دروس من أزمة أوكرانيا.. كيف أعادت "الحرب" صياغة التفكير بالأمن القومي؟

profile
  • clock 22 يناير 2023, 6:19:02 ص
  • eye 81
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

فيما أوشكت الأزمة الأوكرانية على عامها الأول دون أن تضع أوزارها بعد، وسط خطوط أمامية "ملتهبة"، وغياب أفق السلام، باتت هناك دروس تستخلصها الدول المشتركة فيها من تلك "الحرب".

أحد أهم تلك الدروس هو أن الأشهر الـ12 الماضية أجبرت القادة الأوروبيين على إعادة التفكير بجدية في نهجهم تجاه الأمن القومي، بحسب شبكة "سي إن إن" الأمريكية، التي قالت إن العملية العسكرية الروسية، أكدت شيئا واحدا، هو أن السلام في القارة العجوز لا يمكن اعتباره أمرا مفروغا منه، فلا يمكن أن يستمر الوضع الراهن المتمثل في عقود من الإنفاق المنخفض فيما الدفاع ليس أولوية سياسية.
 

ذلك الدرس تجسد بشكل واضح في ألمانيا، التي أنفقت لسنوات على جيشها أقل بكثير من العديد من حلفائها الغربيين، لكنها الآن تعيد النظر في نهجها الدفاعي في الداخل والخارج.

تحديث الجيش

فبعد أيام من بدء العملية العسكرية الروسية في فبراير/شباط الماضي، ألقى المستشار الألماني أولاف شولتز خطابا لافتا إلى البرلمان تعهد فيه بإنفاق 100 مليار يورو (108 مليارات دولار) لتحديث القدرة العسكرية الألمانية.

كما تعهد بأن ترفع ألمانيا إنفاقها الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، لتلبية الهدف الذي حدده حلف شمال الأطلسي، وإنهاء اعتمادها العميق على الطاقة الروسية، خاصة الغاز.

إلا أنه مع ذلك، فإن بعد ما يقرب من عام، فإن رؤية شولتز فشلت في أن تصبح حقيقة واقعة، بينما اتُهمت ألمانيا بالتقاعس عندما يتعلق الأمر بإرسال أسلحتها الأقوى إلى أوكرانيا، بحسب "سي إن إن".

وتصاعدت الانتقادات لألمانيا في الأيام الأخيرة، فيما زاد القادة الأمريكيون والأوروبيون من الضغط على برلين لإرسال دبابات ليوبارد 2 ألمانية الصنع إلى أوكرانيا، أو على الأقل السماح لدول أخرى بالقيام بذلك.

ويقدر الخبراء أن هناك حوالي 2000 دبابة ليوبارد قيد الاستخدام من قبل 13 دولة في جميع أنحاء أوروبا، ويُنظر إليها بشكل متزايد على أنها حيوية للجهود الحربية في أوكرانيا مع استمرار الصراع في العام الثاني، لكن يجب على برلين منح هذه الدول الموافقة على إعادة تصدير الدبابات الألمانية الصنع إلى أوكرانيا، فيما قاومت برلين حتى الآن الدعوات للقيام بذلك.

وأصر شولتز على أن أي خطة من هذا القبيل ستحتاج إلى التنسيق الكامل مع التحالف الغربي بأكمله، وأشار المسؤولون الألمان إلى أنهم لن يوافقوا على نقل تلك الدبابات ما لم توافق الولايات المتحدة أيضا على إرسال بعض دباباتها إلى كييف.

تحالف موحد

ويوم الجمعة، انهار اجتماع مهم للحلفاء الغربيين في ألمانيا دون اتفاق أوسع بشأن إرسال دبابات إلى أوكرانيا، بعد أن قال وزير الدفاع الجديد في البلاد بوريس بيستوريوس إن حكومته لم تتخذ قرارا بعد.

ورفض بيستوريوس المزاعم القائلة بأن ألمانيا كانت "تقف في طريق" "تحالف موحد" للدول المؤيدة للخطة، مضيفا "هناك أسباب وجيهة للتسليم، وهناك أسباب وجيهة ضده، يجب تقييم جميع الإيجابيات والسلبيات بعناية شديدة، ويشارك العديد من الحلفاء هذا التقييم بشكل صريح".

وقال دبلوماسي بارز في حلف شمال الأطلسي لشبكة "سي إن إن": إن تردد ألمانيا يمكن أن يكون له أيضا تأثير دائم على بقية أوروبا وربما يدفع أعضاء التحالف الآخرين بشكل أقرب تجاه الولايات المتحدة، حتى لو كانت ألمانيا مترددة في القيام بذلك.

وقد ازدادت الانقسامات في التحالف علنا في الأيام الأخيرة فقط في وقت سابق من الأسبوع، فرئيس الوزراء البولندي وصف ألمانيا بأنها "الدولة الأقل نشاطا خارج المجموعة"، واقترح أن بلاده قد ترسل الدبابات إلى أوكرانيا بدون موافقة برلين.

ورغم كل الانتقادات التي وجهت لتردد ألمانيا بشأن الدبابات، لعبت برلين دورا حاسما في دعم أوكرانيا خلال العام الماضي، التي حلت ثالثة في مساعدة كييف، بعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وفقا لمعهد كيل.

أسلحة فتاكة

وتطور الدعم العسكري الألماني لأوكرانيا بمرور الوقت؛ فتخلت برلين عن سياستها طويلة الأمد المتمثلة في عدم تسليم أسلحة فتاكة إلى مناطق الصراع، وصعدت مؤخرا من عمليات تسليم المعدات الثقيلة إلى أوكرانيا، بما في ذلك المركبات القتالية المدرعة للمشاة وأنظمة الدفاع الصاروخي باتريوت.

إلا أنه مع ذلك، تعتبر الحكومة الدبابات بمثابة خطوة كبيرة للأسلحة التي تم تسليمها لأوكرانيا حتى الآن، وتخشى أن تنظر موسكو إلى السماح باستخدام الدبابات الألمانية ضد روسيا على أنه تصعيد كبير.

ويقول الخبراء إن هذا التحفظ يعود جزئيا إلى نهج برلين البراغماتي في التعامل مع الصراع بشكل عام، مشيرين إلى أن الموقف العسكري الخجول نسبيا يعود إلى عقود من الزمان، مسترشدين بما قاله شولتز نفسه بأن "النتائج الدراماتيكية للحربين العالميتين اللتين نشأتا في ألمانيا".

وقال كريستيان مولينج، نائب مدير المجلس الألماني للعلاقات الخارجية، لقد كانت ألمانيا في زمن السلم منذ سنوات، ليست لدينا الخبرة في الإجراءات أو المشتريات لفعل أي شيء بسرعة في الوقت الحالي، مضيفا "الحقيقة هي أننا منذ عقود، رأينا ميزانيتنا الدفاعية هدية لحلفائنا لأنهم اعتقدوا أنها مهمة".

ومهما حدث في أوكرانيا، سيتعين على ألمانيا أن تطرح على نفسها بعض الأسئلة المهمة حول الأمن في السنوات القادمة، فالرغبة في تحسين القوات المسلحة الألمانية نمت بشكل ملحوظ منذ بداية الحرب.

وفي الأسبوع الماضي، استقالت كريستين لامبرخت من منصب وزيرة الدفاع وسط انتقادات لجهودها لتحديث الجيش، بعد أن كافحت من أجل فعل أي شيء ملحوظ مع 100 مليار يورو التي أتاحتها لها شولتز العام الماضي.

واتهم رئيس حزب الديمقراطيين المسيحيين، وهو حزب المعارضة الرئيسي في ألمانيا، المستشار بعدم أخذ خطابه العام الماضي على محمل الجد.

ماذا تريد ألمانيا؟

وتقول شبكة "سي إن إن" إن الشخص الذي يمكنه الآن إنفاق هذه الأموال هو بيستوريوس، إلا أن التساؤل الذي يجب أن يجيب عليه هو شولتز، إلى أي مدى ترغب ألمانيا في الذهاب إلى الوجود العسكري الجاد في أوروبا.

وفي ديسمبر/كانون الأول، اعترفت ألمانيا بأنها لن تلبي تعهد شولتز للناتو بشأن الإنفاق الدفاعي في عام 2022، قائلة إنها من المحتمل ألا تحقق الهدف مرة أخرى في عام 2023.

يقول خبراء دفاعيون إن ألمانيا ستجد صعوبة في التحرك لمسافات بعيدة أو بسرعة كبيرة في جهودها لتعزيز جيشها، بحسب مولينج الذي أضاف: "نعم، لقد التزمنا بإنفاق المزيد على أمننا، لكن بدون أي فكرة واضحة عما يجب إنفاقه بالضبط أو كيف يتناسب مع استراتيجية أمنية أوسع".

ويعتقد مولينج أيضا أن الطموحات الدفاعية الألمانية يمكن أن تعرقلها الإرادة السياسية: "لقد بُنيت المهن على أساس السرد القائل بأن ألمانيا دولة محبة للسلام، يتغير المزاج العام وربما يكون عند نقطة تحول، لكن سيكون من الصعب جدًا أن تكون القائد الذي دفع إلى جعل ألمانيا لاعباً رئيسياً في الأمن الأوروبي".

انحياز صريح

وقال أحد المسؤولين الألمان لشبكة "سي إن إن"، إنه سيكون من الصعب على السياسيين العاديين التحرر من العادات القديمة: "لديهم شك متأصل ضد الانحياز الصريح إلى الولايات المتحدة، وأمل خفي في أن العلاقة مع روسيا يمكن إصلاحها".

وقدمت برلين أيضا دعمها لأوكرانيا بطرق أخرى، فاتخذت إجراءات لفطم نفسها عن الغاز الروسي ووضعت مثالًا لبقية أوروبا، التي قلصت استهلاكها الإجمالي من الغاز منذ بداية الحرب.

وتقول الشبكة الأمريكية إنه لا شك في أن ألمانيا، أغنى دولة في أوروبا، قد استفادت بشكل كبير من سياستها المتمثلة في الحفاظ على أقدامها في معسكرين، مضيفة أنها محمية من قبل عضوية الناتو مع الحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع شركاء غير مرغوب فيهم.

وأضافت أنه على ألمانيا الآن أن تقرر بالضبط نوع الصوت الذي تريده في المحادثة الحالية التي تدور حول الأمن العالمي، فيمكن للقرارات التي ستتخذها في السنوات القليلة المقبلة أن تلعب دورا حاسما في تحديد أمن القارة الأوروبية بأكملها لعقود قادمة.

التعليقات (0)