«طلوع الفجر» حرب إسرائيلية جديدة على «الجهاد الإسلامي» المرامي المعلنة والخفية

profile
  • clock 7 أغسطس 2022, 6:40:20 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

وديع عواودة «القدس العربي»:

تبدع آلية الحرب الإسرائيلية في وسائل القتل والاغتيال والتدمير في غزة لكنها تغلف اعتداءتها عليها بتسميات رومانسية كما فعلت في الاعتداء الراهن بنعته بالعبرية بـ «طلوع الفجر» وترجمته إلى «الفجر الصادق» بالعربية بما يذكر بعملية «الوعد الصادق» التي قام بها حزب الله عام 2006 وأظهرت مجددا أن إسرائيل لم تكن لتطلق بدونها سراح أسرى أمضوا عقودا خلف القضبان فهي كما قالت الوزيرة الإسرائيلية الراحلة شولميت ألوني «لا تفهم سوى لغة القوة». في البداية اعتقلت قوات الاحتلال القائد في «الجهاد الإسلامي» في جنين بسام السعدي، ولم يتورع جنودها من جره بشكل غير إنساني ومهين في الشارع كما تظهر أشرطة فيديو، وما لبثت أن اعتبرت أنها لا تحتمل تهديدات «الجهاد» وطلباته بإطلاق سراحه والكف عن المداهمات والاعتقالات في الضفة الغربية المحتلة، فأقدمت على استهداف أبراج سكنية مأهولة لتقتل القيادي العسكري تيسير الجعبري وعشرة آخرين وإصابة نحو خمسين شخصا معظمهم مدنيون. ولليوم الثالث على التوالي تفاخر إسرائيل بقدرتها الاستخباراتية والعملياتية في إشارة لجريمة الاغتيال واستهداف أبراج سكنية في قلب غزة فيما ذهب بعض معلقيها العسكريين للقول إن «الجهاد الإسلامي» بعكس حركة «حماس» لا يتعلم من تجاربه وأنه لا يبدي حذرا في تصرفاته ما دفع قيادات عسكرية فيها للقاء في شقة في الطابق السابع بدلا من الاجتماع في مواقع تحت الأرض رغم اغتيالات سابقة آخرها قتل الشهيد بهاء أبو العطاء وزوجته داخل بيتهما عام 2019. كما تفاخر إسرائيل بأنها نجحت في تخدير «الجهاد الإسلامي» تمهيدا لمباغتته وذلك من خلال تصريحات على لسان ساستها أنها متريثة وتمنح فرصة تلو الفرصة لمصر لإنهاء حالة التوتر ومن ثم السماح بدخول ناقلات وقود للقطاع. ويستذكر المعلق العسكري في القناة العبرية 13 أن إسرائيل تستخدم طريقة «تخدير العدو» بشكل دائم وتنجح بمفاجأة منظمات فلسطينية مجددا واستذكر عدوان «الرصاص المصبوب» عام 2018 وكذلك عدوان «عمود السحاب» في 2012 وذلك من خلال استخدام حيل ومناورات تضلل الجانب الفلسطيني قبل أن تباغته ضمن الحرب على الوعي، وهي حرب تهتم بها بشكل خاص في محاولة للنيل من عزيمة الفلسطينيين وردعهم. في المقابل يشير نير دفوري المعلق العسكري في القناة العبرية 12 أن إسرائيل استردت بهذه المباغتة روح المبادرة والمباغتة بعدما فقدتها في حرب «حارس الأسوار» جراء مبادرة حركة «حماس» إطلاق صاروخ على القدس وفاء لوعدها بحماية الحرم القدسي الشريف من الانتهكات وحماية حي الشيخ جراح من التهجير.

الحرب على الرواية

ويجمع المعلقون العسكريون الإسرائيليون على أن جولة القتال مع غزة التي ترجح حكومة الاحتلال أنها ستستمر عدة أيام، أن المواجهة مع «الجهاد الإسلامي» بدون انضمام حركة حماس ستبقى جولة محدودة وأقل خطرا. وضمن المعركة على الرواية تزعم حكومة الاحتلال أيضا أن «الجهاد الإسلامي» رفض قبيل الاغتيال مقترحات مصرية للخروج من المأزق بعد اعتقال الشيخ السعدي في جنين وأنها «اضطرت» للخروج لهذه الجولة لحماية سيادتها وسكانها بعدما شلت مرافق الحياة في المناطق الجنوبية من البلاد وفيما يعرف بـ «غلاف غزة». وهذا ما تجلى في خطابي رئيس حكومة الاحتلال يائير لابيد ووزير أمنها بني غانتس ليلة السبت وفي كلمتيهما خاطبا ضمن «المعركة على الوعي» ثلاثة جماهير هدف: قالوا لـ«الجهاد الإسلامي» ولحركة «حماس» وكل المقاومة في غزة إنها تستعد لجولة تستمر عدة أيام وأنها مستعدة لها في محاولة لردعهم واضطرار «الجهاد» لقبول إملاءاتها. وخاطب لابيد وغانتس الإسرائيليين في رسائل سياسية هي في الواقع نوع من العلاقات العامة لحزبيهما ولائتلافهما الحاكم عشية انتخابات الكنسيت الخامسة والعشرين بعد ثلاثة شهور وذلك في ظل مزاودات المعارضة برئاسة نتنياهو على هذا الائتلاف منذ تشكل قبل أكثر من عام. وتطال المعركة على الوعي أيضا العالم في محاولة لشيطنة «الجهاد الإسلامي» ووصمه بالإرهاب وإظهار إسرائيل كضحية تدافع عن ذاتها.

سيف القدس

ويرى مراقبون مختلفون أن المواجهة الحالية عرضية وتعبير عن تدهور الأوضاع بشكل غير مرغوب به من قبل طرفيها، لكن يبدو أنه من غير الممكن فهم ما يجري الآن من دون العودة للحرب السابقة المعروفة فلسطينيا بـ«سيف القدس» وإسرائيليا «حارس الأسوار». من تابع ردود الفعل في إسرائيل منذ تلك الحرب في 2021 يستنتج أنها كانت تعد لمحو العار الذي لحق بها بعدما نجحت المقاومة الإسلامية بمباغتتها بصواريخ نحو القدس وقلب الطاولة على رأس إسرائيل التي وجدت نفسها أمام توحد الفلسطينيين من البحر للنهر بعدما راهنت على تكريس الانشقاق بين القطاع والضفة، بل بين كافة التجمعات الفلسطينية عملا بـ«فرق تسد». من ضمن استنتاجات إسرائيل الاستراتيجية بعد «سيف القدس» كما تجلى في تقديرات معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب وفي تقديرات مراقبين وباحثين إسرائيليين أنه لا يمكن أن تتعايش إسرائيل مع وضع يكون فيه مركز ثقل فلسطيني على بعد أمتار من حدودها ويتمكن من تحديها والنيل من هيبتها ويستطيع شل الحياة في مناطق جنوب البلاد. وحسب هذه الرؤية جاء الاعتقال المهين للشيخ بسام السعدي قائد «الجهاد الإسلامي» في الضفة الغربية بعد سلسلة اعتقالات يومية بداية لهذه الحرب مع الوعي التام أن الجهاد سيضطر للرد أو التهديد مع الاستعداد لمباغتته كما فعلت في اغتيال القيادي تيسير الجعبري. بين هذه الرؤية وبين التقديرات التي تعتبر أن المواجهة الحالية تنم عن تدهور غير مرغوب به من قبل الطرفين، فإن إسرائيل غير معنية بإطالة أمد التراشق لأن ذلك يعني التعرض لأحداث غير متوقعة إما تتسبب في خسائر بشرية في إسرائيل رغم القبة الحديدية تجبرها على التصعيد وبالتالي دفع حماس للانضمام ما يعني اتساع رقعة الحملة العسكرية وتحولها لحرب استنزاف لا تريدها لأنها تنطوي على خسائر ومخاطر مادية ومعنوية بالنسبة لها ناهيك عن الحسابات السياسية الحزبية الداخلية فالقيادة السياسية الإسرائيلية الحالية تخشى من انعكاسات سياسية انتخابية عليها وهي تتجه لانتخابات الكنيست في الفاتح من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

تجريب المجرب

واللافت أيضا في ردود الفعل الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية تغييب القضية الفلسطينية بشكل عام وقضية غزة على وجه الخصوص. تبدو إسرائيل كأنها تجرب المجرب بالعودة للحملات العسكرية مرة أخرى رغم مخاطرها عليها هي أيضا، وهذا يندرج ضمن سياسة تقليدية تتمثل بفكرة أن ما لا يتأتى بالقوة يأتي بالمزيد منها واحتلال وعي الفلسطينيين بالنار والحديد، وهذه المرة تراهن على التقدم خطوة إضافية في سياسات فرق تسد: لا تكتفي بتقسيم الفلسطينيين بين حماس وفتح أو بين غزة والضفة، بل بين حماس والجهاد وسط محاولات لتثوير الفلسطينيين ضدهما من خلال ما يعرف بالسلام الاقتصادي والتسهيلات الحالية. وتخشى أوساط إسرائيلية واسعة من انفجار فلسطيني واسع اليوم الأحد مع وجود مخططات لانتهاك الحرم القدسي الشريف بمناسبة عيد يهودي، ولذا يحذر رئيس الاستخبارات الإسرائيلية الأسبق اللواء في الاحتياط تامير هايمن من خطوات تستفز الفلسطينيين في القدس كونها الرمز الجامع الأعلى والأهم بالنسبة لكل الفلسطينيين.
لليوم الثالث على التوالي تتركز ردود الفعل والمواقف الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية على «النجاح» في اغتيال قادة من «الجهاد الإسلامي» والتهديد بالمزيد من الاغتيالات والهجمات لمكافحة «الإرهاب» من دون إشارة لوجود قضية فلسطينية ولوجود مليوني فلسطيني محاصرين داخل غيتو غزة كما قال النائب اليهودي الشيوعي في القائمة المشتركة عوفر كاسيف في بيانه وبذلك إسرائيل تجرب المجرب مرة تلو المرة.

عدد الصواريخ

على الأرض أعلنت «الجهاد الإسلامي» إطلاق أكثر من 100 صاروخ باتجاه مدن وبلدات إسرائيلية في اليوم الأول ردا على اغتيال القيادي بالحركة تيسير الجعبري، في حين أصيب أربعة إسرائيليين وأكدت تل أبيب أنها تستعد لأيام طويلة من العمليات العسكرية وهي تعتقد أن عدد الصواريخ القليل نسبيا يعكس رغبة الجهاد الإسلامي بإطالة أمد هذه الحرب مقابل تقديرات أخرى بأن هناك نقصا في ذخائر الجهاد.
وتواصل حركة الجهاد إطلاق رشقة جديدة من الصواريخ في حين ينفذ الاحتلال عبر طائرات مسيرة إسرائيلية غارات جديدة على أراض زراعية في المحافظات الخمس بقطاع غزة، وسط تحليق مكثف للطائرات الحربية الإسرائيلية، وطلعات استعراضية في عرض البحر وضرب خلايا وأهداف تابعة للجهاد. وبالتزامن يبدو أن الحديث عن وساطة مصر أو قطر غير مرشحة لأن تحقق نجاحات في هذه الساعات خاصة أن خيارات الجهاد الإسلامي غير كثيرة بعدما تعرض لضربة من الاحتلال في جنين وغزة وأنه معني بمواصلة تمسكه برؤية الاستنزاف ومحاولة إطالة المواجهة مدركا أن ذلك لا يخدم مصلحة إسرائيل وهيبتها، لاسيما أن مرافق كثيرة في البلاد معطلة بل إن بعض شركات الطيران قد ألغت عددا من الرحلات الجوية.
وفي السياق، أعلن جيش الاحتلال أنه تم اعتقال 19 عنصرا من حركة الجهاد الإسلامي في الضفة الغربية السبت، بينما يشن ضربات على أهداف عسكرية في غزة. وجاء في بيان للجيش الإسرائيلي أن الجنود وعناصر من جهاز الأمن الداخلي «شين بيت» أوقفوا 20 شخصا خلال عمليات دهم في وقت مبكر من صباح السبت بالضفة المحتلة، من بينهم 19 من حركة الجهاد.
وضمن المعركة على الوعي بالأساس وتحسبا من استمرار المواجهة، فقد صدق وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس على أمر عسكري استثنائي باستدعاء 25 ألفا من قوات الاحتياط، كما أعلن الجيش تعزيز قواته على الحدود مع قطاع غزة بقوات من اللواء الـ 36 ولواء جولاني ولواء المدرعات.

التعليقات (0)