أردوغان وبوتين.. مصالح متبادلة وسط بيئة جيوسياسية متغيرة

profile
  • clock 10 أغسطس 2022, 4:16:39 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

في 5 أغسطس/ آب الجاري، استقبل الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" نظيره التركي "رجب طيب أردوغان" في سوتشي، وكان هذا اللقاء أكثر من مجرد فصل آخر في سجل طويل من المساومة واختبار حدود الصبر المتبادل بين الزعيمين.

لقد ألحقت حرب "بوتين" في أوكرانيا أضرارًا بالغة بالموقف الدولي لروسيا، ويمكن لـ"أردوغان" جني الفوائد من هذه المواجهة بين موسكو و الغرب، فقد أصبح الرئيس التركي محاورًا لا غنى عنه بالنسبة للزعيم الروسي الذي لم يتلق الاتصالات المعتادة من الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" منذ أواخر مايو/أيار، ونادرًا ما يُمنح "بوتين" فرصة الحديث مع الرئيس الصيني "شي جين بينغ".

وقرر "أردوغان" عدم البقاء لتناول العشاء في سوتشي وألغى المؤتمر الصحفي المشترك، تاركًا المعلقين يخمنون مخرجات الاجتماع الذي استمر 4 ساعات.

ويبدو أن ملف الطاقة كان من القضايا الرئيسية في المحادثات، بالرغم أن تركيا لا تزال مستثناة من سياسة الابتزاز الروسي بورقة الغاز ضد أوروبا. وركزت وسائل الإعلام الروسية على الاتفاق مع تركيا على دفع ثمن جزء من وارداتها من الغاز الروسي بعملة الروبل.

 وتهتم موسكو بقنوات جديدة للالتفاف على العقوبات الغربية، لا سيما على واردات التقنيات الخاصة بمجمعها الصناعي الدفاعي، وتوفر تركيا فرصًا وفيرة للعديد من الصفقات الغامضة. في المقابل، يدرك "بوتين" عمق الأزمة الاقتصادية والمالية التي تتكشف في تركيا، ويحاول الزعيم الروسي استغلال هذا الأمر وكذلك حرص "أردوغان" على بناء محطة "أكويو" للطاقة النووية.

وتعد إحدى قصص النجاح التي يحرص عليها الزعيمان هي "ممر الحبوب" حيث بدأت السفن المحاصرة منذ فترة طويلة والمحملة بالذرة وزيت عباد الشمس في مغادرة موانئ أوديسا متجهة إلى اسطنبول.

ومن المؤكد أن هذا الممر لن يكون حلا شاملا ومستداما لأزمة الغذاء العالمية، لكن "بوتين" يمكنه على الأقل التظاهر بأنه أخذ على محمل الجد مخاوف العالم بشأن استخدام تجارة الحبوب كسلاح. وبالمثل، يمكن لـ"أردوغان" أن يثبت للولايات المتحدة والدول الأوروبية الرئيسية أن وساطته تؤتي ثمارًا ملموسة ويمكن أن تقدم منصة مناسبة لمفاوضات السلام المستقبلية.

وبالفعل، اكتسب الزعيم التركي إشادة واشنطن وبروكسل بموافقته على انضمام فنلندا والسويد إلى حلف "الناتو"، الأمر الذي خيب أمل موسكو، والآن يأمل "أردوغان" في الاستفادة من دبلوماسية الحبوب.

ومن اللافت أن الدعاية العسكرية للكرملين تحولت من التركيز على الأضرار التي تسببت فيها طائرات "بيركتار" التركية إلى التركيز على قاذفات الصواريخ "هيمارس" التي نقلتها الولايات المتحدة إلى أوكرانيا.

ويرى المراقبون في موسكو أن الملف الرئيسي الآخر خلال محادثات سوتشي كان سوريا، خاصة أن زيار "أردوغان" جاءت بعد القمة الثلاثية (الإيرانية - الروسية - التركية) في طهران والتي فشلت في التوصل إلى تفاهمات مرضية لتركيا على ما يبدو.

ويستمر تصاعد التوترات في شمال سوريا مع استعداد القوات التركية لهجوم جديد (أعلنه "أردوغان" أواخر مايو/أيار 2022) ضد ميليشيات وحدات حماية الشعب الكردية، بهدف السيطرة على منبج وربط قطاعين من "المنطقة الأمنية".

ولا يشعر الكرملين بالقلق من معاناة الأكراد، لكنه قلق من أن العملية التركية من شأنها أن تكشف ضعف الوجود العسكري الروسي في سوريا، والذي يعاني من نقص الإمدادات بعد إغلاق المضائق التركية أمام البحرية الروسية، ويبدو أن الاستعراض البحري الأخير في طرطوس كان الهدف منه إخفاء هذا الضعف.

وفي سعيها لاسترضاء تركيا، وافقت روسيا على تمديد آلية المساعدات الأممية إلى الشمال السوري لمدة 6 أشهر، لكن الوضع الاقتصادي في سوريا لا يزال بائسًا.

وكان بإمكان "أردوغان" أن ينتظر المزيد من إضعاف الموقف الروسي في سوريا، لكنه بحاجة إلى تحقيق نصر الآن، حتى على حساب التوصل إلى حل وسط مع نظام "بشار الأسد".

وقد حاول "أردوغان" التغلب على معارضة "بوتين" من خلال اللعب بورقة كاراباخ، حيث استأنفت أذربيجان العمليات العسكرية ضد القوات الأرمنية في منطقة ناغورنو كاراباخ، وقد تكشف هذه الجبهة أيضا ضعف الموقف العسكري الروسي.

وبالرغم من عزم الرئيس الأذربيجاني "إلهام علييف" مواصلة استخدام الوسائل العسكرية لتحقيق النصر الشامل، فإنه مستعد لتنسيق توقيت هذا الانتصار عن كثب مع "أردوغان" - أقرب حليف له.

ويتم تغطية الطابع التنافسي الشديد للتفاعلات الروسية التركية من خلال قشرة التعاون المصقول بعناية بين "بوتين" و"أردوغان"، اللذين يحاولان الآن ضبط ابتساماتهما ومشاحناتهما في ظل مجموعة جديدة من الظروف الغنية بالمتاعب.

ويبدو أن "بوتين" مستعد الآن لمنح "أردوغان" بعض التنازلات لدعم الموقف المحلي للزعيم التركي. ويسيطر الكرملين بشكل صارم على الانتخابات في روسيا لدرجة أن "بوتين" قد لا يفهم تمامًا قضايا "أردوغان" الانتخابية، لكنه يريد بالتأكيد أن يظل شريكه في السلطة لسنوات قادمة.

بالنسبة "لأردوغان"، غالبًا ما تكون المساومة مع "بوتين" مربحة، ولكنها أيضًا تعني الحفاظ على ورقة قوة في تعامله مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومن المهم الانتباه إلى أن أنقرة ستستفيد من ضعف موسكو المتزايد، لكن هزيمة روسيا بشكل كامل في أوكرانيا ونجاح الغرب في فرض إرادته قد لا يكون في مصلحة تركيا من وجهة نظر "أردوغان".

المصدر | بول جوبل/ جيمس تاون

التعليقات (0)