هل سيكون انتصار "طالبان" بمثابة نهاية لهيمنة الولايات المتحدة العالمية؟

هل-سيكون-انتصار-طالبان-بمثابة-نهاية-لهيمنة-الولايات-المتحدة-العالمية؟

مر ما يزيد قليلاً عن 3 عقود منذ طُرد الاتحاد السوفيتي من أفغانستان، في لحظة إذلال تاريخية. وبعد 32 عامًا، واجهت الولايات المتحدة نفس المصير.

وبرزت نفس القصة في كلتا الحالتين؛ قوة عظمى عالمية هزمها مجموعات من القرويين في واحدة من أفقر دول العالم.


هذه لحظة تاريخية عالمية، تثير سؤالين بالغي الأهمية، يتعلق الأول بأفغانستان نفسها؛ فهل ستغرق في حرب أهلية كما حدث بعد انهيار الحكم السوفيتي؟، ويتعلق الثاني بالولايات المتحدة، فهل سيكون انتصار "طالبان" بمثابة نهاية لهيمنة الولايات المتحدة العالمية؟، هناك أسباب للاعتقاد بأن إجابة هذا السؤال هي "نعم".

نبدأ بالخطر الأكثر إلحاحًا، والمتمثل في عودة الحرب الأهلية. وبالرغم من أن هذا السيناريو محتمل، لكن هناك أسبابًا تجعلنا نأمل بعدم حدوث ذلك.


"طالبان" مختلفة

أولاً، عانت أفغانستان من أكثر من 40 عامًا من الصراع منذ الغزو السوفيتي عام 1979، ويتوق معظم الناس إلى حياة هادئة، وبالفعل فإن الأفغان متعبون من الحرب أكثر من غيرهم.

وثانيًا، كانت حركة "طالبان"، التي وصلت إلى السلطة في منتصف التسعينيات وارتكبت فظائع، بدائية وطائفية ومتعصبة ومتأثرة بالفقر والمعاناة. أما الآن، فالعديد من قادة "طالبان" أكثر تطوراً، وبعضهم حاصل على شهادات جامعية، وهم أقل طائفية بكثير، ويتجلى ذلك في رسائل الطمأنة التي وجهتها الحركة لكافة الأطراف منذ سيطرتها على كابل.

وقبل 25 عامًا، قتلت حركة "طالبان" أعدادا كبيرة من الشيعة الهزارة، الذين يشكلون ثالث أكبر مجموعة عرقية في أفغانستان وأكبر مجتمع أقلية دينية. ولكن في العقدين التاليين، طورت "طالبان" علاقات وثيقة مع إيران الشيعية.

كما ستكون الصين أيضا عاملا رئيسيا، فهي تريد الاستثمار في أفغانستان، فإن الاستقرار السياسي سيكون من مصلحتها.

ومن الجدير بالذكر أن "حامد كرزاي"، الذي اتُّهم بأنه "دمية أمريكية" عندما أصبح رئيسا قبل 20 عاما، يجري محادثات الآن مع "طالبان".

وأبدى بعض النواب البريطانيين قلقهم من إيواء طالبان للإرهابيين، لكن من أوائل إجراءات طالبان بعد السيطرة على كابل، كان إعدام "أبو عمر خراساني"، زعيم تنظيم "الدولة الإسلامية"، الذي اعتقلته قوات الأمن الأفغانية العام الماضي. ومن خلال القيام بهذه الخطوة، ترسل "طالبان" رسالة إلى القوى الإقليمية مفادها أنها لا تريد إثارة الفوضى.

هناك أيضًا مخاوف عميقة بشأن حقوق المرأة، وهي مبررة بسبب تاريخ طالبان. وفيما عبرت "طالبان" عن ترحيبها بتعليم الفتيات، فإن كثيرين لا يصدقونها.


إشارات على حكم "طالبان"

يمكننا أن نأخذ فكرة عما سيكون عليه حكم "طالبان" من التاريخ الحديث، فقد حكمت "طالبان" مساحات شاسعة من المناطق الريفية في أفغانستان لعدة سنوات.

ووفقا لدراسة بعنوان بـ "الحياة في ظل حكومة الظل لطالبان"، التي كتبتها "آشلي جاكسون" ومولتها الدنمارك، سعت الحركة "لتصحيح العديد من العيوب وأوجه القصور التي قوضت حكمها في التسعينيات، وأُزيل الحظر المفروض على ذهاب النساء والفتيات للمدرسة، بالرغم أن معظم مسؤولي طالبان يصرون على أن الحظر لم يكن موجودًا من الأساس، وصرحت طالبان علنًا أنه يجب أن تحصل جميع النساء على التعليم".

وتعترف "جاكسون" أنها لم تتمكن من تحديد مدرسة ثانوية واحدة للبنات في منطقة نفوذ أو سيطرة طالبان، ومع ذلك تشير إلى أن هذه مشكلة عامة في المناطق الريفية في أفغانستان ولا تقتصر على مناطق طالبان.

وفي الغالب، لن تغلق طالبان المدارس العليا والجامعات في وجه الفتيات في المدن، بالرغم أنها قد تصبح أكثر تحفظًا وتقييدًا.


وهناك العديد من المكونات داخل طالبان، وستجد القيادة صعوبة في السيطرة عليها جميعًا، ومن الممكن أن تحدث عودة إلى إراقة الدماء كما حدث في التسعينيات، لكن العلامات الأولية باعثة على الأمل.



مستقبل الإمبراطورية الأمريكية

أما بالنسبة لمستقبل إمبراطورية الولايات المتحدة، التي كانت منذ عام 1945 تقريبًا القوة العالمية المهيمنة، فإن الإذلال الذي حدث الأسبوع الماضي يضع علامة استفهام كبيرة حول هذه الهيمنة، وقد يُنظر إلى ما حدث باعتباره نقطة تحول في تاريخ العالم.

هناك أسباب كثيرة للاعتقاد بصحة هذا الأمر؛ فالفشل في التنبؤ بمدى سرعة دخول "طالبان" إلى كابل يوضح (مرة أخرى!) عدم قدرة الأمريكيين على فهم دولة احتلوها لمدة 20 عامًا.

هذا الفشل الاستخباري العملاق سيخيف أصدقاء الولايات المتحدة ويشجع منافسيها، لكن الرئيس الأمريكي "جو بايدن" يعلم أن الدولة التي يقودها فقدت الرغبة في التدخل العسكري، ومع إنه قد يتعرض للسخرية في العواصم الأجنبية وداخل وزارة الخارجية، إلا إنه محق في الاعتقاد بأن الناخبين الأمريكيين قد سئموا الحرب.

لكن هذه ليست رسالة مطمئنة لحلفاء الولايات المتحدة، فقد قال الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" للملك السعودي "سلمان بن عبدالعزيز"، بشكل فج، إنه لن يصمد أسبوعين بدون دعم الولايات المتحدة، وقد أظهرت أحداث الأسبوع الماضي أن الولايات المتحدة ستتخلى بسهولة عن حلفائها.

ولن يكون نظام "آل سعود" الوحيد الذي يتطلع إلى تكوين مجموعة جديدة من التحالفات مع تراجع الولايات المتحدة، بل ستحتاج أوروبا أيضًا إلى إعادة التفكير في بنيتها الأمنية، وفي غضون ذلك، يتجه الشرق الأوسط ببطء نحو غرب آسيا.

وقال "هنري كيسنجر" ذات مرة: "قد يكون خطراً أن يكون المرء عدواً لأمريكا، ولكن أن يكون صديقاً لأمريكا فهو أمر قاتل"، لم تكن مثل تلك العبارة أكثر صدقاً مما تبدو عليه اليوم.

المصدر | بيتر أوبورن/ ميدل ايست آي