيف: "السلطان الذى يسمح بالمناقشة.. بالوضوح.. بالنقد.. بالاختلاف معه.. بالمعارضة له.. هو سلطان قوى.. عادل.. واثق من نفسه.. أبعد ما يكون عن الاستبداد".. وكانت المقالات تركز على أن: "التمرد عند المستبد كفر.. الحرية شبح.. المعارضة كابوس.. النقد تآمر.. النفاق عنده أهم من الكفاءة.. القرابة أشرف من العلم.. فالمستبد لا يريد أن يلتف حوله مثقفين.. يريد منافقين يؤدون خدمات مقابل ثمن.. لا يريد علماء.. يريد عوالم تدق الدفوف لمن يقف على رأس الزفة"!!

قبل أكثر من 120 سنة كانت فى مصر صحيفة تنشر تلك المقالات, التى جمعها كاتبها بعد ذلك فى كتاب "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" وربما هناك أجيال كثيرة لا تعرف اسمه.. هو "عبد الرحمن الكواكبى" الذى كان يوجه سهامه تجاه حكم الدولة العثمانية.. فقال: "لا يحب المستبد أن يرى وجهه عالم ذكى, وإذا اضطر لطبيب أو مهندس يختار المتصاغر المتملق" وأضاف: "الحكومة المستبدة تغدق المال على محاسيبها ومن يساعدونها.. يكفى الواحد منهم أن تكون له علاقة بواحد من المستبدين حتى يصبح فقره ثروة.. نفاقه نفوذا.. رياؤه سلطة".. كما يقول: "المستبد مرتعش.. مرتعد.. خائف.. إنه خائف على نفسه.. على سلطته.. إنه مهزوم أمام الدول الأجنبية.. مهزوم أمام العدو الأجنبى, فلا بديل أن ينتصر على مواطنيه كبديل وتعويض"!!

هذه الأفكار والمعانى قد نكون هجرناها.. نسيناها.. لكن سلطة المستعمر تضعها نصب أعينها.. تدرسها جيدا.. تفهم معناها.. تساعد المستبد دائما, لتحكم قبضتها على أى دولة مطلوب إدخالها فى "بيت الطاعة" الأمريكى.. البريطانى.. الفرنسى.. الروسى.. الصينى.. العثمانى.. وغيرها من بيوت الطاعة التى تتفق جميعها على أن تبقى "إسرائيل" عصى فى يدها!! وكانت مصر هى الأكثر وعيا بخطورة الاستبداد, وقاتلت حتى تخلصت منه.. قاتلت معها دول كثيرة وتخلصت من الاستعمار.. فكان الالتفاف على الجميع والعودة باستعمار جديد.. استعمار مالى.. يتحقق بإغراق الدول فى الديون, لتذهب صاغرة إلى نظام "الأوف شور" الذى يقوم على الاستبداد.. ويحميه مستبد.. وتصفق له أقلية تتكسب على حساب شعبها!!

لك أن تصدق أن "عمر توريخوس" بطل "بنما" الذى اغتالوه, كان يؤمن بما ذهب إليه "عبد الرحمن الكواكبى" وقال ذلك لصاحب كتاب "الاغتيال الاقتصادى" وحدثه عن دول هذه المنطقة.. "أدهشنى حين توقف أمام شاه إيران قائلا: سمعة السفاحين وقسوة قلوبهم, تباعد بينهم وبين الأصدقاء.. لذلك لا أعتقد أنه سيستمر طويلا  ثم صمت قليلا ونظر نحوى ثم قال: عندى حراس مسلمون يحيطون بى.. هل تعتقد أنهم قادرون على حماية حياتى إذا أرادت بلادك التخلص منى؟!"

حدث ذلك عام 1972.. كان بطل "بنما" يتوقع نهايته!

"كان عمر توريخوس يؤمن بأن الحاكم إذا التفت حوله الأغلبية.. فهو مستحيل أن يكون مستبدا.. وإذا ذهب لكى يكون أسيرا لأقلية تملك المال والنفوذ, فهو مستبد تحميه واشنطن وكل الدول التى تدور فى فلكها.. راح يحكى لى عن شركة الفواكه المتحدة – يونايتد فروت – فقال: كانت واحدة من أكبر الشركات نفوذا فى أمريكا الوسطى مطلع خمسينات القرن العشرين.. إقتضت حتمية الإصلاح إجراء انتخابات ديمقراطية فى جواتيمالا.. تم اختيار جاكوب أربينز رئيسا.. وعد أربينز بالانحياز للفقراء فى دولة يملك 3% من شعبها 70% من الأراضى الزراعية.. تحدث عن إنهاء المجاعات.. شرع فى تنفيذ سياساته ببرنامج إصلاح وطنى.. كل الفقراء فى أمريكا اللاتينية وكذلك الطبقات المتوسطة كانت تتطلع للرجل.. أنا شخصيا كنت أراه واحدا من أبطالى.. لكننا كنا نحبس أنفاسنا, لأن معايير الرجل تتعارض مع معايير شركة الفواكه.. فهذه الشركة الأكبر ملكية للأراضى فى جواتيمالا, والأكثر ظلما وقهرا للناس.. وكانت الشركة تملك أراضى شاسعة فى كولومبيا وكوستاريكا وكوبا وجاميكا وهنا فى بنما.. وفقفوا فى وجه أربينز.. أطلقوا حملة شعواء لإقناع الرأى العام الأمريكى والكونجرس, بأنه شيوعى.. ديكتاتور.. جزء من مخطط روسى.. وفى عام 1954 نفذت المخابرات المركزية الأمريكية الضربة القاضية.. قصفوا جواتيمالا بالطائرات.. أطاحوا بأربينز ونصبوا كارلوس كاستيلو آرماس السفاح المستبد.. فقام بإلغاء برنامج الإصلاح, وأسقط الضرائب عن أرباح شركة الفواكه والمستثمرين.. شطب الديمقراطية.. فتح السجون.. نال رضى المخابرات الأمريكية.. لذلك انتظر أن يغتالونى, لأنه يصعب اغتيالى سياسيا لاستحالة اختراقهم علاقتى بالشعب فى بنما"!!

يقول "جون بركنز" أن رئيس بنما "عمر توريخوس" سأله خلال لقائه معه: "كيف انطلت قذارات المخابرات المركزية الأمريكية على الشعب الأمريكى.. الجيش هنا فى بلادى هو شعبى.. لذلك لن يغتالونى سياسيا.. لكنهم يقدرون على قتلى.. هم يعرفون أننى أقف ضد شركة الفواكه التى تملكها شركة زاباتا للبترول لصاحبها جورج بوش.. وأقف ضد أصدقائه فى شركة بكتيل.. مع علمى بأن شركة بكتيل تربطها علاقات وثيقة مع نيكسون وفورد وبوش وبطانتهم.. وأعلم أن بوش سفير بلادك فى الأمم المتحدة وفورد زعيم الأقلية فى مجلس النواب.. وقيل لى أن بكتيل تسحب الخيوط من الحزب الجمهورى"! ثم يضيف "جون بركنز" قائلا: "هنا قررت أن أسأله بشكل مباشر: لماذا دعوتنى للقائك يا سيادة الجنرال؟! فنظر فى ساعته ثم قال: حان الوقت لنبدأ عملنا.. نحن فى بنما نحتاج مساعدتك.. وأستطيع القول بأننى أحتاج مساعدتك.. صعقنى قوله.. فكان ردى: مساعدتى.. ماذا أستطيع أن أقدمه لك؟!.. أجابنى: نحن سنستعيد قناة بنما.. وهذا لا يكفى.. نحن نهتم بمصالح فقرائنا.. فنحن لا نقف ضد الولايات المتحدة.. بل نقف فى صف حقوق فقراء بلادى.. ولكى نحقق ذلك نحتاج لبناء قاعدة اقتصادية.. نحن نحتاج الكهرباء,, لكننا سنبنيها مدعمة.. والأمر ذاته ينطبق على وسائل المواصلات والاتصالات وعلى الزراعة.. كل هذا يتطلب مالكم.. مال البنك الدولى وبنك التنمية الأمريكى.. وأدرك أنكم تقومون بتضخيم حجم المشروعات.. توسيع الطرق.. تعميق الموانىء وغيرها.. لكننى أقول لكم إذا قدمت أفضل ما يمكن لشعب فقير, سأكون مستعد للتعاون معكم.. ثم أضاف: أعلم تماما أن لعبة المساعدات الأجنبية.. لعبة خادعة.. فهدفها صناعة أثرياء يدينون لكم, وإغراق بلادنا بالديون لنصبح تحت رحمة الولايات المتحدة الأمريكية.. لتظل أمريكا اللاتينية تدار من وول ستريت.. وتركنى أفكر وأدرس العرض الذى يمكن أن نطرحه عليه"!!

يحدثنا "جون بركنز" عن نفسه قليلا.. فيقول: "كنت كبير اقتصاديين وخبير تخطيط اقتصادى.. وكنت ألقى محاضرات فى جامعة هارفارد.. الصحف تطاردنى لطلب مقالات تنشرها.. إشتريت يختا بحريا يرسو فى ميناء بوسطن بجوار البارجة الحربية التاريخية.. يو اس اس.. كنت أحصل على راتب ضخم وأملك أسهما وسندات بما يجعلنى أدخل عالم المليونيرات قبل أن أصل للأربعين من عمرى.. كنت أقضى أوقاتى مع حسناوات وملكات جمال فى قارات العالم.. وكل ذلك تحقق من عملى مع البنك الدولى عبر شركة مين".. ويواصل تسجيل ذكرياته فى "بنما" فيقول: "لن أنسى أننى سمعت من عمر توريخوس وكان يتحدث أمام عدد من كبار المسئولين فى بلاده, بأنه يتوقع سقوط فورد فى الانتخابات لأنه رئيس ضعيف"!!

"تحققت نبوءة رئيس بنما.. جاء كارتر ليصبح سيد البيت الأبيض.. عرفت أن عمر توريخوس تربطه صداقة بالكاتب الروائى الكبير جرهام جرين فأدركت أى نوع من الرؤساء هذا الرجل!! وكان من حسن حظى أننى تشرفت بلقائه فى الفندق الذى كنت أنزل فيه خلال زياراتى.. وسألته: لماذا لا تكتب غير الرواية؟! فأجابنى: الرواية أكثر أمنا.. معظم رواياتى تتناول هاييتى والثورة المكسيكية.. أما كتابة المقالات الصحفية قد تسبب لى خسائر فادحة.. ثم حدثنى عن إعجابه الشديد بالرئيس عمر توريخوس لانحيازه بمشاعره وفى قراره للفقراء.. ومازلت أذكر أنه قال: أخشى على حياته"!

"نجح "توريخوس" فى استعادة قناة "بنما" عام 1977 بعد مفاوضات شاقة وناجحة مع الرئيس "كارتر" وتم نقل منطقة القناة والقناة نفسها لسيادة "بنما" وبعدها ظهر كتاب للروائى "جرهام جرين" بعنوان "الجنرال كما عرفته".. يضيف "بركنز":  "كنت قد انتهيت إلى اتفاقيات له مع البنك الدولى وضح فيها انحيازى لهذا الرجل.. فقد أيقظ فى داخلى حالة كادت تمزقنى.. كنت أسأل نفسى.. كيف يحمل رئيس هموم الفقراء من شعبه إلى هذا الحد؟! كيف يقاتل رئيس ضد أغراءات النفوذ والثروة وتأمين سلطته؟! عرفت أنه يمثل نموذج لا يتكرر كثيرا.. لكنهم لا يموتون برحيل أجسادهم.. أيقظت علاقتى برئيس بنما ضميرى.. رحت أراجع جرائم شاركت فى ارتكابها ضد شعوب كثيرة فى إندونيسيا والسعودية وإيران.. فقد كنا نجوب قارات العالم, لإقناع رجال السياسة الفاسدين بالديون, على حساب شعوبهم.. فارقنى النوم وترددت كثيرا فى عملى.. لكننى شاء قدرى أن تكون مهمتى التالية أكثر قسوة على ضميرى ونفسى.. كانت مهمتى فى الإكوادور التى وجدت فيها نسخة أخرى من عمر توريخوس"!!

كانت رياح "عبد الناصر" القادمة من مصر مازالت تهب على عدد كبير من دول إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.. كان هو بنفسه قد رحل يوم 28 سبتمبر عام 1970, وبقيت أفكاره ومواقفه ملهمة لعدد كبير من الرؤساء الذين شاهدوا حلاوة انحياز رئيس لشعبه.. وبقى اسمه وتجربته شبحا يؤرق الولايات المتحدة الأمريكية وكل عواصم الدول الاستعمارية.. قرروا ضرب "عبد الناصر" على أرضه وبين شعبه بيد من جاءوا بعده.. حاولوا كثيرا.. أنفقوا وقتا وخططا وأكاذيب يصعب وزنها وحصرها.. غيروا الخطط والمناهج ولونوا الأكاذيب بكل ألوان الطيف.. لكنه عاش وعاشت تجربته.. بل توهجت فى دول عديدة كان بينها "بنما".. ثم "الإكوادور".. وهى حكاية تستحق أن نتوقف عندها.. يتبع