توران قشلاقجي يكتب: تركيا تضع بصمتها على قمة الناتو

profile
توران قشلاقجي كاتب وصحافي تركي
  • clock 30 يونيو 2022, 3:46:32 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

تنتهي اليوم القمة ذات الأهمية الحاسمة لزعماء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي بدأت يوم الثلاثاء الماضي، واستمرت 3 أيام في العاصمة الإسبانية مدريد. وتصدرت تركيا المشهد واضعة بصمتها على القمة، من خلال توقيعها على مذكرة تفاهم ثلاثية مشتركة مع السويد وفنلندا. ونصّت المذكرة على أن السويد وفنلندا تتعهدان بعدم توفير الدعم لتنظيمي «بي واي دي/ واي بي جي» و»غولن» المصنفين في قائمة الإرهاب لدى تركيا. وحظيت المذكرة بتغطية واسعة في الصحافة العالمية. وفي هذا الصدد، وصفت مجلة «الإيكونوميست» البريطانية، الاتفاق الذي نتج عنه رفع تركيا قرار استخدام حق النقض، خلال قمة مدريد حيال انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف، على أنه «انتصار لأردوغان».
كانت تركيا تستخدم حق النقض سنوات طويلة ضد الخطط الدفاعية الجديدة للجناح الشمالي لحلف الناتو، الذي يشمل بولندا ودول البلطيق. لكن أنقرة لا تعارض الخطة الدفاعية المصاغة ضد «التهديد الروسي»، وإنما هناك سبب آخر يقف وراء موقفها هذا. أرادت تركيا ضمان توضيح التصور المتعلق بـ»التهديد» في الخطط الدفاعية للجناح الجنوبي للناتو، وبالتالي التأكيد على أن «غولن» و»بي واي دي/ واي بي جي» هما من مصادر هذا التهديد. وهكذا جرى مساء أمس التوقيع على اتفاقية مشتركة بين تركيا والسويد وفنلندا بعد مفاوضات استمرت نحو 4 ساعات بوساطة الناتو، وبذلك تمت الموافقة على جميع مطالب تركيا. ومهّد هذا التطور الطريق أمام الدول الاسكندنافية أيضا للانضمام إلى التحالف ردا على الغزو الروسي لأوكرانيا.
قبل سنوات قليلة، قيل عن الناتو إنه أصبح من الكيانات التي «عفا عليها الزمن» وإنه في حالة «موت سريري». أمّا الآن، فقد اجتمع زعماء الدول الأعضاء في «قمة تحويلية» لمناقشة مستقبل الحلف. ولا شك في أن الهجوم الروسي على الأراضي الأوكرانية في 24 فبراير/شباط الماضي، شكّل الدافع الرئيسي لهذه «الهبّة الاستثنائية». علما أن الحلف كان قد صنف روسيا في مفهومه الاستراتيجي لعام 2010 على أنها «شريك». وتمثل روسيا الآن «الخطر الأكثر إلحاحاً» على المنطقة الأوروبية الأطلسية، وسيأخذ هذا الوضع مكانه في المفهوم الاستراتيجي لعام 2030. عُقدت القمة بعد موافقة الاتحاد الأوروبي على منح أوكرانيا ومولدوفا صفة الدولة المرشحة، ووسط الجدل المستمر بين الغرب وروسيا حول الطرف المسؤول عن أزمة الغذاء العالمية. كما يجتمع قادة الحلف بالتزامن مع تصريح لأحد الجنرالات الروس على خلفية أزمة كالينينغراد، قال فيه إن «لندن ستكون أول مدينة يتم قصفها»، فضلًا عن سخرية قادة مجموعة الدول السبع من ركوب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على ظهر الخيل وهو عاري الصدر. قمة مدريد التي انعقدت مباشرة بعد قمتي الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول السبع، تناولت قضايا مكافحة الإرهاب، والدعم الشامل المزمع تقديمه لأوكرانيا، و«تحدي» الصين، وطلبات العضوية من فنلندا والسويد.

هناك غموض كبير حول مصير العلاقة بين أوروبا وروسيا على المديين المتوسط ​​والطويل، ومن الواضح أن بيئة الصراع المستمر ستلحق الضرر بأوروبا أيضا

تركيا التي قدمت مساهمات مهمة للغاية في الحلف طوال 70 عاما من عضويتها، أعلنت مرارا وتكرارا أنها تؤيد تعزيز وتوسيع الناتو، وبدلاً من التشكيك في موقف تركيا، كان من الضروري فهم مخاوفها الأمنية وتبديدها. وكان المطلوب هو الامتثال لمبدأ الناتو نفسه في مكافحة «بي كي كي/ واي بي جي» و»غولن» والمنظمات الإرهابية الأخرى. وبعد مناقشات استمرت سنوات طويلة، تمت الموافقة على مطالب تركيا خلال قمة مدريد. وكان الجانب التركي يطلب الالتزام بما يتطلبه التحالف من السويد وفنلندا، اللتين ترغبان في الانضمام إلى الناتو الذي يعمل وفقا لمبدأ «كلنا واحد»، ومن المنتظر أن تقدّما مساهمات في تعزيز أمنه.
أظهر الناتو تضامنا كبيرا في مواجهة التهديد الروسي القائم، ومع ذلك، ليس من المتوقع أن تستسلم روسيا، على الرغم من العقوبات الشديدة المفروضة عليها في خضم الحرب المستمرة في أوكرانيا. كما أن الموقف «القوي والموحد» للتحالف الغربي لا يخلو من المشاكل، فالتأثير المتزايد للولايات المتحدة في أوروبا من جهة، يرضي دول أوروبا الشرقية، ومن جهة أخرى، تواصل دول الاتحاد الأوروبي مساعيها للحصول على استقلالية استراتيجية. وعلى عكس بريطانيا، لا تؤيد فرنسا وألمانيا قطع العلاقات مع روسيا بالكامل، وهناك غموض كبير حول مصير العلاقة بين أوروبا وروسيا على المديين المتوسط ​​والطويل، ومن الواضح أن بيئة الصراع المستمر ستلحق الضرر بأوروبا أيضا، بالإضافة إلى ذلك، لا تريد دول الاتحاد الأوروبي أن تضع الولايات المتحدة حلف شمال الأطلسي، في مواجهة الصين، وهنا تبرز تركيا باعتبارها قوة توفر الاستقرار والأمن في المنطقة المحيطة بها (آسيا الوسطى والقوقاز والبلقان والشرق الأوسط والخليج وشمال افريقيا)، وسط مرحلة يتشكل فيها الهيكل الأمني ​​الغربي من جديد. والإنصات لمطالب تركيا الأمنية المشروعة، سوف يعزز حتما الجناح الجنوبي الشرقي لحلف شمال الأطلسي.
كاتب تركي


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)