"هآرتس": إسـتـراتـيـجـيـة الـتـطـبـيـع الإسـرائـيـلـيـة بـدأت تـنـهـار — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

"هآرتس": إسـتـراتـيـجـيـة الـتـطـبـيـع الإسـرائـيـلـيـة بـدأت تـنـهـار

هآرتس-إسـتـراتـيـجـيـة-الـتـطـبـيـع-الإسـرائـيـلـيـة-بـدأت-تـنـهـار

بعد مرور عام على الإعلان الاحتفالي بموافقة السودان على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، تجد تل أبيب نفسها في مواجهة معضلة إستراتيجية في أعقاب استيلاء الجيش السوداني على السلطة في الخرطوم.

وظهرت الشكوك في أن المسؤولين الإسرائيليين كانوا على علم بالمؤامرة، إن لم يكونوا متواطئين صراحة فيها، وعلى الفور تقريباً بعد ورود تقرير يفيد بأن وفداً أمنياً سودانياً قد زار إسرائيل سراً قبل أسابيع فقط. وبدا هذا الشك صادقاً تقريباً في ضوء الكشف عن أن وفداً إسرائيلياً، ضم ممثلين عن الدفاع و"الموساد"، سافر إلى الخرطوم في أعقاب الانقلاب لإجراء محادثات حول مواضيع غير محددة.

وفي حين أنه من غير المعروف من ترأس الجانب الإسرائيلي في هاتين المناسبتين، يبدو أنه من الجانب السوداني كان محمد حمدان دقلو، قائد قوات الدعم السريع شبه العسكرية والحليف الرئيسي للجنرال عبد الفتاح البرهان، رئيس القوات المسلحة السودانية والمسؤول عن الانقلاب.

ولسوء الحظ، حتى لو لم تكن هناك أسباب للاعتقاد بأن مسؤولي الجيش والمخابرات الإسرائيليين كانوا متواطئين في الانقلاب العسكري، وهو احتمال تكهن به حتى بعض الصحافيين الإسرائيليين علانية، فإن إسرائيل بعيدة كل البعد عن كونها مجرد متفرج بريء.

وتعد إسرائيل طرفاً معنياً له مصالح خاصة، وهي مرتبطة رسمياً بالانتقال السياسي في السودان في ضوء قرار إدارة ترامب غير الحكيم العام الماضي بإجبار الخرطوم على الموافقة على تطبيع العلاقات مع تل أبيب مقابل حزمة من الحوافز المالية الحيوية، بما في ذلك شطب السودان من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب.

وفي الوقت الذي كان يُحكم فيه السودان بترتيب هش بين أصحاب المصلحة العسكريين والمدنيين، ويخضع لعملية هشة من التحول الديمقراطي، قلنا: إن إسرائيل، بشكل مثير للجدل، كانت تخاطر بتقوية العناصر ذاتها التي شكلت أكبر عائق أمام انتقال سلس إلى الحكم المدني، في المقام الأول الجيش الذي تولى القيادة في إقامة اتصالات مع إسرائيل، والإسلاميين الذين عارضوا أي اتصالات من هذا القبيل.

وفي هذه الحالة، نحّى رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت، بنيامين نتنياهو، جانباً مصالح إسرائيل طويلة الأجل لصالح انتصار قصير الأجل في العلاقات العامة في شكل اتفاق تطبيع آخر مع دولة مسلمة. وبذلك، انضم إلى رغبة الرئيس الأميركي آنذاك، دونالد ترامب، في تحقيق نصر سريع لتحقيق مكاسب سياسية سريعة، قبل أسبوعين فقط من الانتخابات الرئاسية الأميركية.

وكان الخطر المتمثل في أن مثل هذه الخطوة ستضيف مزيداً من الاحتكاك إلى العملية السياسية الداخلية في السودان، وهي عملية لن يؤدي انحرافها عن مسارها إلى القضاء على فرص البلاد في التحول إلى ديمقراطية ذات توجه غربي فحسب، بل ستدفعها إلى اضطراب سياسي طويل الأمد وربما حتى حرب أهلية كان يمكن تجنبها. فقد كان السودان، بعد كل شيء أداة وليس شريكاً.

ومن المؤكد أن الاضطرابات في السودان ستشكل أولاً وقبل كل شيء مأساة لشعب السودان. ولكن كما قدّر نتنياهو، فإن ذلك سيقوض أهداف إسرائيل الإستراتيجية الأوسع نطاقاً.

وفي غياب حكومة عاملة، لن يكون السودان في وضع يسمح له بالشراكة والتعاون مع إسرائيل في أي عدد من القضايا، بما في ذلك المصالح ذات الصلة بالإستراتيجية المتعلقة، بشكل عاجل، بالإجراءات الإقليمية الإيرانية مباشرة ومن خلال وكلائها، داخل السودان والبحر الأحمر. وهذه المصالح بالذات هي التي يبدو أنها وجهت التحركات الإسرائيلية الأخيرة على خلفية الانقلاب العسكري في السودان.

وبالتأكيد، من منظور أمني محدد بدقة، فإن إسرائيل محقة في السعي للحصول على تأكيدات من القيادة العسكرية السودانية بأن أي تفاهمات أولية حول التعاون الأمني والاستخباراتي، التي تم التوصل إليها قبل الانقلاب، سيتم دعمها.

وهكذا، على سبيل المثال، فإن من دواعي القلق البالغ لإسرائيل أن إنشاء قاعدة استخباراتية على البحر الأحمر، على الأرجح بالقرب من مدينة بورتسودان الساحلية الرئيسية في السودان، لن يتعرض للخطر، على الأقل بالنظر إلى الاضطرابات الأخيرة في المنطقة التي شهدت حصار متظاهرين قبليين للميناء لعدة أسابيع.

وعلى الرغم من ذلك، حتى مع أنه من السابق لأوانه معرفة كيف سينتهي الانقلاب العسكري في السودان، فإن الإجراءات الأخيرة للقدس تشير إلى أنه ليس لديها سياسة مدروسة فعلية تجاه الخرطوم. وتتطلب العلاقات الإسرائيلية السودانية نظرة أوسع وأكثر دقة، خاصة أن القيادة العسكرية الجديدة فشلت في كسب الشرعية من واشنطن والقوى الغربية الرئيسية الأخرى.

وفي الواقع، إن الإدانة القوية من قبل إدارة بايدن، التي علقت بالفعل 700 مليون دولار من المساعدات المالية للسودان، يجب أن تلقي بظلالها على التقارب الإسرائيلي مع القيادة السودانية بدلاً من تحفيزها.

وتؤكد إمكانية أن تكون الإجراءات الإسرائيلية، على أقل تقدير، قد تم تنسيقها مع واشنطن، فقط على الفائدة الواضحة في هذا التحدي، أي أن إسرائيل مصممة على السير في مسارها الخاص ومستعدة لإثبات فائدتها لحلفائها إذا رغبوا في ذلك.

وفي كلتا الحالتين، فإن سلوك إسرائيل يغذي التفكير الدبلوماسي والإستراتيجي المضلل.

وهو أمر مضلل، لأنه يغذي المفاهيم السودانية الخاطئة حول نفوذ تل أبيب على واشنطن، وهي المفاهيم السائدة ليس فقط في العالم العربي والإسلامي ولكن أيضاً في العديد من العواصم الأوروبية. وهي مضللة في عدم قراءتها للخارطة الإقليمية والدولية.

وعلى عكس القبول العالمي للانقلاب المضاد للثورة في مصر، الذي أطاح حكومة محمد مرسي، فمن غير المرجح أن تقبل القوى الغربية الانقلاب المضاد للثورة في الخرطوم. فالإطاحة بقيادة إسلامية، حتى لو كانت منتخبة ديمقراطياً شيء، وعرقلة العملية السياسية التي تحمل وعوداً بديمقراطية ذات توجه غربي شيء آخر تماماً.


وبدلاً من السماح للمصالح الأمنية الضيقة المقترنة بالغطرسة الدبلوماسية بقيادة سياستها تجاه الخرطوم، فإن لدى إسرائيل وحكومتها الجديدة نسبياً فرصة لإعادة التفكير في نهجها تجاه السودان. وقد يساعد هذا النهج، الذي قد يُطلق عليه التطبيع التفاضلي، أيضاً في إعادة تشكيل النظرة تجاه الفرص الدبلوماسية مثل الوساطة في العلاقات مع المزيد من الخصوم السابقين على نطاق أوسع.

وفيما يتعلق بالسودان، يجب على إسرائيل أن تكبح غرائزها وأن تمضي بحذر، وتقتصر علاقاتها مع القيادة العسكرية على الاحتياجات الأمنية والاستخبارية الأكثر حيوية.

وتنطبق حاجة إسرائيل إلى تبني نهج أكثر حذراً ودقة في التعامل مع السودان أيضاً عن اللاعبين الإقليميين الآخرين. وفي الواقع، لا عجب أنه على الرغم من التوقعات بأن 9 دول قد تحذو حذو الإمارات والبحرين وتطبع العلاقات مع إسرائيل، فإن دولة واحدة فقط بالإضافة إلى السودان فعلت ذلك، وهي المغرب، التي اتخذت خطوة مقابل الفوز بالاعتراف الأميركي بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية.

وفي حين أن إحجام الآخرين عن الانضمام، لا سيما عُمان والسعودية، ربما كان له علاقة بمجموعة واسعة من الاعتبارات، بما في ذلك توقع حدوث تغيير في الإدارة في واشنطن، إلا أن نهج إسرائيل المتشدد كان عاملاً.

وتعد الطريقة التي أخطأت بها إسرائيل في المحادثات المباشرة وجهاً لوجه في اجتماع بين رئيس الوزراء آنذاك نتنياهو وولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في نيوم، في تشرين الثاني الماضي، مثالاً على ذلك.

وولّد الإعلان المتهور للإعلام الإسرائيلي عن الاجتماع، الذي كان من المفترض أن يظل غير معلوم، رد فعل عنيفاً كبيراً من معارضي التطبيع مع إسرائيل من داخل الأسرة المالكة السعودية، وسحق كل احتمال لتحقيق انفراجة دبلوماسية خلال الأسابيع الأخيرة لإدارة ترامب.

وبعد كل شيء، لا يوجد بلد مثل بلد آخر، ولا يجب أن تكون أي علاقة مثل أخرى. فما يناسب الإمارات والبحرين، مع بعض التعديلات، لا يناسب ولا يمكن أن يناسب السعودية أو العراق أو جيبوتي.


ومع ذلك، فإن مقاربة إسرائيل ذات المقاس الواحد الذي يناسب الجميع لم تنشأ من اتفاقيات التطبيع الأخيرة. لكنها شكلت موقفها تجاه الحلفاء والمنافسين على حد سواء منذ توقيع معاهدة السلام مع مصر للعام 1979 على الأقل. وفي الواقع، يفسر ذلك سبب استياء إسرائيل من السلام البارد مع مصر ونفاد صبرها من موقف الأردن المتعثر.

وفي خيال إسرائيل الدبلوماسي الأبيض والأسود، يجب أن يُترجم السلام إلى علاقة دافئة ومزدهرة، مع تفاعل كبير في التجارة والسياحة. وهنا فإن أي شيء أقل من ذلك يبدو كأنه ازدراء لإسرائيل.

وهذا هو الموقف نفسه الذي أعاق الجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق سلام مع سورية، خاصة خلال الأيام الأخيرة لحافظ الأسد في العام 2000، عندما ردعت مطالب إسرائيل بسلام كامل الزعيم المريض خوفاً من أن ابنه وخليفته على ما يبدو، بشار، لن يتمكن من التغلب على المعارضة الداخلية التي كان من المتوقع أن يولدها تدفق البضائع الإسرائيلية والسائحين الإسرائيليين.

وفضل رئيس الوزراء آنذاك، إيهود باراك، ما عرف بـ"نهج التباطؤ" حيث رأى أن الأسد لم يكن جاداً بما فيه الكفاية.

وأخيراً، قد تساعد سياسة التطبيع التفاضلي إسرائيل أيضاً في التغلب على بعض المقاومة المتأصلة لتحقيق تقدم ملموس مع الفلسطينيين.

وتشير مطالب إسرائيل التي لا حصر لها على ما يبدو من الفلسطينيين على مستوى موقفهم من إسرائيل، سواء كان الاعتراف بإسرائيل كـ"دولة يهودية" أو التخلي عن حق العودة، جميعها إلى نفس الصعوبة الجوهرية لفهم اتفاقية سلام، خاصة ما يتطلب تقديم تنازلات مفترضة مؤلمة، لا تعكس تبادل المصالح. وهو سبب آخر لفشل إسرائيل في القيام بكل ما كان يمكن أن تفعله للتوصل إلى اتفاق الوضع النهائي مع منظمة التحرير الفلسطينية، ومع مراعاة ما يقتضيه اختلاف الحال هدنة طويلة الأمد مع "حماس".

ولن تفتح سياسة التطبيع التفاضلي فقط عالماً من الاحتمالات لإسرائيل لا تزال حتى الآن غير قابلة للتصور، لكنها ستساعد أيضاً إسرائيل على صنع سلام حقيقي من اتفاقات السلام التي أنجزتها بالفعل.

بقلم: يوناتان توفال