حكايات إحسان عبدالقدوس.. يقدمها: محمد عبدالقدوس

profile
  • clock 29 مارس 2021, 10:28:09 ص
  • eye 654
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز


(عندما قال له السادات: بلاش تكتب قصص وروح ربي أولادك)


علاقة الرئيس الراحل أنور السادات وأسرتها قديمة جدا تعود إلى سنوات ما قبل ثورة يوليو، والصورة المنشورة مع هذا الموضوع تؤكد على ذلك، وهي تعود إلى عام 1953، عندما كنا أطفال صغار، والسادات معنا على بلاج سيدي بشر، يداعبنا وكان في ضيافة حبيبي أبي إحسان عبدالقدوس وربنا يرحم الجميع! 

فما الذي أغضب السادات على أبناء الكاتب الشهير بعدما كبروا لدرجة أنه أتصل بوالدنا قائلا له في غضب: بلاش تكتب قصص وروح ربي أولادك!! وقال لي أبي بعد تلك المكالمة: السادات زعلان منكم قوي.. خللي بالكم من نفسكم!! وسبب الغضبة الساداتية أنني كنت مع أخي الحبيب "أحمد" ضمن تظاهرة الطلاب عام 1968م احتجاجا على الأوضاع السياسية القائمة والتي أدت إلى كارثة الهزيمة على يد العدو الإسرائيلي.. كنا أيامها في مقتبل الشباب نخطو خطواتنا الأولى بالجامعة.. أخي في الهندسة والعبد لله بالحقوق جامعة القاهرة، وانطلقت تظاهرة الطلاب الغاضبة في إتجاه مجلس الأمة كما كان يسمى في ذلك الوقت أو البرلمان، وكان السادات وقتها هو رئيسه، فأطل علينا من شرفة المجلس ليستمع إلى مطالبنا، ولمح أبناء صديقه الكاتب الشهير الذي يعرفهم جيدا ضمن الطلاب المتظاهرين! وفي المساء كانت المكالمة العاصفة! 

ولم نتراجع، بل ذهبنا في اليوم التالي إلى الجامعة حيث دارت إشتباكات عنيفة إمتدت إلى قلب القاهرة.. وتعرضت يومها إلى بهدلة شديدة جدا وعندما عدت إلى منزلي مساء لم يقل لي والدي شيئاً، بل نظر إلي بإشفاق واطمئن على إبنه المشاغب! 

وصدر قرار بإغلاق جامعات مصر كلها!! وفوجئ حبيبي أبي بأن أولاده مصممين على الذهاب إلى الجامعة رغم إغلاقها، ولم يمنعنا بل ترك لنا حرية إختيار القرار قائلا لي: أنا خايف عليك وعلى أخوك، وكان هناك إعتصام في هندسة القاهرة، وإستطعنا الوصول إلى هناك رغم محاصرة المكان كله بجحافل من الشرطة، وكان الأمن المركزي مازال في بداية تكوينه، وإستطعت مع أخي في الوصول إلى كلية الهندسة عن طريق القفز من أسوار حديقة الحيوان، وكنا أيام الشباب المبكر نملك خفة الحركة!! وكان هذا الإعتصام الذي ضم 300 طالب حديث العالم كله، فهي أول تظاهرة ضد عبدالناصر منذ أربعة عشر عاما أو من سنة 1954 عندما أحكم ناصر قبضته على البلاد والعباد! واستمر اعتصامنا أيام ثلاث وأخيرا تم فضه بعدما تلقينا دعوة من المسئولين بالدولة للذهاب إلى مجلس الأمة للحوار معهم. 

وكان هناك السادات والدكتور لبيب شقير وزير التعليم وشعراوي جمعة وزير الداخلية، وشاهدنا صديق والدي من جديد، ولم يقل شيئ لكنه دعانا جميعاً إلى الإنصراف في هدوء إلى منازلنا قائلا: رسالة الطلاب وصلت للرئيس وهو لا يمكن أن يسمح بحدوث صدام بين الثورة وأبناءها من الطلاب، وقال أن هناك إجراءات عاجلة للإصلاح سيتم إعلانها في القريب العاجل، وهذا ما حدث بالفعل حيث صدر بيان 30 مارس وتضمن إصلاحات عدة وعد بها ناصر ولم ينفذ منها شيء، وكان من الواضح أنها صدرت لإمتصاص الغضب. 

وفوجئ حبيبي أبي بعدها بما لم يخطر على باله.. خبر منشور في الصفحة الأولى بالأهرام في مكان بارز: "عزل جميع المسئولين الذين أشترك أولادهم في المظاهرات في بولندا"!! 

وتعجب حبيبي جدا من إبراز الخبر بهذه الطريقة! وشعر أن "الكلام لك يا جارة" ولم تمض أيام قليلة حتى تم عزله من رئاسة تحرير أخبار اليوم التي كان يرأس تحريرها منذ عام 1966!! 

وكان من الطبيعي أن يثور على أولاده الذين كانوا السبب في هذه المصيبة، لكن هذا لم يحدث لأنني كما أكدت لك أكثر من مرة.. حبيبي أبي مختلف عن غيره.. إنه يؤمن بالحب والحرية ويعطيها أولا لأقرب الناس إليه، فهو صادق في مشاعره وفعله يسبق قوله.. وربنا يرحمك يا حبيبي مليون رحمة، لكن عزله لم يدم سوى سنة واحدة وعاد من جديد إلى معشوقته الصحافة لأن صديقه السادات أصبح مشرفا عاما على إصدارات أخبار اليوم، وقال لناصر: "أنا عايز إحسان معايا", ونسى المكالمة العاصفة: بلاش تكتب قصص وروح ربي أولادك!! 



التعليقات (0)