توفيق رباحي يكتب: نهاية السودان على يد «حميدتي» والبرهان

profile
  • clock 25 أبريل 2023, 2:28:20 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

لديَّ رأي متشائم جدا حيال اقتتال العسكر في السودان وشكل نهايته. أرجّح أن هذا القتال الضاري سيقود إلى هاوية أخطر بسنين ضوئية من كل ما مرَّ على السودان. ربما حرب أهلية شاملة وتفكك البلاد إلى دول وولايات إحداها أكثر فشلا من الأخرى، إجلاء الرعايا الأجانب نذير شؤم على المدنيين السودانيين.
ما يحدث في السودان حرب بين «ربائب». جيش عمر البشير يقاتل ميليشيات عمر البشير، والسودانيون المساكين ضحايا هذا الجيش وتلك الميليشيات كما كانوا ضحايا للظلم والظلام في عهد البشير.
الهدنات المؤقتة، طويلة كانت أو قصيرة، لن تحل مشاكل السودان ولن تجلب له الاستقرار. قد توفر مؤقتا أرواحا بريئة وخرابا أكبر، لكنها لن تحل مشكلة الحكم في السودان ومن ورائه كل المشاكل الأخرى.
في هذا الصراع، المغلوب مغلوب والغالب مغلوب. هذا أحد الصراعات النادرة التي كل الأطراف فيها خائبة ومهزومة حتى لو انتصرت. الحقيقة الأكيدة أن السودانيين سيدفعون الثمن باهظا، حياتهم أولاثم عذابا وجوعا وتشردا وتخلفا. إنهم مُخيّرون الآن بين الطاعون والكوليرا.
أخطر ما في الحروب الأهلية تلك التي يكون طرفاها من العسكر أو تلك التي تُحرّكها دوافع عرقية ودينية. ما يجري في السودان فيه من هذا وأكثر: الأطراف الخارجية المُحرّضة. يضاف إليه أن كلًّا من طرفي القتال عسكري مثقل بالأمراض النفسية التي تجتاح العسكر العرب.
انتهاء هذا النوع من الحروب ليس سوى استراحة قد تقصر أو قد تطول عشرات السنين، لكن الفتنة عائدة حتما، وهناك عدّة أشكال لعودتها.
المشكلة في الصراع الحالي أن كل طرف يحمل من الأسلحة والأوهام ما يكفيه لتصديق أن النصر سيكون حليفه وأن العالم سيأخذه بالأحضان عندما ينجح في إبادة الآخر. لكن إبادة الآخر عسكريا لا تعني الانتهاء منه كليا لأن ذلك غير ممكن. والعالم لن يأخذه بالأحضان بل سيبدأ معه عوض ذلك شوطا جديدا من الحساب من دوافعه أن السودان غنيّ بالموارد وموقعه استراتيجي في مقابل أن قادته العسكريين تفترسهم أطماعهم الشخصية وأضعف من أن يجرؤوا على منع الأجندات الدولية والإقليمية التي تستهدف بلادهم.
الذي يحدث يختزل أيضا ابتلاء المجتمعات العربية بجيوشها إلى حد الورطة. ويختزل استسلام هذه المجتمعات، ومعها المجتمع الدولي، لوَهْم أن هذه الجيوش جزء من الحل، بينما هي في الحقيقة جزء من المشكلة والمشكلة عينها.
لا نهاية في الأفق لهذا القتال العبثي إلا بإحدى طريقتين: أن يضغط المجتمع الدولي والأمم المتحدة على طرفي الصراع ويجبرهما بكل الطرق على وضع حد للحرب، أو أن يُترك العَدُوَّان يتقاتلان حتى تنفد ذخيرة أحدهما وتخور قواه فيستسلم للآخر.

كما في سوريا وليبيا واليمن وحتى أوكرانيا، أثبت المجتمع الدولي فشله، وسيثبته مرة أخرى في السودان، وكما في بؤر النزاع الأخرى، أثبتت الأطراف الإقليمية أنها تدفع نحو التسويات بعين على الصراع فوق الأرض وأخرى على خيرات البلاد

لكن المعضلة أن المجتمع الدولي، الذي أثبت فشله في كل بؤر الصراع في المنطقة، لا يستطيع أن يضغط من دون أن تترتب عن ضغطه تبعات تؤسس لحروب أخرى مقبلة، ولا طرفا القتال ستنفد ذخيرتهما بالمعنى الحقيقي للنفاد، إذ سيواصلان القتال ولو بالحجارة وأكيد بالكلمة، وتلك أخطر أحيانا من الرصاص. وحتى عندما ينتهي الصراع بفوز أحد الطرفين، فتلك لن تكون النهاية بل البداية لمرحلة جديدة من صراع مفتوح.
لا أتخيَّل أن عبد الفتاح البرهان أو محمد حمدان دقلو سيستسلمان في نهاية المطاف. لكلا الرجلين سيكون الاستسلام خيانة: البرهان يخشى أن يحفظ له التاريخ أنه قضى على جيش حاضر في الحياة العامة والسياسية بقوة منذ انقلاب الجنرال إبراهيم عبود في 1958. و«حميدتي» يخشى غضب أتباعه من خيانته لهم بعد أن باعهم الوهم وزيّن لهم المستقبل ورديا.
التسليم باعتقاد أن الهزيمة على الطريقة التقليدية ممكن فيه تبسيط للقضايا وجهل بالذهنية العسكرية والميليشياوية. فوراء كل من البرهان و«حميدتي» جيش ومقاتلون وأسلحة وقبائل. والأخطر وراء كل طرف أوهام «تفوقية» وغرور ذاتي متضخم بأنه الأفضل للبلاد والأحق بقيادتها. لاحظْ كيف يسارع الطرفان نحو وسائل الإعلام الدولية لخطب ودّ العالم ومغازلة المدنيين السودانيين من خلال تصريحات ومواقف سياسية وكأنهما نموذج في الديمقراطية والنقاش الحر، بينما كلاهما أقرب إلى عصابة متعطشة للحكم منه إلى شيء آخر. ولاحظْ كيف يتودد كل طرف للأمريكيين والأوروبيين لإيهامهم بأنه صاحب الفضل في تسهيل إجلاء رعاياهم بسلام.
السودان في مأزق يحتاج خمسين سنة للخروج منه وخمسين أخرى للشفاء من جراحه. وبين اليوم والخروج والشفاء المأمول تكون قد برزت جراح جديدة ونُكثت أخرى قديمة.
مساكين الذين ثاروا على نظام البشير في 2019 وتبنَّوا العمل السياسي السلمي. مساكين لأن ثورتهم سُرقت، ولأنهم وثقوا في أصحاب البزات الخضراء حمَلَة البندقية. ومساكين أيضا لأن ما يحدث هو نهايتهم وقضى على المساحة الضيّقة أصلا التي كانوا يشغلونها. والقادم أسوأ لهم لأن «المنتصر» في هذه الحرب سيبدأ بالتهامهم فورا، ومثلما يفعل كل العسكر العرب، سيُحمّلهم جميلة أنه أنقذهم والبلاد من الشيطان ولذا عليهم الخضوع له وتمجيد فضله.
هناك معضلة الذئاب المحيطة بالسودان قريبا وبعيدا. إذا افترضنا أن القتال سينتهي بمفاوضات، فهي مفاوضات لن تكون في غياب «الذئاب». وكما في الصراعات الإقليمية الأخرى، سيكون حضورها سببا في تعميق الخلافات واستمرار التوتر، لأن الصورة في الغالب ستكون لمعسكرين يحتضن أحدهما الجيش بقيادة البرهان ويحرّض الآخر معسكرَ «حميدتي». كما في سوريا وليبيا واليمن وحتى أوكرانيا، أثبت المجتمع الدولي فشله، وسيثبته مرة أخرى في السودان. وكما في بؤر النزاع الأخرى، أثبتت الأطراف الإقليمية أنها تدفع نحو التسويات بعين على الصراع فوق الأرض وأخرى على خيرات البلاد تحت الأرض.
ورغم كل شيء يبدو ألا مفر من وجود «الذئاب».


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)