توماس فريدمان يكتب: حرب أوكرانيا.. المفاجآت مستمرة!

profile
  • clock 11 يونيو 2022, 3:57:52 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

في وقت لا يكاد الأميركيون يتفقون فيه على شيء، هناك أغلبية ثابتة منهم تؤيد منح أوكرانيا مساعدات اقتصادية وعسكرية سخية في حربها، وهو أمر مفاجئ مرتين حينما تستحضر أن معظم الأميركيين لم يكونوا يستطيعون تحديد موقع أوكرانيا على الخريطة قبل بضعة أشهر فقط، نظرا لأنه بلد لم تكن تربطنا به علاقة خاصة.

غير أن مواصلة ذاك الدعم خلال هذا الصيف ستكون مهمة مرتين في وقت تدخل فيه حرب أوكرانيا نوعاً من مرحلة مصارعة "السومو"، عملاقان يتصارعان حيث يحاول كل واحد منهما إسقاط الآخر خارج الحلقة، غير أن أيا منهما لا يرغب في الاستسلام أو قادر على الفوز.

ولئن كنت أتوقعُ بعض التآكل في هذا الدعم حينما يستوعب الناس إلى أي حد تتسبب هذه الحرب في ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة العالمية، فإنني ما زلت متفائلا ومفعما بالأمل في أن أغلبية من الأميركيين ستبقى على موقفها إلى أن تستطيع أوكرانيا استعادة سيادتها عسكرياً أو التوصل لاتفاق سلام معقول مع بوتين.

تفاؤلي على مدى القصير ليس مستمدا من قراءة استطلاعات الرأي، وإنما من قراءة التاريخ، وخاصة كتاب مايكل ماندلبوم الجديد «العصور الأربعة للسياسة الخارجية الأميركية».

ماندلبوم، الأستاذ الفخري للسياسة الخارجية الأميركية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، يحاجج بأنه إذا كانت المواقف الأميركية من أوكرانيا قد تبدو جديدة وغير متوقعة تماما، فإنها ليست كذلك في الواقع.

ذلك أنه إذا نظرنا إليها من منظور السياسة الخارجية الأميركية، فإننا نجد أنها مألوفة تماما في الحقيقة وقابلة للتنبؤ.

فطوال التاريخ الأميركي، تأرجحت بلادنا بين مقاربتين رئيسيتين للسياسة الخارجية، كما يشرح ماندلبوم في مقابلة معه، مكرراً بذلك تيمة رئيسية في كتابه: «مقاربة تركز على القوة والمصلحة الوطنية والأمن ومرتبطة بتيودور روزفلت، وأخرى تشدد على نشر القيم الأميركية والترويج لها ومرتبطة بوودرو ويلسون».

وإذا كانت هاتان النظرتان للعالم في تنافس في معظم الأحيان، فإن ذلك لم يكن واقع الحال دائما. ذلك أنه عندما كان يأتي تحدِّ من تحديات السياسة الخارجية ويكون متناغما مع مصالحنا وقيمنا، كان يستطيع حشد دعمٍ عامٍ واسع وعميق ودائم.

«حدث هذا في الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة»، يقول ماندلبوم، «ويبدو أنه يحدث الآن من جديد مع أوكرانيا».

ولكن السؤال الكبير حقا هو: لكم من الوقت سيدوم ذلك؟ الواقع أن لا أحد يعرف، لأن الحروب تتبع مسارات يمكن التنبؤ بها وأخرى لا يمكن التنبؤ بها.

المسار الذي يمكن التنبؤ به بخصوص أوكرانيا هو أنه مع ارتفاع التكاليف ستزداد المعارضة، سواء في أميركا أو بين الحلفاء الأوروبيين، والتي ستقول إن مصالحنا وقيمنا باتت مختلة في أوكرانيا، وستحاجج بأننا لا نستطيع اقتصادياً تحمل كلفة دعم أوكرانيا لدرجة تحقيق نصر تام – أي طرد الجيش الروسي من كل شبر من أوكرانيا – ولا تحمل كلفة تحقيق نصر تام استراتيجياً، لأنه إذا وجد بوتين نفسه أمام إمكانية هزيمة تامة، فإنه سيطلق سلاحا نوويا.

وبوسع المرء أن يرى مؤشرات على هذا الأمر في تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم السبت الماضي من أنه يجب على التحالف الغربي «ألا يعرّض روسيا للإذلال» – تصريح جر عليه احتجاجات في أوكرانيا.

في اثنتين من أهم الحروب في تاريخنا، الحرب الأهلية والحرب العالمية الثانية، يقول ماندلبوم، «كان هدفنا هو الانتصار التام على العدو». ولكن المشكلة بالنسبة لبايدن وحلفائنا هو أننا لا نستطيع تسطير هدف نصر تام على روسيا بوتين، لأن ذلك يمكن أن يشعل حرباً نوويةً – والحال أن شيئا مثل النصر التام قد يكون الطريقة الوحيدة لمنع بوتين من التسبب لأوكرانيا في نزف للأبد.

وهو ما يقودنا إلى المسار الذي لا يمكن التنبؤ به: فبعد أكثر من 100 يوم من القتال، لا يستطيع أحد أن يخبرك بكيف ستنتهي هذه الحرب. لكن الحروب الكبيرة غريبة. وبغض النظر عن كيفية اشتعالها، فإنها يمكن أن تنتهي بطرق لا يمكن التنبؤ به بتاتاً.

ودعوني هنا أقدّم مثالاً من خلال واحد من الاقتباسات المفضلة لدى ماندلبوم. إنه اقتباس من كتاب وينستون تشرشل حول حياة جده الأكبر«دوق مارلبورو»، والذي نشر في ثلاثينيات القرن الماضي:

«إن المعارك العظيمة، سواء كُسبت أو خسرت، تغيّر مجرى الأحداث، وتخلق معايير جديدة للقيم، وطرقا جديدة، وأجواء جديدة، في الجيوش وفي الدول، يتعين على الجميع الالتزام بها».

فكرة تشرشل، كما يحاجج ماندلبوم، هي أن «الحروب تغيّر مسار التاريخ وأن المعارك الكبرى تحسم نتيجة الحروب في كثير من الأحيان. والمعركة بين روسيا وأوكرانيا من أجل السيطرة على المنطقة المعروفة باسم «الدونباس» في شرق أوكرانيا لديها إمكانية أن تكون تلك المعركة».

وبأكثر من طريقة. فدول الاتحاد الأوروبي الـ27، حليفنا الرئيسي، هي أكبر كتلة تجارية في العالم. وقد خطت خطوات حاسمة مؤخرا لتقليص التجارة مع روسيا والاستثمار فيها.

ففي 31 مايو، وافق الاتحاد الأوروبي على خفض 90 في المئة من واردات النفط الروسي بنهاية 2022. وهذا لن يضر روسيا فحسب، ولكنه سيتسبب أيضا في ألم حقيقي لمستهلكي الاتحاد الأوروبي ومستثمريه، الذين بدأوا يدفعون مؤخرا أسعاراً فلكيةً مقابل البنزين والغاز الطبيعي.

غير أن كل هذا يحدث في وقت أصبحت فيه الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، تنافسيةً من حيث السعر مع الوقود الأحفوري، وفي وقت أخذ فيه قطاع صناعة السيارات عبر العالم يوسّع فيه بشكل مهم إنتاج المركبات الكهربائية والبطاريات الجديدة.

على المدى القصير، لا شيء من هذا يمكن أن يعوّض الانخفاض في الإمدادات الروسية. غير أنه إذا كانت لدينا سنة أو سنتان من الأسعار الفلكية لشراء الجازولين ونفط التدفئة بسبب حرب أوكرانيا، «فإننا سنرى تحولا كبيرا جدا في الاستثمار من قبل الصناديق الاستثمارية والقطاع في المركبات الكهربائية، وتوسيع الشبكة، وخطوط النقل، والتخزين طويل الأمد، والذي يمكن أن يحوّل السوق برمته من الاعتماد على الوقود الأحفوري نحو مصادر الطاقة المتجددة»، كما يقول توم بُرك، مدير«إي3جي» (حركة بيئة الجيل الثالث)، وهي مؤسسة بحوث تعنى بقضايا المناخ، مضيفا: «إن حرب أوكرانيا بدأت ترغم كل البلدان والشركات على تطوير مخططاتها بشكل دراماتيكي من أجل التخلص من الكربون».

وبالفعل، فقد وجد تقرير نشره الأسبوع الماضي «مركز بحوث الطاقة والهواء النظيف»، و«إمبر»، وهو مركز بحوث متخصص في قضايا الطاقة العالمية ويوجد مقره في برلين، أن 19 من أصل 27 دولة في الاتحاد الأوروبي «زادت بشكل جوهري طموحها بخصوص استخدام الطاقة المتجددة منذ 2019، وذلك بالتوازي مع تقليص توليد الوقود الأحفوري المخطط له في 2030 من أجل حماية نفسها من التهديدات الجيوسياسية».

وخلاصة القول إنه إذا لم تؤدِّ هذه الحرب إلى تفجير الكوكب بشكل غير مقصود، فإنها قد تساعد على دعمه وبقائه بشكل غير مقصود. ومع الوقت، إلى تقليص مصدر المال والقوة الرئيسي لروسيا.

ألن يكون ذلك مثيراً للسخرية؟

* توماس فريدمان كاتب صحفي أميركي

المصدر | نيويورك تايمز


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)