توفيق رباحي يكتب: مرحبا بكم في عالم الجيوش «الفلتانة»!

profile
  • clock 27 يونيو 2023, 7:11:45 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

ما حدث للرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع مؤسس ميليشيا فاغنر وقائدها يفغيني بريغوجين، يشبه ذلك الرجل الذي جلب تمساحا إلى بيته ليتنمر به على جيرانه فإذا بالتمساح في لحظة غضب يحاول التهام صاحبه.
هناك أكثر من مشكلة في ما حدث، منها أن التمرد الذي قاده بريغوجين إدانة لبوتين ومنظومته الأمنية والعسكرية. فكيف غفلت الأجهزة الاستخباراتية الروسية عن هذا التمرد والرجل يصرخ منذ شهور سخطه من أداء الجيش الروسي في أوكرانيا ويتوعد وزير الدفاع وأركانه بسوء العاقبة؟
هناك أيضا أن هذا التمرد ستكون له تبعات على روسيا وقيادتها، لأن فاغنر تحوّلت مع الوقت إلى ميليشيا عابرة للقارات، وتمردها يعني الكثير. وقريبا ستصبح عبئا.
وهناك أن الذين راهنوا على بوتين كقائد سياسي واستراتيجي محنّك يجب أن يعيدوا حساباتهم.
لكن هناك أهم من كل ما سبق وأخطر، وهو تنامي الجيوش الموازية وتغوّلها خلال العقود الثلاثة الأخيرة لتأخذ مكانة الجيوش التقليدية وأدوارها. والخطير أن هذه «الجيوش» لم تعد شأنا محليا حكرا على البلد الذي أنشأها أو وظَّفها.
فاغنر هي الحالة الماثلة أمامنا، لكن قبلها الدعم السريع في السودان. وقبلهما تجارب أخرى كثيرة ومريرة.
فكرة الاستعانة بمقاتلين أجانب قديمة. في العصر الحديث لجأت إليها فرنسا التي اشتهر لديها «اللفيف الأجنبي» ويذكر الجزائريون الذين عاصروا فترة الاحتلال أن الجيش الفرنسي كان يضم في صفوفه سينغاليين وإيفواريين وأفارقة آخرين ومالطيين. كما استعانت بريطانيا في القرن التاسع عشر بـ«غوركا» (GURKHA) وهم مقاتلون أشداء من النيبال، بعد أن خبرت قدراتهم على الصمود والتضحية. ولا زال الجيش البريطاني يحتفظ إلى اليوم بفرقة من الـ»غوركا» يُعتقد أن تعدادها يناهز الأربعة آلاف مقاتل.
في العقود الأخيرة من القرن الماضي يجوز القول إن هذا النوع الجديد من المحاربين عبّر عنه عرب أفغانستان (وبدرجة أقل الشيشيان). بعد هزيمة الاتحاد السوفييتي تحوّل هؤلاء «المجاهدون» إلى عبء يتحتّم التخلص منه، فمنهم من عادوا لـ«الجهاد» في بلدانهم وراح آخرون يبحثون عن مسارح قتال أخرى تحت غطاء ديني فوجدوها في البوسنة والصومال وغيرهما.
في وقت لاحق اكتشف العالم الطبعة الغربية لهذا النوع من «الجيوش» عبر شركة بلاك ووتر (الأمريكية بالاسم فقط) في العراق. ثم برزت تجربة أوكرانيا التي يقاتل فيها جيش من الأجانب المدفوعين عقائديا وماديا قد يعادل الجيش النظامي الأوكراني، وميليشيا فاغنر التي تشغل مساحة من القتال تنافس مساحة الجيش الروسي النظامي. حرب أوكرانيا هي حرب المرتزقة بقدر ما هي حرب جيشين نظاميَين.

«الجيوش» الموازية، بنسختَيها الغربية وغير الغربية، خاضت في السنوات الأخيرة من الحروب، داخليا وخارجيا، أكثر مما خاضت الجيوش التقليدية

المحصلة أن «الجيوش» الموازية، بنسختَيها الغربية وغير الغربية، خاضت في السنوات الأخيرة من الحروب، داخليا وخارجيا، أكثر مما خاضت الجيوش التقليدية: اليمن، ليبيا، الشيشان، نيجيريا، السودان، أوكرانيا، العديد من الدول الإفريقية، حرب أرمينيا وأذربيجان وغيرها، كلها حروب وقودها مرتزقة أجانب ومحليون.
في كل هذه الحروب والصراعات الأهلية لجأت الأطراف المتصارعة على المصالح والثروات والنفوذ إلى سوق المرتزقة والمحاربين لتأجير رجال يقاتلون نيابة عنها. في مدن مهجورة ومطارات بعيدة عن الأعين تهبط طائرات شحن بلا أدنى أسباب الراحة محمَّلة بشبان يتجهون إلى مصيرهم المشؤوم.
في هذه المجموعات الجديدة شباب من جنسيات مختلفة لا شيء يجمع بينها، تدفعهم الحاجة المادية وعقائد عرقية أو دينية.. أفارقة، أستراليون، أمريكيون، فرنسيون، سوريون، ألمان، سودانيون وآخرون شكّلوا تعداد قوى حربية موازية.
ما شاهدناه خلال نهاية الأسبوع في روسيا، وقبلها في السودان منذ الربيع الماضي، إعلان بداية عهد جديد يُنهي احتكار الدولة للعنف والحروب. لو قامت حرب غدا في أمريكا أو أوروبا فلن تشذَّ عن هذه القاعدة ولن تخوضها جيوش تقليدية ولن يموت فيها جنود نظاميون. يثق قادة الدول الكبرى والمتنمّرة أنهم لن يواجهوا مشكلة تجنيد، فالعالم يفيض بالمحبَطين الذين ليس لديهم ما يخسرون. ويفيض بالمخدَّرين عقائديا ودينيا الذين لا حلم لهم سوى الموت من أجل ما يؤمنون به. ويفيض بالمال لاستئجار «خدمات» هؤلاء واستغلال شقائهم.
في هذه اللحظة وكل لحظة يجوب عملاء استخبارات ووكلاء ووسطاء دولا فقيرة بحثا عن مخبرين وجواسيس ومقاتلين مستعدين للموت. ويجوب آخرون أوساط الأقليات في الدول الغنية بحثا عن بؤساء بلا هويات وبلا وثائق إقامة لتجنيدهم في حروب ومهمات قتالية مقابل إقامة قانونية وجنسية بعد سنوات إذا ما عاد الراغب في الترشح حيًّا من مسرح القتال. إنها خصخصة الجيوش وحروب الوكالة.
انتشار الجيوش الموازية وتغوّلها هو استمرار منطقي لخصخصة السياسة والشأن العام، وتغوّل قوى سياسية واقتصادية جامحة: مارك زوكربرغ أقوى من رؤساء دول الاتحاد الإفريقي مجتمعين. إيلون ماسك قلّص مدة لقائه بالرئيس بايدن على هامش منتدى دافوس لأن بايدن تأخر عن الموعد، ويستطيع أن يترك الوزير الأول البريطاني أو الرئيس الفرنسي ينتظر وقتا طويلا ليقابله. الرئيس الصيني يحتاج إلى جاك مايون، مؤسس إمبراطورية «علي بابا» بقدر حاجته إلى وزير دفاعه أو أكثر. بيل غيتس سبق وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن الأسبوع قبل الماضي إلى بكين ليمهِّد لتلك الزيارة التي شغلت الأوساط السياسية والإعلامية في الغرب. الرؤساء والقادة الغربيون يصطحبون في زياراتهم إلى دول الشرق الأوسط والخليج رؤساء الشركات الكبرى وقادة المجمعات العسكرية، ويتركون الوزراء في مكاتبهم. كل هذا إدراكا منهم أن القوة لا يصنعها الوزراء.
أخيرا.. أنا من المؤمنين بنظرية المؤامرة. هذا الإيمان (القديم) يجعلني أقول إن العالم سيكتشف بعد سنوات أو عقود أن مغامرة قائد مجموعة فاغنر عملٌ وراءه مخابرات غربية، وأن بريغوجين مجرد عميل لم تتعب الاستخبارات الأمريكية والبريطانية كثيرا في تجنيده.


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)