"هآرتس".. انهـيـار «بـــرج الــــورق» فــي أفــغـــانســتــان: لمــــاذا؟ ومــــاذا بــعــد؟ — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

"هآرتس".. انهـيـار «بـــرج الــــورق» فــي أفــغـــانســتــان: لمــــاذا؟ ومــــاذا بــعــد؟

هآرتس-انهـيـار-بـــرج-الــــورق-فــي-أفــغـــانســتــان-لمــــاذا-ومــــاذا-بــعــد

الأمر الوحيد الذي يمكن أن يستغرق وقتاً أطول من الوقت الذي استغرقته الولايات المتحدة لإخراج نفسها من المغامرة العسكرية والتجربة السياسية الفاشلة التي تسمى افغانستان، هو الاعتراف والاستيعاب من قبل نخب السياسة الخارجية والدفاع الأميركية بأن كل افتراضاتهم الأساسية كانت خاطئة وأن سياستهم لم تقم على اساس وهي عديمة الجدوى.


من حسن حظ أميركا أن الرئيس جو بايدن قصر الفترة الزمنية وهذه العملية المؤلمة، وربما أنه وفر عليها عشرين سنة أخرى من التواجد الزائد وتريليون دولار و2400 قتيل أيضا.

من السابق لأوانه التقدير والحكم، لكن ربما أن هذه العملية تبشر بتناسق بين تغيير سلم أولويات الولايات المتحدة وبين تشكيل سياسة خارجية جديدة. حتى الآن هذا الأمر تميز بعدم التناسق، إنما بتناقض جوهري وعملي بين الطريقة التي ترى فيها الولايات المتحدة العالم وتحدد فيها مصالحها وبين السياسة التي يمكن أن تعالج التغييرات.

من ناحية استراتيجية وجيوسياسية فان الانسحاب من أفغانستان كان خطوة مطلوبة وحيوية، حتى لو جاءت بتأخير بارز. تحولت عملية عسكرية واسعة ومبررة بعد احداث الحادي عشر من ايلول 2001 الى غزو كامل ومطاردة للقاعدة. لا يفسر المبرر الموجود في السياسة الاولى ولا يبرر ولا يخفف العشرين سنة من التمسك بمفهوم خاطئ، وعشرين سنة من الغباء السياسي والعسكري. معركة لا يمكن الانتصار فيها ولا توجد لها انجازات ملموسة ومصالح حيوية، يجب انهاؤها. ولكن الدول والأنظمة البيروقراطية ودوائر صناع القرار على مدى عشرين سنة، لم تغير رأيها ولم تتعلم من الأخطاء ولم تقوّم المسار، بل العكس. صناع القرار، في الماضي وفي الحاضر، يصممون على أنهم كانوا على حق، ويطورون رواية منظمة تبرر أفعالهم، ويحللون الواقع فقط بصورة يسهل فيها الادعاء، ويقومون بتلاعب دائم بالمعلومات الاستخبارية وتقدير الوضع. هم يستندون الى نظام بيئي كامل يؤيدهم ويستجيب لما تريده واشنطن. معاهد أبحاث وشركات كبيرة ووسائل إعلام ومواقع في الانترنت، جميعها تتبنى الرواية عن "محاربة الإرهاب" التي تبرر البقاء في افغانستان.

من ناحية الولايات المتحدة، أفغانستان هي جزء من المنطقة الواسعة جدا التي تسمى الشرق الاوسط. وهي منطقة توجد الولايات المتحدة في عملية انسحاب تدريجية وانفصال عنها، وذلك لأسباب عدة، منها: تفكك الاتحاد السوفييتي؛ اختفاء استراتيجية "وقف الشيوعية"؛ الاستقلال في الطاقة الذي يقلص حاجة الولايات المتحدة الى نفط الشرق الأوسط الى درجة الصفر؛ التعب من التدخل والتورط العسكري في المنطقة والذي تحول الى معارك مستمرة أو الى "حروب ابدية"، كما سمى ذلك بايدن؛ خيبة الامل من عمليات دمقرطة في العالم الاسلامي بشكل عام والعالم العربي بشكل خاص؛ نقل معظم الطاقة والاهتمام والموارد والمصالح الى الصين وشرق آسيا.

اذا كان هذا هو التوجه في الـ 10 – 15 سنة الاخيرة فلماذا استغرق الولايات المتحدة كل هذا الوقت الطويل للانسحاب؟ في نهاية المطاف لا يوجد أي شخص من بين الـ 331 مليون اميركي يعرف كيف يشرح بطلاقة وبشكل منظم ومقنع ما هي مصالح الولايات المتحدة في افغانستان. هل كانت في السنوات الاخيرة نقطة تغيير، وهي النقطة التي يبدأ عندها الاتجاه في التحول الى اتجاه مختلف تماماً، والتي استنتجت منها الولايات المتحدة بأن السياسة يجب أن تكون ملائمة للواقع، والوسائل ملائمة للخارطة والموارد ملائمة للمصالح؟. الخاصية التي تميز نقطة التغيير هي على الاغلب مخفية عن أعين ابناء ذاك العصر، لذلك يصعب تحليلها.

هي تتضح فقط بعد ذلك، وفي هذه الحالة كانت هذه خارجية: صعود الصين، زيادة قوتها الاقتصادية والقدرة على ابراز عضلاتها السياسية والعسكرية. من الأرجح أنه لولا الصين لكان النظام البيئي المغلقةلواشنطن سيواصل التمسك بالرواية نفسها بشأن افغانستان.

في العشرين سنة من الخطاب العام والمهني في موضوع افغانستان، كان التطرق اليها بصورة طبيعية تقريبا كدولة "قومية" فاشلة. هذا هو جذر الفشل. افغانستان ليست دولة وليست قومية، بل هي خليط غير متجانس ومتنوع من البشتون (40 في المئة) والطاجيك والاوزباك والتركمان والبلوش والقرغيزيين وعشر مجموعات اثنية اخرى. قسمت الجغرافيا والسياسة الاقليمية والثقافة والتاريخ للوحدة الجغرافية التي تسمى "افغانستان" هذه المجموعات الى قبائل وحمائل وعائلات، يتم فيها اعطاء الولاء والالتزام والاخلاص والاحترام للسلطة والقوة وفقا لهذه الهرمية. لا لحكومة مركزية في كابل، وبالتأكيد لا لحكومة تشكلت على حراب الاميركيين. التفكير في أن هذه المجموعات يمكن أن تشكل أمة، وأن الديمقراطية أو حتى شبه المؤسسات واجراءات وقوانين ديمقراطية، ستضرب جذورها وتصمد، هو تفكير لا أساس له.

بسبب ذلك، مجرد استخدام اميركا لمفاهيم مثل "بناء أمة" و"حكومة مركزية" و"جيش واحد خاضع لسيادة الحكومة" و"سلطة القانون" و"الحوكمة" و"البيروقراطية"، وجميعها هي مفاهيم ليس لها أي منطق أو أي علاقة بالوضع الافغاني. في افضل الحالات مصدرها الجهل واهداف نبيلة، وفي أسوأ الحالات هي خداع وتلاعب شارك عشرات ومئات السياسيين والموظفين والضباط الأميركيين الذين قاموا ببناء برج من الورق في الهواء وسوقوه على أنه عقار ثابت وفاخر.

فقط في حالتين في التاريخ قامت الولايات المتحدة بغرس ديمقراطية ناجعة وقادرة على العمل، وهما في المانيا وفي اليابان المحتلتين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في العام 1945. ولكن ألمانيا النازية واليابان الإمبراطورية كانت دولا قومية متجانسة ولها تاريخ غني (رغم أنه مختلف جدا من حيث البنية والثقافة السياسية) في الحكم المركزي، وجهاز قضائي وبيروقراطية ونخب ومؤسسات وادارة تراتبية وانضباط مدني.

باعت الولايات المتحدة لنفسها وللعالم خلال عشرين سنة هذه القصة المختلقة. وعلى الاقل منذ عقد القيادة العليا لثلاث ادارات متواصلة، اوباما وترامب وبايدن، تعرف أن هذا لا يعمل. وأن الإنجازات العسكرية هي متخيلة وأنه لا يوجد أي نجاح سياسي وأن هذا يعتبر تبذيرا للموارد والطاقة والقدرة في ساحة غير مهمة كلياً.

الانتقادات في الولايات المتحدة على "فقدان الزعامة" وتآكل الثقة مصدرها هذه المجموعة المهيمنة التي مهدت الطريق لهذه الحرب واستمرت في تبرير نفسها بواسطة تشويه الواقع والحقائق. الانتقاد نفسه في العالم مصدره الذين باسم المبدأ "الفضفاض والضعيف"، زعيمة العالم، يطلبون من الولايات المتحدة نزف دماءها واستثمار مبالغ طائلة في الدفاع عن العالم، في حين أن الولايات المتحدة تهمل بصورة اجرامية البنى التحتية والجهاز الصحي وجهاز التعليم والمساواة الاجتماعية في داخلها.

من ناحية اخرى، عند انتهاء مغامرة افغانستان، هناك من اعلنوا بانفعال وبشكل احتفالي عن "عقيدة بايدن". هذا تبجح وأمر سابق لأوانه. التركيز على الصين وتعزيز تحالفات قائمة والوقوف أمام سلوك روسيا في مجال السايبر وتشكيل حلف جديد مع الهند، في منطقة الهند – المحيط الهادئ، ومع استراليا واليابان وقيادة سياسة في موضوع المناخ والاحتباس الحراري، ليس عقيدة، بل هو يمثل العقل السليم، بالضبط مثل الخروج من أفغانستان.


بقلم: ألون بنكاس