الجاسوسية أسرار والغاز: الجاسوس الطائر.. أسرار وخفايا قصة عابد كرمان

profile
مصطفي إبراهيم رئيس التحرير التنفيذي لموقع 180 تحقيقات ورئيس تحرير موقع 180ترك
  • clock 13 مايو 2024, 8:28:12 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

لأن الجاسوسية هي السلاح الرابع كما يطلقون عليها، بعد سلاح الطيران والبحرية والقوات الجوية، فهي اولاً وأخيراً تعتمد على عقول ماهرة تبني الحقائق، وتحلل المعلومات وتستخلص النتائج وتضع الخطط، وتصنع ما لا يتخيله عقل او منطق من خداع وحرب خفية اسلحتها الذكاء، والشفرة، والرموز، وأجهزة الارسال اللاسلكي، وآلات التصوير، إلى جانب العامل البشري، واللجوء لشتى السبل من إغراء أو تهديد أو إرهاب وخلافه لتجنيد الجواسيس، لذلك أصبحت الجاسوسية هي الأداة الأساسية في تحديد السياسات الدبلوماسية للدولة الحديثة، وكذلك هي المستشار الخفي والأمين لرؤساء الجمهوريات والحكومات عند اتخاذ القرارات المصيرية التي يتوقف عليها مصير الدولة.

ولأهمية الجاسوسية أفردت لها الصحف والكتب والمواقع الإلكترونية صفحاتها لتسجيل أغرب الحوادث وأندر الحالات، وهو ما حاولت جمعه وطرحه بين يدي القارئ في سلسلة «الجاسوسية أسرار وألغاز» التي سبق أن نشرتها في جريدة «النهار» الكويتية في عام 2013. ولأهمية الموضوع ولحب الجمهور لقراءة ملفات المخابرات، نعيد نشرها في موقع «180 تحقيقات»... خدمة لقراء الموقع الأعزاء إلى قلوبنا.. وذلك بمعدل حلقة أسبوعية ننشرها يوم الاثنين من كل أسبوع .

الحلقة الثالثة

الجاسوس الطائر.. أسرار وخفايا قصة عابد كرمان

 

>> إسرائيلي الجنسية فلسطيني المولد.. لم تغير الدراسة قناعاته أو تبدل هويته
>> سافر إلى فرنسا بحثاً عن حبه القديم وتم تجنيده بسفارة مصر بباريس
>> ولع موشى ديان بالآثار كان طريق عابد إلى قلب وزير الدفاع الإسرائيلي 
>> صداقة ديان فتحت الأبواب المغلقة وسهلت تصوير تحصينات خطب بارليف 
>> أول جاسوس يعيد المعدات إلى رؤسائه ووصلت كاملة دون علم الموساد   
>> زهو عابد النجاحات غير المسبوقة أوقع كرمان في خطأ لا يرتكبه هواه  

 

رغم كثرة قضايا وقصص التخابر بين مصر واسرائيل التي امتدت لأكثر من خمسة عقود يبقى عابد كرمان أحد أخطر فصول المواجهة في حرب الظل، لأنه تمكن من خداع قيادات المؤسسة العسكرية الاسرائيلية، وكبار المسؤولين والقيادات السياسية، ولعب بهم لصالح مصر طوال ست سنوات، وحصل على وثائق وخرائط كان لها دور حاسم في نجاح عبور الجيش المصري الى سيناء 1973 ومن بينها خرائط بأماكن الألغام في خط بارليف.. وتمكن من اختراق المراكز السيادية، والمواقع المحاطة بسرية تامة، لينقل الى المخابرات المصرية الأسرار والمعلومات التي لعبت دورا مهما وخطيرا خلال حقبة مشتعلة بين حربي يونية 1967 وأكتوبر 1973.

وتزداد أهمية قصة كرمان في توقيت تجنيده الذي جاء عقب نكسة يونيو فلم تهنأ اسرائيل كثيراً بانتصارها في حرب 1967،وقبل أن تستريح ويلتقط شعبها أنفاسه..تبددت نشوة الغرور فالمعارك لم تهدأ، وتوالت بصورة أكثر ضراوة..في حرب الاستنزاف التي كانت تدور مشاهدها بشكل مباغت علي الضفة الشرقية لقناة السويس، ولم يكن غريباً أن تصاحب هذه المعارك حالة من القلق والانزعاج لدي حكومة تل أبيب. وكان ذلك باعثًا لبعثة الرعب في قلوب قاطني الدولة العبرية.

هو شاب فلسطيني من حيفا واسمه الحقيقي عبدالرحمن قرمان ولد عام 1938 وينتمي لأسرة فلسطينية تمتد جذورها الى قبيلة أبتين العربية.. وأسرته ميسورة الحال لديها مزرعة للخضراوات والفاكهة..وأثناء دراسته فرضت عليه ظروف الاحتلال أن يكون زميلا لعدد من أبناء جيله من الاسرائيليين، ومن بينهم من تولى فيما بعد مناصب رفيعة في الجيش والمخابرات الاسرائيلية، وفي زهوة الشباب تعرف عبدالرحمن في مدينة تل أبيب على فتاة فرنسية جاكلين مولييه كانت تعمل في مكتب للخطوط الجوية الفرنسية، وقع عابد كرمان في هواها، وهي التي أطلقت عليه اسم عابد..فهي كانت تنطق الجزء الأول من عبدالرحمن أبد وقرمان كانت تنطقها كرمان فصار الاسم محببا له!! ولم ينس عبدالرحمن ما حدث في قريته احدى قرى حيفا التي تعرضت للاعتداء الاسرائيلي الوحشي، ولم تنج أسرته من هذه المذابح التي راح شقيقه واحدا من ضحاياها.. فنشأت بداخله رغبة الانتقام، واتساع مساحة الكراهية لكل ما هو اسرائيلي.. وكانت المخابرات المصرية، تبحث عن رجل يتولى مهمة خطيرة داخل اسرائيل، وبدأت ترصد عبدالرحمن المعروف بوسامته وأناقته اللافتة للأنظار، وكان هناك من يرصد تحركاته تمهيدا لتجنيده،وتم ذلك عن طريق أحد أصدقاء عابد كرمان أو عبدالرحمن، وراح يهيئ الظروف ويمهد الطريق لدخوله عالم الجاسوسية، فهو كان دائم التردد على مزرعته والحديث معه عن جاكلين مولييه التي عادت الى باريس بعد انتهاء فترة عملها في تل أبيب، وكان ذلك محرضا له على عدم نسيانها، فقرر السفر الى فرنسا، وهناك توجه الى السفارة المصرية في باريس، مما يؤكد أن عملية التجنيد تمت في حيفا وتل أبيب.. فالمفارقة هنا تبدو مدهشة، شاب فلسطيني يحمل جواز سفر اسرائيلياً، يدخل السفارة المصرية.. ويجد من ينتظره!! ويتزوج عابد من جاكي، ويخضع لتدريبات على أيدي ضابط المخابرات المصرية.. وتنقل في العديد من العواصم الأوروبية.. وطلب منه أن يعود الى تل أبيب وسيجد في انتظاره شخصا يهوديا يطلب منه المشاركة في مصنع للحلاوة الطحينية.. وعليه أن يوافق بعد تردد حتى تتم العملية باتقان شديد.. وبالفعل حدث هذا، والتقى اسحاق رينا، الذي طلب منه المشاركة، وبعد تردد وافق عابد.. وأغدقت عليه المخابرات المصرية من خلال أحد ضباطها البارعين في المعارك الذهنية، الأموال لكي يتم انشاء هذا المصنع في باريس، الذي لا تعلم عنه اسرائيل أي تفاصل وأسرار.. وكان ستارا لنشاط عابد في باريس، ودفعه هذا العمل لأن تتوسع دائرة علاقاته ويمتد نشاطه من الجمارك الى الجيش الاسرائيلي، فالأموال الكثيرة تفتح أمامه الأبواب، وهو يقوم بتنفيذ ما يوكل اليه من مهام ببراعة شديدة.

اختراق الألغام

وفي سنوات قليلة استطاع عميل المخابرات المصرية الأسطورة أن يخترق المناطق الملغومة، ويرتبط بعلاقات وطيدة مع أهم الشخصيات في المجتمع الاسرائيلي.. وجعلته هذه العلاقات بعيدا عن مواطن الشبهات، وسهلت له دخول الأماكن الاستراتيجية، والاطلاع على مخازن الأسرار والوثائق، وفي مقدمة الذين ارتبط معهم بعلاقات وطيدة، موشيه ديان وزير الدفاع الاسرائيلي وقتئذ، وثلاثة وزراء آخرين ارتبط معهم بصداقات متينة وهم : شلوموهيل ونحاس سابيرو فيكتور شيمتوف، وصار واحدا من المقربين الى مدير مخابرات حيفا جيورا زايد الذي كان يحتفظ برقم تلفون عابد في جيبه ومكتبه، وشخصيات أخرى من الوزن الثقيل في دوائر صناعة القرار الاسرائيلي، وخدع ديان بطريقة متقنة، وأقام علاقات نسائية فتحت له الطريق لتقديم خدمات ومعلومات في غاية الأهمية للمخابرات المصرية.. التي طلبت منه التعرف على ديان والتقرب اليه ودبرت خطة لذلك، نفذها عابد بدقة متناهية، حيث أخبره ضابط المخابرات المصرية بأن ديان مولع بالآثار واقتنائها، وزوجته روث لديها محل لبيع وتجارة التحف والأنتيكات، واستطاع ضابط المخابرات أن يقنع عابد بالخطة التي وضعها، فأحضر له جرة أثرية عمرها 3 آلاف سنة ليدفنها أسفل مصنع عصر الزيوت المهجور القديم على أطراف مزرعته، مع خلط التربة بكبريتات النحاس، التي أرسلوها في صندوق وساعد في تهريبها الى داخل اسرائيل توفيق فياض الذي تم تجنيده في جمارك مطار اللد بمعرفة عابد.. والخطة المرسومة له، هي هدم المبنى القديم الخاص بالمصنع وانشاء فيلا في المكان نفسه للاقامة على أطراف مزرعته.. والبناء يلزمه حفر للأساسات، وأثناء الحفر يعثر على الجرة التي وضعها قبل شهر.. وبعدها ذهب الى روث فأرشدته بالذهاب الى موشيه ديان.. وبعد يوم عاد اليها ليخبرها أنه لن يستطيع الوصول اليه، فأجرت هي اتصالا بزوجها الذي ذهب الى محل الأنتيكات.. وتعرف عليه عابد.. واصطحبه الى المزرعة للتأكد من عملية الحفر..وتوطدت العلاقة بينهما، والاتصالات تتم يوميا بين مكتب ديان، وعابد، للاطمئنان على عمليات الحفر ظنا منه أن هناك المزيد من القطع الأثرية مدفونة تحت الأرض.. وكانت تلك العلاقة هي جواز المرور لدخول أي مكان في اسرائيل، وجعله بعيدا عن الشبهات، وساعده ذلك على بناء وتوطيد علاقاته بقيادات المجتمع الاسرائيلي، والنخبة المسيطرة فيه.. وأتاحت له كل هذه الظروف التمكن من معرفة أن هناك وثائق مهمة تخص جيش الدفاع الاسرائيلي، وعملياته الانشائية على الجبهة الجنوبية في سيناء، وهذه الوثائق في حوزة شخص هو ليفي شموائيل وهو من الأفراد القلائل الذين يستطيعون الاطلاع على مثل هذه الوثائق، وكان ليفي حسب المعلومات التي حصلت عليها المخابرات المصرية، لديه علاقة شاذة مع شاب صغير يدعى اريك يقيم في ناتانيا وكان يتردد على شقته كل يوم جمعة بعد غروب الشمس، وعلى خلفية هذه المعلومات تم استدعاء عابد الى باريس، وطلب منه ضابط المخابرات المصري شراء هذه الوثائق، من خلال خطة تبدأ بفتح قنوات اتصال مع ليفي باعتبار أن عابد الشخصية المعروفة سوف يحصل على أعمال انشاءات من الباطن لتنفيذ المشروع، ويغري ليفي بمقابل مادي مجز، ونجحت الخطة مع ليفي وتم تصوير ما لديه من وثائق، لخدمة عابد الذي سيحصل على أعمال المقاولة من الباطن، ويريد معرفة تفاصيل العملية بهذا المقابل، وكانت هذه الوثائق عبارة عن رسوم لتحصينات الجبهة على خط قناة السويس، وبالحصول على هذه الوثائق أصبح عابد يتربع على قمة العاملين في الحقل السري، فجعله ذلك مزهوا ومنتشيا بما حققه.. وعمل عابد في العديد من الأعمال التي كلف بها، ومنها ادارة مصنع بلجلومي في باريس ومصدر للموالح، ومقاول بغرض الدخول الى احدى أهم الشركات التي كانت تعمل في مجال انشاء التحصينات العسكرية أسوليل بونيه وأرتبط بصداقة قوية مع مديرها بنيامين كافيناكي وأحد مؤسسيها دافيد هاكوجين صاحب النفوذ الواسع في اسرائيل.وبعد أن تنامت علاقات عابد كرمان في المجتمع الاسرائيلي، وأصبح في وضع يسمح له بالتجول في سيناء ذلك المكان الذي أرهق تفكيره من أجل التسلل اليه،وكانت صلته القوية بديان، هي جواز المرور الذي يدخل به كل المناطق المحظورة، وتفتح له أبواب الخزائن الموصدة.. وأصبحت حياته تنساب بنعومة جراء الثقة والزهو.. فبعد حصوله على أخطر الأسرار العسكرية في الاستراتيجية الدفاعية للدولة العبرية،و لم تزد مطالب المخابرات المصرية عن حثه على توطيد صلاته بالشخصيات المهمة، وتسجيل الأقوال التي يرمي بها موشي ديان في أي لقاء يجمعهما سوياً، ولم يتم تكليفه بأي تعليمات اضافية، وجعله هذا يعتقد أن القاهرة قررت تجميد نشاطه، وكان ذلك بالنسبة لتفكيره مجرد اعتقاد.. فهو لم يكن يعلم أن قرار تجميد نشاطه قد اتخذ بالفعل. بعد أن أدي المهام المكلف بها ببراعة. فكانت المخابرات المصرية قد رأت ضرورة سحبه من الميدان، لكي يقيم مع زوجته مونيك بعيداً عن اسرائيل، على أن ابلاغه بذلك اثر استدعائه الى باريس، فقد كانت هناك خشية اكتشاف أمره في تل أبيب بعد اتساع دائرة الشبكة التي قام بتجنيدها، وفي تلك الأثناء، كان عابد يتحرك بلا هدف محدد، مدفوعاً بشهوة البحث عن مزيد من النجاحات يضيفها الى رصيده في لعبة الخطر، ملقيًا خلف ظهره كل حسابات الدقة المسبقة، فقرر زيارة صديقته القديمة ديانا مطر في مقر عملها وما أن نظرت اليه بارتباك.. داعبها ببعض العبارات وكلمات الاطراء، لكنه قبل أن يسقط أسيرًا في فخ الغواية.. خرج مسرعًا، وكأن كتيبة من الكلاب البوليسية تطارده، وهو يحاول الهرب منها.. وبالصدفة تقابل في طريقه وهو يهرول أحد معارفه خالد الزهر تبادلا سوياً حديثًا قصيراً، وانصرف كلاً منهما الى حال سبيله، خالد الزهر هذا كان مدرسًا فلسطينيًا، يعمل في مدرسة ابتدائية، قريبة من مزرعة عابد في حيفا. وهجر مهنة التدريس، وافتتح مطعمًا صغيراً في منطقة وادي النسناس. وبعد فترة قصيرة أغلق المطعم وأعلن افلاسه. وبعدها التحق بالعمل في وكالة دوف جريفر للسفريات، صاحبها يهودي اسرائيلي.. كان من الممكن أن يمر اللقاء العابر مع الزهر بدون أي أثر.. لكن الجشع دائماً هو الجشع يقود الى التهلكة دون أن يمنح صاحبه فرصة للتبصر.

تداعي الأفكار

على الفور تداعت الأفكار الى ذهن عابد كرمان وداعبت طموحاته التي أطلق لها العنان بدون رؤية، فقد ذهبت تلك الأفكار الى أن ديانا مطر لن تستطع الاستمرار في سرقة جوازات السفر من الشركة التي تعمل بها، لكن الزهر يمكنه القيام بهذه المهمة، لأن الموظفين في وكالة دون جريفر أكثر عددًا وتتوه بينهم الجريمة دون أن يتمكن أحد من تحديد شخصية السارق.. خاصة أن الزهر يملك قدرًا عاليًا من الطموح والرغبة في الثراء للخروج من أزماته المالية، وحالة الفقر التي يعيشها. اضافة الى أنه فلسطيني وليس لديه مصالح تغري بالانحياز لسلطات الحكم في اسرائيل، وتبعاً لهذه القناعة لم يكن أمام عابد سوي توطيد علاقاته بهذا الشخص الذي التقاه بصورة عابرة، وفي أحد اللقاءات تمت عملية جس النبض، روى كرمان القصة التقليدية عن حاجته الى جواز سفر لأحد أعوانه في شبكة تهريب الماس، ليتنقل به في أوروبا، ويحتمي به من الانتربول. ونجح في اقناع الزهر بالقيام بهذه المهمة مقابل 500 ليرة عن كل جواز يقدمه له، وفي أعقاب الاتفاق الذي تم بينهما بدأ عابد في الترتيب لتجنيده وضمه لشبكة التجسس بشكل كامل، فكان يعتقد أنه يصلح فرازًا ماهرًا لمئات المسافرين الوافدين لاسرائيل والخارجين منها عبر وكالة دون جريفر، فعل هذا بشكل فردي، دون أن يخطر المخابرات المصرية بأي شيء من الترتيبات والتصرفات التي تجاوز بها نطاق الأمان.

زهـــــــو

بعد أن تسلم أول جواز سفر من الزهر لفتت زوجته مونيك نظره الى وجود سيارة ميكروباص تراقب منزله وتتبع سيارته في الشارع، لكنه لم يهتم، ولم يخطر بباله وجود علاقة بين السيارة وعلاقته بالعميل الجديد، والأرجح أن الشعور الدائم بالزهو الذي وصل الى حد الغرور وراء عدم اكتراثه بما يجري حوله. اضافة الى صلته القوية بجيورا زايد مدير المخابرات في حيفا، والعلاقة الحميمة بديان. قطعاً كل هذه العوامل ولدت يديه احساساً قوياً بالتفوق، جعله أكثر استهتاراً بعملية تافهة مثل تجنيد مدرس فاشل أشهر افلاسه، متجاهلاً تلك القاعدة المهمة التي تدرب عليها.. وهي أن الأشياء التافهة وتلك البالغة الأهمية، يجب أن تلقي عناية فائقة في عالم المخابرات والجاسوسية. عرض عليه الزهر تفاصيل وبيانات الجواز الذي يريد سرقته فوجد اللهفة تسيطر عليه للحصول على هذا الجواز، وراح الزهر يماطله، فاضطر عابد أن يفصح عن موعد سفره الى باريس وأنه في أمس الحاجة الى هذا الجواز.. وكان البوح بموعد السفر آخر خطأ في سلسلة الأخطاء العقيمة التي ارتكبها، دون أن يخطر ضابط المخابرات يوسف المسؤول عن تشغيله وتدريبه. حصل الجاسوس علي جواز السفر الذي كان بمثابة القشة التي قصمت ظهره، وبددت زهوه، ففي اللحظات الأخيرة التي سبقت السفر لمقابلة الضابط يوسف في باريس، الذي كان يستعد لاخباره بقرار القاهرة سحبه من اسرائيل، والاقامة في أي دولة أخري مع زوجته، شعر عابد بأن الزهر يراقب تحركاته، فأثناء دخوله أحد البنوك لتحويل عملة. كانت نظرات الحقد تنبعث من عين الزهر.. في تلك اللحظة سيطرت مشاعر الخطة على عابد.. واختلطت مشاعر الخوف والرهبة والرغبة في الفرار ومحاولة التمويه في نفس كرمان.. وتبقي على سفره 8 ساعات فقط، وكان تلك الساعة القليلة ثمينة للغاية.. أسرع الي مسكنه ونزع جهاز الارسال اللاسلكي من مخبئه، وحزمه مع الكاميرا المتناهية الصغر، وشرائط الثغرة، وجداول مواعيد الارسال، وبقيت أمامه مشكلة تفجير هذه المعدات كلها.. وكان يحتفظ بالمسحوق الرمادي الضروري لعملية التفجير، لكنه خشي من احداث الانفجار.. فتزاحمت الأفكار في رأسه.. حاول دفن هذه المعدات في مزرعته ثم تراجع، وسار في الشارع مثل المجنون وتوقف أمام محل يبيع علب الكرتون.. اشتري علبة، ووضع فيها كل هذه المعدات الكئيبة، وغلفها جيداً، ودخل مكتب البريد، وأرسل الطرد البريء على عنوان 001 هل جيت لندن مس سوزان أجينو. وانصرف ليشعل النار في الايصال الذي تسلمه من موظفي البريد.

أغرب النوادر

ولعلها من اغرب قصص عالم الجاسوسية بل لعلها من النوادر أن يعيد الجاسوس أو العميل المعدات الى رؤسائه معدات التجسس عن طريق البريد، بمجرد افتضاح أمره.. ومن الأشياء المثيرة للدهشة، أن الطرد وصل بكامل محتوياته الى أيدي المخابرات المصرية بعد ذلك أيقن- حسب تصوره- أنه في مأمن من أي خطر، استعد للذهاب الى مطار اللد ومنه الى باريس، وفي طريقه من منزله بصحبة زوجته.. أدرك أن سيارات مجهولة تطارده، وعند وصوله للمطار حاول التظاهر بالتماسك وعدم القلق، فلم يكن أمامه مهرب، لكن في تلك اللحظات التي تمر سريعاً، أدرك أن الخطأ القاتل الذي ارتكبه، ويفوق كل الأخطاء دفعة واحدة.. فكانت ترقد الى جوار قدميه حقيبة يد في قاعها جواز سفر باسم تسفي هيرتزوج من عميك بيت شين تم التفتيش وألقي القبض على عابد كرمان وذهبوا به الى حجرات التحقيق في مكاتب المخابرات، وروى كرمان تفاصيل التحقيق معه قائلاً: زارني رجل من طراز جديد، رجل يرتدي جاكيت اسبور ويتميز بحول في عينه اليمني ويتحدث العربية بطلاقة وقد قدم نفسه لي باسم سامي وكان واضحاً أنه من يهود العراق، ويتخذ هيئة صديق هبط علي من السماء، وقال انه ينصحني بالاعتراف لأنهم يعرفون أنني على صلة بالمصريين ولكن أهم ما أفصح عنه صديقي سامي كان على الجرة، الجرة الملعونة التي أهديتها لديان، فقد فحصوا الجرة واتضح أنها مزيفة.

وقد اعترف بأن الرجل الذي طلب الجواز ويدعي محمد قد عرفني على شخص آخر وهو الذي أعطاني الجرة لتسليمها لديان، وأنني كلفت بعد ذلك بجمع أي معلومات وارسالها الي لندن ولما سئلت عن وسيلة التراسل أجبت بأنني كنت أبعث بخطابات مكتوبة على عنوان مس سوزان أجنيو 100هل جيت لندن، ويبدو أن المخابرات الاسرائيلية بحثت هذه النقطة بعناية لأنهم أبلغوني بعد ثلاثة أيام أن مس سوزان غادرت هذا العنوان يوم 14يناير قبل الظهر، وفي مرحلة لاحقة واجهني دافيد باعتراف منسوب الي توفيق فياض، فأيدت كل أقواله التي تنحصر في أنني دفعت له رشوة في مقابل أن يعاونني لتمرير الجرة في الجمارك،واتضح لي أثناء الاستجواب أنهم لا يكتبون اسم ديان، ويبدو أن ذلك هو السبب في أنهم أنهوا استجوابي بسرعة، فقد نقلت الى مركز الشرطة بعد أن وقعت على اعترافاتي، وهناك قضيت ليلة نقلت بعدها الى مركز رئاسة الشرطة في حيفا، وكان يدي مقيدتين بقيود فرنسية، أسوأ أنواع القيود هي هذه الفرنسية، بيضاء صغيرة ولكنها غير قابلة للكسر، وبعد ذلك عرضت على حاكم الصلح، حاكم الصلح في حيفا امرأة قبيحة عمرها ستين سنة تدعي شتاركمان، كانت تدخن سجائر رخيصة وتغالب النوم وفي النهاية أمرت بتوقيفي خمسة عشر يوماً ثم نقلت الى مبني المخابرات في لوحامي هاجيتووت.

استقبال مختلف

وفي هذه الزيارة استقبلت استقبالاً مختلفاً اختلافاً بينا عن الزيارة السابقة، فقد أدخلت الى مكتب في الطابق الأول وسمح لي بالجلوس على مقعد وبعد دقائق جاء لمقابلتي ذلك العراقي الوسيم المدعو سامي، ولدهشتي الشديدة سألني عما اذا كنت أرغب في احتساء شيء من القهوة، واحد وعشرون يوماً لم أذق فيها طعم القهوة ولكني رفضت فقدم لي سيجارة ثم بدأ حديثه، وعرفت أنني سأقدم للمحاكمة وأن من السهل الايعاز للمحكمة بتخفيف الحكم بشرط أن أعترف بكل ما في جعبتي، ولما نفيت بشدة أنني أحتفظ بأي شذرة من المعلومات غير ما أدليت به عاود المحاولة بأسلوب أكثر نعومة، ولكني أقسمت أني لا أخفي شيئاً، وفي النهاية طلب مطلبًا بدا لي غريباً، أن اعتراف أمام المحكمة بصلتي بالمصريين وأن أخفي صلتي بديان عندئذ سألته: والمدير؟

أي المدير؟ هكذا سألني هو الآخر وقد قطب جبينه

- جيورا زايد، صديقي الذي لم يحاول أن يلقي علي نظرة..يجب أن تخفي اسمه هو الآخر.

- كانت المحكمة مشكلة من ثلاثة قضاة، وفي أول جلسة سألني الرئيس السؤال التقليدي الذي يبدو بلا معني مذنب أم غير مذنب وقد أجبت بأنني غير مذنب، عندئذ رفع الرئيس الجلسة وأمرني بأن أوكل أحد المحامين فابتسمت. وفي الجلسة الثانية فوجئت بحضور محام يدعي (يعقوب دافيد) وهو رجل تشيكي على دراية بالقانون ومكتبه في حارة الملك داود رقم 12بتل أبيب، وعندما اقترب مني سألته عمن وكله بالدفاع عني فأخبرني أن رجلاً فرنسياً زاره في مكتبه وزعم أنه صهري ودفع له أتعابه مقدماً،ومن هذا المحامي عرفت أنهم وضعوا زوجتي على ظهر باخرة يونانية وطردوها من البلاد وفي هذه الجلسة استمعت المحكمة لمرافعة النيابة والدفاع، وصدر الحكم في ثالث جلسة بسجني اثنتي عشرة سنة ولكن النيابة استأنفت الحكم وقضت محكمة الاستئناف بزيادة العقوبة الي ستة عشر سنة وهكذا نقلت الي سجن الرملة.

مرت الشهور في سجن الرملة.. واندلعت حرب أكتوبر 1973 بالعبور الى الضفة الشرقية، وتحطيم خط بارليف بعد اكتشاف جميع الثغرات من خلال الوثائق، التي لم يتحدث عنها عابد في التحقيقات التي جرت معه، وانتهت بسجنه، لكنه لم يكن بعيداً عن متابعة جهاز المخابرات العامة المصرية، حتى وهو داخل السجن، وما أن انتهت جولة المعركة الطاحنة، وخلت مرحلة المفاوضات.. وكان عابد كرمان.. على أجندتها في المناقشات المغلقة.. والتي وصفت بأنها كانت مرهقة بين السادات وهنري كيسنجر.. وانتهت بموافقة اسرائيل على تسليمه الى القاهرة وتم استدعاؤه الى مبني الموساد، ومنها الى الصليب الأحمر. وأثناء عملية تسليمه، قال له القائد العسكري الاسرائيلي انها أول مرة في تاريخ الجاسوسية تقوم دولة بتسليم أحد رعاياها الى أعدائها، لكن عابد كرمان رد قائلاً: ومن قال لك أني اسرائيلي.. أنا فلسطيني عربي، أحمل الجنسية الاسرائيلية واستلمته المخابرات المصرية، ومن المفارقات العجيبة أن عابد كرمان أقام في القاهرة بروكسي وسافر مع زوجته الى باريس.. واختفى.

 

التعليقات (0)