«هآرتس»: هروب السجناء يضخّ الهواء في أشرعة النضال الفلسطيني

هآرتس-هروب-السجناء-يضخّ-الهواء-في-أشرعة-النضال-الفلسطيني

بقلم: ديمتري شومسكي

مقال هيئة التحرير في صحيفة «هآرتس» يوم 10/9 يقول وبحق إن الرد الظاهر لمصلحة السجون على هروب السجناء الستة من سجن جلبوع (اربعة منهم تم إلقاء القبض عليهم حتى الآن)، والذي أساسه عقاب جماعي لجميع السجناء الفلسطينيين وتشديد كاسح لظروف سجنهم بهدف تنغيص حياتهم، هو رد مشين. مع ذلك، يجب الاعتراف بأن هذا الرد هو رد طبيعي ومفهوم بحد ذاته.

جمهور السجناء الفلسطينيين المسجونين في دولة إسرائيل، الذي يوجد داخله قتلة ومحاربو حرية ونشطاء ميدانيون وسياسيون من أنواع مختلفة، يرمز بشكل واضح إلى حقيقة أن الشعب الفلسطيني محروم من الحرية. لذلك، نجاعة سيطرة مصلحة السجون على حرية السجناء الفلسطينيين تعطي الدعم الثانوي المهم والجوهري لمنظومة القمع الشاملة للحركة الوطنية الفلسطينية.

لهذه الاسباب ذاتها يُعتبر النضال بالنسبة للفلسطينيين من أجل تحرير السجناء إحدى الساحات الرئيسية للنضال الفلسطيني العام من أجل التحرر الوطني. هكذا فانه عندما ينفذ ستة سجناء من الشعب الفلسطيني هروبا جريئا جدا من سجن الاحتلال الإسرائيلي فإن هذا الامر يضخ رياحاً جديدة في أشرعة النضال الوطني الفلسطيني.

على الرغم من أن معظم الفارين تم القاء القبض عليهم حتى الآن، إلا أنه يجب علينا أن لا نتجاهل القيمة الرمزية كبيرة المغزى لحدث الهروب من سجن المحتل للروح الوطنية للشعب الفلسطيني المضطهد والمستعبد.


كل ذلك بشكل خاص على خلفية الحضيض غير المسبوق الذي وصلت اليه الحركة الوطنية الفلسطينية الآن. وجود الشعب الفلسطيني غائب الآن تقريباً عن الوعي الدولي؛ والنضال غير المسلح الذي يحاول الدفع به قدماً عدد من الفلسطينيين ومن يؤيدونهم في ارجاء العالم يمر بعملية نزع شرعية متواصلة، ويتم عرضه بصورة كاسحة ومثيرة للاشمئزاز ومتلاعبة كـ «نضال لاساميّ»؛ والتهجير الزاحف للتجمعات الفلسطينية في جنوب جبل الخليل وغور الاردن واماكن اخرى في الضفة الغربية يتسارع بدون أي ازعاج.

رغم ذلك، ها هم بضعة فلسطينيين متعطشين للحرية لا يستسلمون، بل يحفرون بدون كلل طوال أشهر نفق الحرية تحت السجن. بهروبهم عبره هم ينقلون لابناء شعبهم رسالة حادة وواضحة وهي أنه يجب مواصلة النضال بدون كلل من اجل التحرر الوطني، سواء في سجون الاحتلال الصغيرة مثل سجن جلبوع أو في السجون الكبيرة والضخمة التي تقع خلف الجدران والاسوار في الضفة الغربية وقطاع غزة.

لا شك أنهم في مصلحة السجون، لكونها احد الاذرع المهمة في منظومة السيطرة على الشعب الفلسطيني، يدركون جيدا هذا الرسالة. فهم وقادة الاحتلال الذين فوقهم يخافون، وبحق، من أن بصيص الامل الذي اضيء في نهاية النفق الذي تم حفره تحت سجن جلبوع يمكن أن يشعل لهباً أكبر من الانتفاضة الشعبية. وهم يصممون على إحباط اندلاعه قبل حدوثه. من هنا تأتي خطوات العقاب الجماعي ضد السجناء الفلسطينيين الذين يشكلون، ليس فقط الرمز للنضال الفلسطيني، بل ايضا رأس الحربة في هذا النضال.

في هذه المرحلة لا نعرف اذا كان سيتمكن المحتل الإسرائيلي من منع اندلاع تمرد واسع النطاق للسجناء، يمكن أن يمتد الى خارج جدران السجون، بالضبط على خلفية القاء القبض على معظم الفارين. ولكنّ هناك أمراً واحداً واضحاً وهو أن افتراض رئيس الحكومة بأنه يمكن العيش الى جانب «المشكلة الفلسطينية» بهدوء نسبي ومن خلال خفض «حجم التوتر في مجال الاقتصاد»، مثلما نتعايش بالاكراه مع «كورونا» أو في ظل حوادث الطرق التي لا يمكن استئصالها بشكل مطلق، هو افتراض يرتكز الى وهم ساذج، ولا يناسب شخصا يُعتبر نفسه يقف على أرض الواقع.

الشعب الفلسطيني لن يذهب من هنا الى أي مكان. مع ذلك، هو يرفض الخضوع للأمر الالهي التوراتي الذي يأمره بالاختفاء. وابناؤه وبناته يواصلون القتال، بعضهم بوسائل قاتلة وبعضهم بوسائل سليمة ومشروعة، من أجل تحقيق هدف لا مثيل له في عدالته وهو التحرر الوطني من نير الاحتلال الأجنبي المهين والقمعي.