«التفوق النوعي العسكري».. طوق نجاة إسرائيل من إيران

profile
  • clock 26 يوليو 2022, 3:01:13 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

نشر موقع «جيوبوليتيكال فيوتشرز» مقالًا لهلال خشان، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية في بيروت، حول موقع إسرائيل في توازن القوى في الشرق الأوسط. ويرى الكاتب أن إسرائيل لن تقبل أن تتحدى دولة أخرى هيمنتها على المنطقة، لا سيما إيران التي تمثل تحديًا حقيقًا لإسرائيل. وإذا ما فشلت إسرائيل في إزالة هذا التحدي، فقد تشهد المنطقة تغيرًا كبيرًا.

ويستهل الكاتب مقاله بالقول: منذ نشأة إسرائيل عام 1948، أعرب كل رئيس أمريكي سكن البيت الأبيض عن دعمه الثابت لوجودها ورفاهيتها. وفي 14 يوليو (تموز)، وقَّع الرئيس الأمريكي جو بايدن، ورئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد «إعلان القدس»، الذي التزمت فيه الولايات المتحدة رسميًا بأمن إسرائيل، وهو مطلب لطالما سعى إليه الساسة الإسرائيليون. وعلى وجه التحديد، نص الإعلان على التزام كلا البلدين بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وضمان تفوق إسرائيل  العسكري النوعي على دول المنطقة.

وتعتقد إسرائيل أن أمنها يعتمد على هذا التفوق النوعي العسكري، والحيلولة دون تحدي الدول الأخرى لهيمنتها الإقليمية. غير أن صعود إيران كقوة إقليمية وبرنامجها النووي الطموح، يشكلان تهديدًا خطيرًا ضد الهيمنة الإسرائيلية.

وأعلن رئيس المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية الإيراني مؤخرًا أن بلاده كانت على عتبة أن تصبح دولة نووية؛ مما يعني أن بإمكانها إنتاج أسلحة نووية، لكنها تفضِّل عدم القيام بذلك. ولا يمكن لإسرائيل أن تعيش بمنطقة تتمتع فيها دولة أخرى بقدرة ردع متساوية، وستفعل كل ما يلزم للقضاء على أي تهديد من هذا القبيل على الرغم من التطمينات الأمريكية الأخيرة.

شراء الأسلحة

وبحسب الكاتب، يعود التفوق النوعي العسكري لإسرائيل جزئيًّا إلى مشتريات الأسلحة التي تحصل عليها من الدول الحليفة، على الرغم من أن بعض الدول كانت أكثر دعمًا من غيرها. وفي الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، ساعدت عملية بالاك (Balak) إسرائيل في تأمين المعدات العسكرية الحيوية، وبصفة رئيسة مقاتلات «إس-199»، من تشيكوسلوفاكيا؛ مما ضمن انتصارها على جيوش جامعة الدول العربية.

وكانت هذه العملية السرية تهدف إلى الالتفاف على حظر الأسلحة الذي فرضته وزارة الخارجية الأمريكية على الدول المتصارعة. واعترافًا بتأثيرها، أقرَّ ديفيد بن جوريون، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول والأب المؤسس، بأنه «لولا هذه الأسلحة ما كنا (نحن الإسرائيليين) لننجو».

مقاتلات «إس-199» في إسرائيل عام 1948 بعد صفقة شراء من تشيكوسلوفاكيا  – مصدر الصورة: ويكيبيديا 

ويذكر الكاتب وجهة نظره التي تقول: إن بريطانيا حافظت على سياسة صارمة فيما يتعلق بتصدير الأسلحة إلى إسرائيل خلال الخمسينات من القرن الماضي، كي تتجنَّب استعداء الدول العربية، وخاصة حلفاؤها الهاشميون في العراق والأردن. وكان لدى لندن اهتمام كبير بكسب التأييد العربي للانضمام إلى اتفاق عسكري مناهض للسوفييت، والتأكد من أن إسرائيل لن تصعِّد من عملياتها العسكرية ضد الأردن، ردًّا على هجمات حرب العصابات من الضفة الغربية.

ويذكر الكاتب أنّ العرب استفادوا أكثر من الإسرائيليين من نهج بريطانيا الذي وصفه بـ«المعتدل»؛ تجاه الصادرات العسكرية إلى المنطقة، وطالبت إسرائيل بريطانيا بمعاملة الدول العربية بوصفهم كيانًا واحدًا وتقسيم مبيعاتها من السلاح، وخاصة وحدات المدفعية، عليهم بالتساوي. ورفض البريطانيون المقترح الإسرائيلي، وأصروا على أن الوحدة العربية غير محقَّقَة. وجادلوا بأن ما تملكه إسرائيل من وحدات المدفعية، يبلغ ضعف ما تملكه أية دولة عربية، وأن ميزان القوى بالفعل في صالح إسرائيل، وهو موقف كانت واشنطن أيضًا تعتقد صحَّته.

وتمثَّل هدف بريطانيا في تجنُّب التعزيز المفرط للقدرات العسكرية الإسرائيلية، ورفضت كذلك تزويد إسرائيل بدبابات «سنتوريون» (ولم تعرض عليها سوى دبابات «شيرمان» الخردة)، رغم أنها أتاحتها لمصر. وخيَّب هذا النهج آمال بن جوريون الذي عَدَّه معاديًا لإسرائيل.

ولم توافق بريطانيا بيع دبابات «سنتوريون» لإسرائيل، إلا بعد بدء حرب السويس، على الرغم من أنها رفضت طلب إسرائيل شراء دبابات «تشيفتن» المتقدمة عام 1969. وحتى عندما وافق بن جوريون المشاركة في حملة السويس (العدوان الثلاثي على مصر)، رفضت بريطانيا تزويد إسرائيل بالمظلات؛ لأنها كانت لا تريد دعم جهود إسرائيل الرامية إلى تطوير وحدات المظليين. وشعر البريطانيون بالاستياء من القرار الفرنسي بمنح إسرائيل طائرات نقل «نورد نوراطلس».

تقدم لواء مظليي الاحتلال الإسرائيلي إلى سيناء أثناء حرب أكتوبر 1973 – مصدر الصورة: ويكيبيديا 

وفي عام 1952 أنشأت الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا «لجنة تنسيق الأسلحة في الشرق الأدنى (NEACC)» لتنظيم المبيعات العسكرية إلى البلدان المتورطة مباشرةً في الصراع العربي الإسرائيلي، وفضَّلت الولايات المتحدة الامتناع عن إمداد المتحاربين بالأسلحة، معتبرةً أن لندن وباريس ستسيطران سيطرة غير منحازة على تدفق الأسلحة إلى المنطقة. واشتكى البريطانيون مرارًا انتهاك الفرنسيين لبنود اتفاقية «لجنة تنسيق الأسلحة في الشرق الأدنى (NEACC)» بطريقة تحابي إسرائيل.

وخلافًا لبريطانيا أعربت فرنسا حرصها على تسليح إسرائيل. وفي عام 1954، زوَّدت سلاح الجو الإسرائيلي بمقاتلات «داسو أوراجان»، وبعد أن وقَّعت مصر صفقة الأسلحة التشيكية، زوَّدت فرنسا سلاح الجو الإسرائيلي بطائرات «داسو ميستر 4». وبعد حرب السويس مباشرةً تلقت إسرائيل مقاتلات «داسو سوبر ميستر»، وقاذفات «سود أفييشن فوتور» من فرنسا. وفي عام 1962 منحت مقاتلات «ميراج 3» سلاح الجو الإسرائيلي تفوقًا نوعيًّا ضد القوات الجوية المصرية والسورية، وضمِنت انتصارها المذهل في حرب 1967.

وشملت صفقة الأسلحة الضخمة التي أبرمها السوفيت مع مصر عام 1955، التي قامت فيها تشيكوسلوفاكيا بدور الوسيط، طائرات مقاتلة من طراز «ميج 15» وقاذفات خفيفة من طراز «إليوشن إيل 28» ودبابات من طراز «تي- 34» ومجموعة متنوعة من المعدات العسكرية والذخيرة.

وتخوَّفت إسرائيل من أن تؤدي تلك الإمدادات، التي بلغت 80% من إجمالي شحنات الأسلحة إلى الشرق الأوسط منذ عام 1950، إلى إحداث تحوُّل في ميزان القوة العسكرية لصالح مصر. وقد وفَّر هذا التخوف أساسًا منطقيًّا لإسرائيل للموافقة على «بروتوكول سيفر» مع بريطانيا وفرنسا لإطاحة نظام الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر عام 1956.

الدور المحوري لأمريكا

يلفت الكاتب إلى أنه طوال خمسينات القرن العشرين، حاولت إسرائيل دون جدوى إقناع الولايات المتحدة تزويدها بالمعدات العسكرية، وكانت الولايات المتحدة تجادل بأن إسرائيل يمكنها الحصول على احتياجاتها الأسلحة من مورِّدين أوروبيين دون تدخُّل مباشر من جانب الولايات المتحدة. واختار الرئيسان الأمريكيان الأسبقان هاري ترومان ودوايت أيزنهاور عدم الانخراط مباشرةً في شؤون الشرق الأوسط، مفضِّلَيْن تفويض المسؤولية إلى بريطانيا.

لكن قادة إسرائيل اعتقدوا أن واشنطن وحدها هي القادرة على ضمان أمن إسرائيل. ولم يفكروا بقدر كبير في بريطانيا، وجادلوا بأن التزام فرنسا بوجود إسرائيل كان عابرًا. وأرادوا دليلًا على التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل. وجاء الدليل الجزئي في عام 1962، عندما زوَّد الرئيس جون كينيدي إسرائيل بصواريخ هوك أرض-جو. ولم تكن إسرائيل بحاجة إلى صواريخ هوك لأن سلاح الجو الإسرائيلي، كان على أية حال متفوقًا على القوات الجوية العربية، لكن العديد من الإسرائيليين رأوا هذه الخطوة بادرة رمزية على التزام الولايات المتحدة بأمنهم.

وفي أوائل الستينات استخدمت الولايات المتحدة ألمانيا لنقل الأسلحة الزائدة إلى إسرائيل. وأحدثت هذه الخطة انقسامًا في المجتمع الألماني، وأثارت جدلًا إعلاميًّا ساخنًا وأُلغِيت في نهاية المطاف. ومن ثم بدأت الولايات المتحدة في شحن الأسلحة إلى إسرائيل مباشرةً، وفي عام 1965 زوَّدت إسرائيل بدبابات «إم-48».

وعشية حرب 1967 حذَّر الرئيس الفرنسي شارل ديجول إسرائيل من بدء الأعمال العدائية ضد مصر بعد أن تلقى تأكيداتٍ من ناصر بأن مصر لن تطلق شرارة الطلقة الأولى، وفرض ديجول حظرًا على السلاح الذي تقدمه فرنسا لإسرائيل عندما خلُص إلى أن إسرائيل قررت قرع طبول الحرب.

وباسترجاع الأحداث كان هذا الحظر الفرنسي مِحْنة في طياتها مِنْحة لإسرائيل؛ لأن الولايات المتحدة أصبحت في ذلك الوقت المصدر الرئيس للمعدات العسكرية لإسرائيل، وهو هدف طال انتظاره من الحكومة الإسرائيلية. وحدث التحول خلال رئاسة ليندون جونسون. وعندما سأل جونسون وكالة المخابرات المركزية عن الوضع العسكري في الشرق الأوسط قبل بدء الحرب، أكدت له الوكالة أن إسرائيل ستنتصر نصرًا حاسمًا. وتلقت إسرائيل أول قاذفات «دوجلاس إيه -4 سكاي هوك» في عام 1968، ودبابات «إم -60» في عام 1971.

وأظهرت الولايات المتحدة أيضًا التزامها بمساعدة إسرائيل على النجاة في المراحل الأولى من حرب عام 1973، عندما تكبدت خسائر كبيرة في المقاتلات والدبابات. وأمر الرئيس ريتشارد نيكسون بإقامة جسر جوي عسكري ضخم يحمل إمدادات الأسلحة التي تكون إسرائيل في أمَسِّ الحاجة إليها إلى سيناء مباشرةً، وذلك على الرغم من أن الولايات المتحدة كانت تعترف بأن سيناء أرض محتلة.

ومنذ عام 1973 أُضفِي الطابع المؤسسي على قوة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وظل هذا الأمر ساريًا بغض النظر عن هوية الرئيس الذي يتولى رئاسة الولايات المتحدة. حتى الرئيس باراك أوباما، الذي لا يعدُّه كثير من الإسرائيليين صديقًا لبلادهم، أذن في عام 2016 بحزمة مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة 38 مليار دولار على مدار 10 سنوات، وهي حزمة المساعدات الأمريكية الأكثر شمولًا في التاريخ.

العقيدة العسكرية لإسرائيل

يوضح الكاتب أن العقيدة العسكرية لإسرائيل تتكون من ثلاثة مكونات: المكون الأول هو الردع، الذي يسعى لإقناع معارضي إسرائيل بأن تكلفة شن الحرب على إسرائيل ستكون باهظة للغاية، وتوفر القدرة النووية الإسرائيلية الردع العسكري النهائي للدولة، واستغل شيمون بيريز، نائب المدير العام لوزارة الدفاع في الخمسينات من القرن العشرين، علاقاته القوية مع فرنسا للمساعدة في تطوير البرنامج النووي الإسرائيلي، وفي عام 1958، بدأت إسرائيل بناء مفاعل ديمونة الذري.

المكون الثاني هو تحقيق انتصارات عسكرية ساحقة، إذا ما سعى أعداء إسرائيل الى التصعيد العسكري، فإنها ستسعى إلى إلحاق هزيمة ساحقة بهم حتى يتخلوا في النهاية عن استخدام العنف ويقبلون السلام.

أما المكون الثالث فهو شن ضربات استباقية. والضربات الاستباقية سياسة عسكرية إسرائيلية ثابتة منذ عام 1948. وفي عام 1954 توقَّع بن جوريون أن تكون مصر مستعدة لخوض الحرب في غضون عامين. وعندما حصلت القاهرة على طائرات «ميج 15» السوفيتية الصنع في عام 1955، قال إنه سيدمرها قبل أن تبدأ العمل، وهو ما فعله بالتعاون مع البريطانيين والفرنسيين في عام 1956. وبين عامي 1964 و1967 شنَّت إسرائيل حملة منخفضة الكثافة أُطلِق عليها اسم «الحرب على المياه» لمنع سوريا والأردن من تحويل روافد نهر الأردن. وفي عام 1981، دمَّر سلاح الجو الإسرائيلي مفاعل أوزيراك النووي العراقي.

ضرورة التفوق النوعي العسكري على الخصوم العرب

أفاد الكاتب أن التحديات التي واجهتها إسرائيل في حيازة السلاح خلال العقدين الأولين من وجودها، بالإضافة إلى صغر حجمها من حيث الأرض والسكان، أقنعت قيادتها السياسية والعسكرية بضرورة تطوير تفوق تكنولوجي على خصومها العرب. وهكذا حدَّثت قوتها الجوية، والتي أصبحت من الأصول العسكرية الحاسمة في الحروب ضد العرب بفضل شحنات الأسلحة الفرنسية خلال العقدين الأولين من وجودها والطائرات الأمريكية الأكثر تقدمًا بعد ذلك.

وأصبحت أنظمة الصناعات العسكرية الإسرائيلية، التي تأسَّست في البداية عام 1933، مؤسسة لتصنيع التكنولوجيا الفائقة ذات المستوى العالمي بحلول مطلع القرن الحادي والعشرين. وبرزت إسرائيل في نهاية المطاف قوةً عسكريةً إقليميةً هائلةً لا مثيل لها.

ما المتوقع حدوثه الآن؟

يشير الكاتب إلى أن إسرائيل تأخذ مزاعم إيران حول الوصول إلى العتبة النووية على محمل الجد، سواء كانت طهران تنوي بالفعل تصنيع قنبلة ذرية أم لا. ومنذ عام 1967، كانت إسرائيل هي القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، ومن المرجَّح أنها لن تقبل تقاسم الهيمنة الإقليمية مع إيران، ولهذا عارضت الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 وعبرت باستمرار عن معارضتها لأي اتفاق جديد.

وفي تغير للمشهد بين خمسينات القرن العشرين والوقت الحالي يختتم الكاتب مقاله بالقول: في عام 1950 قدَّم العالم العربي نفسه على أنه التهديد الوجودي لإسرائيل. لكن في السنوات الأخيرة تخلت الدول العربية عن المواجهة العسكرية، وأقام العديد منها علاقاتٍ دبلوماسية مع إسرائيل، أو يتجهون نحو ذلك. وإعلان القدس يعدُّ إيران التهديد الجديد لإسرائيل.

وعلى عكس الدول العربية تطمح إيران إلى أن تصبح نظيرًا لإسرائيل، وهو سيناريو غير مقبول على الإطلاق من جانب الإسرائيليين. وإذا كان الماضي والحاضر يشيران عن طريق التنبؤ إلى المستقبل، فلا بد عن التكهن بأن إسرائيل ستسعى للتخلص من التحدي الإيراني. وإذا فشلت في ذلك فسوف نشهد ظهورَ نظامٍ إقليمي مضطراب أكثر من أي وقت مضى.


 

 

التعليقات (0)