يسري عبدالغني يكتب : يحي حقي صاحب القنديل

يسري-عبدالغني-يكتب-يحي-حقي-صاحب-القنديل

إلى جانب ما تتسم به شخصية أديبنا الكبير  الاستاذ/يحيى حقي من خجل ونزوع نحو الانتماء التركي، كانت عواطفه الطارئة تتحكم فيه أشد التحكم، ويتضح ذلك جلياً لمن يجلس إليه ؛ فيذكر الاستاذ أحمد عباس صالح أنه :"كثيراً ما يقبل عليك بشغف شديد وينطلق في حديث طويل.. طويل، ثم فجأة تتغير ملامح وجهه دون سبب ظاهر، ويقطع هذا كله وينصرف عنك"؛ فهو كثيراً ما كان يشعر بالمرارة والانكسار المباغتين ؛ فيشعر مجالسيه بها . 

يذكر " أحمد عباس " ـ في هذا الصدد ـ أنه التقى بصحافي (يوغسلافي) ترجم بعض قصص يحيى حقي ونشرها في (يوغوسلافيا)، فأحدثت ضجة ودهشة هناك، وإعجاباً كبيراً لما لهذه الأعمال من مستوى فني راق، وهذا الصحافي (اليوغسلافي) كان يريد مقابلة حقي ؛ لكن " الأستاذ صالح " لم يوفق في جمع الصحافي الأجنبي بالكاتب الكبير، يذكر أحمد عباس صالح أنه حينما أبلغ يحيى حقي الخبر ؛ ابتسم ابتسامة مشرقة، ثم عاد فتجهم وجهه ؛ وهذا التعبير الذي كان يطفر على وجه يحيى حقي رغماً عنه، هو وليد شعور دفين بأنه لم يظفر بالشهرة اللائقة، لأنه كان لا يجيد أسلوب الدعاية عن نفسه، ويعلم ــ في الوقت ذاته ــ أنه لا يجيد ذلك ؛ كما كانت ليحيى حقي لحظات خاصة يعيشها، ويجد لذته الغريبة فيها، إذ يشعر نفسه خلالها بالظلم الاجتماعي والانكسار النفسي.

كما رصد الأستاذ أحمد عباس صالح طائفة من الأمثلة والمواقف التي تدعم رؤيته هذه ؛ لكن الذي نريد التأكيد عليه أن الأستاذ "أحمد عباس" هو الوحيد الذي لاحظ على يحيى حقي هذه الملاحظة، وصرح بها، هذا إذا أخذنا كلام الدكتور "على شلش" على أنه مجرد وصف عفوي قشري، لرجل يجلس في حياء التواضع على منصة الرفعة والتكريم. 

وقد حاولت الاهتمام بهذه النقطة لتأكيدها عنده أو نفيها عنه ؛ فإذا بي أجدها حالة مسيطرة عليه، تنتابه غالباً ؛ يقول الروائي "صالح مرسي" عنه :"عذبني كما لم يعذبني أحد من كتابنا ؛ أَمَضَّني وجعلني أسهر الليل بحثاً عنه، ثمة شيء غامض فيه، ومستور بكثافة الكتمان والصمت، ألقاه في شوق، وأفترق عنه بثورة، ويلقاني بعتاب ويتركني دائماً بغضب".

ويذكر الأستاذ "صالح مرسي" أنه حينما شرع في كتابة مقالته عن حياة يحيى حقي ؛ تلك التي نشرت بمجلة الهلال، لم يجد من يحيى حقي سوى الضجر من تلك اللقاءات، بل إنه في الجلسة الرابعة تحديداً نهض من مكانه أثناء الحديث وسار إلى الباب وفتحه قائلاً : "كفى.. تعال في وقت آخر..!!"

هذا جانب " الفعل " Action، وهناك جانب آخر يجعل الصورة أكثر وضوحاً وجلاءً هو جانب "رد الفعل Reaction"، نلتمسه في موقف، من مواقف أصدقائه المقربين، ضده ؛ فربما كان تلاشي طبيعته السمحة حينما يخشوشن في معاملة أصدقائه ؛ تصيبهم بصدمة عنيفة غير متوقعة، فمثلاً ظلت علاقته بصديقه "محمود محمد شاكر" (1909 ـ 1997)، قرابة ثلاثة وخمسين عاماً ؛ لكنه حينما كان الأستاذ "صلاح معاطي" يعد مادة كتابه "وصية صاحب القنديل" ـ الذي يتحدث فيه يحيى حقي عن أصدقائه ثم يتحدث هؤلاء الأصدقاء عنه وعن ذكرياتهم معه ـ كشف النقاب عن أبعاد خفية في علاقة يحيى حقي بأصدقائه المقربين ؛ إذ أن الأستاذ " معاطي" عندما بدأ في استكمال دائرة الكتاب، بجمع أحاديث هؤلاء الأصدقاء عن يحيى حقي ؛ وكانت الشخصية الثانية التي تحدث عنها يحيى حقي هي شخصية الأستاذ محمود محمد شاكر ؛ فحاول "معاطي" الاتصال به مرات عديدة ؛ " لكنه اعتذر عن الحديث حول يحيى حقي ؛ بدعوى أنه مريض، وأنه لا يريد أن يتحدث عن أصدقائه الذين يحبهم" ؛ وهكذا تخلص الأستاذ محمود محمد شاكر ـ بشكل مدهش ومثير للشك ـ من الحديث عن يحيى حقي ؛ لكن الأستاذ "فؤاد دوارة" وجه الأستاذ صلاح معاطي إلى بابين يستطيع أن يصل من أحدهما إلى محمود شاكر ؛ أولهما السيدة "عايدة الشريف" ؛ التي تحمست للفكرة وحاولت جهدها مع الأستاذ محمود شاكر ؛ لكن دون جدوى، فلم يبق أمام "معاطي" سوى الباب الثاني، وهو "فهر"، ابن الأستاذ محمود شاكر ؛ لكنه هو الآخر لم يستطع إقناع والده، وذهبت محاولاته كلها أدراج الرياح؛ يقول الأستاذ صلاح معاطي : "لم أسترح إلى عدم مشاركة الأستاذ محمود شاكر في الحديث عن يحيى، وقررت أن أحاول ثانية فذهبت للقائه في المجمع اللغوي ـ مستعيناً بالأستاذ "إبراهيم الترزي"ـ وانتظرت حتى خرج "محمود شاكر" من جلسة المجمع معتمداً على عصاته؛ فعرضتُ عليه الأمر، وقبل أن أكمل كلامي فوجئت به يحتد قائلاً : " يحيى حقي..ليس لي علاقة به، ولا أعرف عنه شيئاً"

هل يتخيل امرؤ أن يصدر هذا الكلام عن رجل ربطته علاقة صداقة غير تقليدية بيحيى حقي، دامت نحو ثلاثة وخمسين عاماً، إلا إذا كانت هناك خلافات في الرأي وتباين في الأمزجة تفاقمت آثارهما لحد وصل بهما لحد إنكار الصديق لصديقه ؟. 

لقد كتب الأستاذ محمود محمد شاكر ـ قبل جملته التي قالها لصلاح معاطى ـ مقالة في الأهرام ـ عقب وفاة يحيى حقي ـ عنوانها "يحيى حقي:صديق الحياة الذي افتقدته"، تحمل إرهاصات ذلك التصريح الذي صدر عن الأستاذ محمود شاكر رغما عنه، في ثورته، فمما جاء في هذه المقالة حديثه حول علاقته بيحيى حقي يقول فيها: "كانت علاقتي بيحيى حقي مزيجاً من صلات العمل العلمي والأدبي، وخلافات في الرأي ووجهات النظر، مع تباين واضح في الأمزجة والطباع، وتبادل لمحات الفكر وجوانب المعرفة".

ويبقى السؤال: ترى هل وصلت بهما خلافات الرأي وتفرق وجهات النظر وتباين الأمزجة والطباع، لحد ينكر فيه الصديق صديقه ؟ أنا لا أحاول التشكيك في طبيعة يحيى حقي ولا في طبيعة الأستاذ شاكر، أو وفاء الأخير ؛ لكني أرصد فقط ـ ههنا ـ صوراً لحالة الضجر الاجتماعي التي كان يمر بها يحيى حقي، وأثر تلك الحالة في علاقته ببعض أصدقائه المقربين وانعكاسها عليهم.

ظل يحيى حقي موظفاً جل حياته ؛ لكن وظيفته كانت في السلك (الديبلوماسي)، فأبعدته عن جمود العمل الحكومي، كما أبعدته عن الخضوع المباشر لسلطان الإدارة في مصر، وأفسحت له فرصة التنقل بين العواصم ومدارس الثقافة والفن المختلفة، وأن يستمتع بالفراغ الذي توفره مثل هذه الوظائف لأصحابها، فتلك الوظائف لا يجد شاغلوها ـ في لأغلب الأعم ـ ما يشغلهم، فلما عاد إلى مصر عاد ظل محتفظاً بطابعه، طابع التنقل الحر بين التداعيات المختلفة، والاسترسال مع السليقة..، وعندما انقطع للأدب والكتابة، خلع عنه البقية الضحلة من مظهر الرسمية فأصبح "الأديب الخالص، المخلص للأدب، من منبت الشعر إلى أخمص القدم.. الأديب الفنان حتى أطراف الأصابع؛ وزاحم أكبر أدبائنا المتحررين من قيود المجتمع، الذين استعبدتهم (الرتابة) وأزلتهم الألقاب والصلات التقليدية بين الحاكم الذي لا تهدأ له نفس ولا يسكت عنه غضب، حتي يصبح الناس جميعاً أرقاماً في عملية حسابية أو مسامير في آلة بخارية".

إن يحيى حقي عقد معاهدة مع السلطة، فلا هو من طراز عبد الله النديم، الذي لا تطيب له نفس، ولا يهدأ له لسان إلا إذا أصلى السلطان شواظاً من نار فنه، وحرض عليه الأمة، وفضح سوءاته ؛ ولا هو من طراز "بيرم التونسي"، الذي يمكن أن ينفجر ضد السلطان في لحظة غضب، ينسى معها النتائج والعواقب، ثم يهيم على وجهه ؛ لكن يحيى حقي التزم من جانبه ألا يؤرق سلطة ولا يخيفها، ولا يستعصي عليها، وأن يمنح السلطان كل الظاهر بلا نفاق ولا ملق، مع احتفاظه بكل الباطن ؛ فهو لا ينفك يسخر من متناقضات الحاكمين وادعاءاتهم المكشوفة والمستورة، والتماسهم الرأي الحسن بالأسلوب الرديء، ورغبتهم في العطاء مع المن، والإقبال مع التهديد المستمر بالإدبار.. وسخريته ـ مع ذلك ـ هادئة خالية من الحرارة، بريئة من العنف.

االاسانيد

صفحات من تاريخ مصر – يحيى حقي

قنديل أم هاشم – يحيى حقي

وصية صاحب القنديل.. صلاح معاطي

من يحيى حقي إلى ابنته نهى – نهى حقي