هل تتحول أفغانستان إلى ساحة للتنافس الإقليمي بين دول الخليج وإيران؟

هل-تتحول-أفغانستان-إلى-ساحة-للتنافس-الإقليمي-بين-دول-الخليج-و-إيران

مع سيطرة طالبان السريعة على أفغانستان، استعد الدبلوماسيون في كابول للخروج من البلاد. وكما كان متوقعا، قامت الولايات المتحدة والبعثات الغربية الأخرى بتعبئة حقائبها بسرعة. لكن الأمر المثير للدهشة هو أن سفارتي السعودية والإمارات فعلتا نفس الشيء.


وكانت هذه الخطوة مثيرة للدهشة؛ لأن البلدين الخليجيين كانا الدولتين الوحيدتين، إلى جانب باكستان، التي اعترفت بحكومة طالبان في التسعينيات. ولاحقا، تبين عمق الخلاف بين الإمارات وطالبان عندما رحبت أبوظبي بالرئيس الأفغاني السابق الهارب "أشرف غني".

وخلال الأعوام الماضية، اتسع الخلاف بين طالبان وحلفائها السابقين في الخليج (السعودية والإمارات). ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى علاقات طالبان الوثيقة مع خصومهما الرئيسيين (قطر وإيران). ويمكن أن يتصاعد الأمر الآن إلى صراع أكثر خطورة إذا قام الخصوم الإقليميون بدعم جهات فاعلة مسلحة مختلفة في أفغانستان.

وفي عام 2013، تغلبت الدوحة على الإمارات والسعودية ونجحت في استضافة المكتب السياسي لطالبان الذي كان مركز دبلوماسيتها الإقليمية. وبينما أصرت الرياض وأبوظبي على أن تنبذ طالبان القاعدة كشرط لاستضافة الحركة، جاء عرض قطر دون شروط.

ومنذ ذلك الحين، لعبت قطر دورا محوريا في المفاوضات بين طالبان والقوى الأجنبية، واستضافت محادثات السلام التي توجت بتوقيع اتفاق الدوحة في فبراير/شباط 2020. وعندما توجهت القيادة السياسية لطالبان إلى قندهار الأسبوع الماضي، تم الكشف أنها سافرت على متن طائرة تابعة للقوات الجوية القطرية.

وبفضل دورها المحايد في الحرب، تمكنت قطر من بناء علاقة وثيقة مع طالبان. وعلى النقيض من ذلك، قطعت الإمارات والسعودية العلاقات مع إمارة طالبان بسرعة بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001، ودعمت التدخل العسكري في أفغانستان بقيادة الولايات المتحدة، حتى أن الإمارات ساهمت بقوات.

واتخذت السعودية خطوات أخرى لم تكن محببة لطالبان مثل إقامة علاقات أوثق مع حكومة "غني"، وعقد مؤتمر للعلماء في عام 2018 لتشويه سمعة جهاد طالبان، ومحاولة تقسيم الحركة عن طريق استقطاب عناصر طالبان المناهضة لإيران.

استراتيجية معقدة

وعلى مدى العقد الماضي، قامت طهران بتوسيع دعمها لطالبان؛ حيث ورد أنها تستضيف مجلس شورى طالبان كما تقدم المشورة العسكرية للحركة. ويعتبر ذلك مناقضا لما كان عليه الوضع في التسعينيات عندما دعمت إيران المقاومة ضد إمارة طالبان، المعروفة باسم التحالف الشمالي، وكادت أن تخوض حربا مع النظام الأفغاني.

وفي الأعوام الأخيرة، ازداد التفاعل بين طالبان وإيران. وسافرت وفود الحركة بانتظام إلى إيران أكثر مما سافرت إلى السعودية أو الإمارات. وكانت طهران على طاولة المفاوضات في العديد من المبادرات متعددة الأطراف لحل النزاع، بما في ذلك صيغة موسكو وعملية كابل.

لكن إيران لا تلقي بثقلها بالكامل في معسكر طالبان، وقد اتبعت استراتيجية تحوط معقدة في أفغانستان؛ حيث دعمت كل من الحكومة وطالبان، بينما ورد أنها تنشر مليشياتها الشيعية "فاطميون" في البلاد من أجل ممارسة نفوذ على أي جهة تنتصر في الحرب.

ومع انتصار طالبان، يبدو أن طهران الآن في وضع جيد لجني ثمار علاقتها مع الحركة. وأبقت إيران سفارتها في كابل مفتوحة، في إشارة إلى اعتراف دبلوماسي محتمل. وهناك أسباب عديدة للتعاون بين الجانبين بما في ذلك التجارة وملف الهجرة ومكافحة المخدرات.

ويعتبر المسرح مهيأ للقوى الإقليمية للتنافس على النفوذ في أفغانستان، لكن الصراع بالوكالة سيبدو مختلفا عن التسعينيات. ففي ذلك الوقت، دعمت باكستان والسعودية والإمارات طالبان، ودعمت إيران وروسيا والصين المعارضة المناهضة لطالبان.

لكن حاليا تشهد علاقات السعودية والإمارات مع طالبان توترات عميقة، بينما تدعمها طهران وموسكو وبكين. علاوة على ذلك، لم تعد باكستان مرتاحة في العلاقة مع الرياض وأبوظبي كما كانت في التسعينيات بسبب القرب المتزايد لهاتين الدولتين من الهند وصمتهما بشأن قضية كشمير.

غياب النفوذ الأمريكي

ومن المرجح أن تظل الولايات المتحدة على الهامش في مثل هذه المنافسة. وبعد عقدين من الصراع الدموي غير المجدي، من الصعب تخيل واشنطن تجدد حملتها الفاشلة لقمع الحركة.

ومن شأن الغياب الأمريكي أن يضعف أي جهود قد تختار السعودية والإمارات القيام بها.

وفي اليمن، حظيت كلتا القوتين بدعم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ومن المحتمل ألا يكون هذا هو الحال هنا. وقد أظهرت إيران من خلال دعمها المتواضع للحوثيين أنها قادرة على إحداث آلام خطيرة لخصومها بوسائل محدودة.

ومع ذلك، فإن رفع الحصار عن قطر في يناير/كانون الثاني والتحسن الطفيف في العلاقات بين السعودية والإمارات وإيران في الأشهر الأخيرة يشير إلى رغبة في تخفيف الصراع الإقليمي، فضلا عن امتداده إلى مسارح أخرى مثل أفغانستان.

لكن تصميم إدارة "بايدن" على العودة إلى الاتفاق النووي أثار قلقا في عواصم الخليج من أنها قد تواجه قريبا طهران أقوى بفضل الأموال الناتجة عن تخفيف العقوبات. وقد تكون هذه المخاوف حافزا لمواجهة النفوذ الإيراني في أفغانستان.

حرب جديدة بالوكالة

وقد تتجه الرياض وأبوظبي إلى تمويل الجماعات المسلحة المناهضة لطالبان وتأجيج الحرب الطائفية في أفغانستان من خلال السعي إلى توريط مليشيا "فاطميون" الإيرانية. والاحتمال الآخر لأولئك الذين يسعون إلى زعزعة استقرار نظام طالبان هو حركة المقاومة الناشئة التي يقودها نجل "أحمد شاه مسعود".

ولا يزال من غير الواضح إذا كانت هذه المحاولات مجدية، لكن جيب "مسعود" في بنجشير لم يقع بعد في أيدي طالبان، وهناك شائعات غير مؤكدة عن دعم حملته من قبل طاجيكستان.

وفي كل الأحوال، فإن عدم الاستقرار في أفغانستان أمر غير مرحب به على الإطلاق بالنسبة لإيران، التي ستستمر في مواجهة تدفقات المخدرات واللاجئين من جارتها، ناهيك عن انخفاض فرص التجارة والاستثمار.


ولا يزال الكثير غير مؤكد بشأن مستقبل أفغانستان. لكن من المؤكد تقريبا أن تستمر القوى الإقليمية في التنافس على النفوذ هناك. وقد تكون استضافة الإمارات لـ"غني" هي البداية لحرب جديدة بالوكالة.


المصدر | روبرت ستون/ميدل إيست آي