د. علاء السيد يكتب : حرب روسيا وأوكرانيا وأسعار الطاقة والقمح والسلع الغذائية ..مصر الأشد تأثرا في العالم

profile
د. علاء السيد الخبير الاقتصادي والاستراتيجي
  • clock 10 مارس 2022, 11:31:49 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

اضطربت الأسواق العالمية والمحلية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية وهي مرشحة للمزيد من التأثر الشديد خلال الأشهر المقبلة وربما تمتد التأثيرات لدورة اقتصادية كاملة تستغرق عدة سنوات تحدث خلالها زلازل اقتصادية ومالية واجتماعية وسياسية وعسكرية أيضا.

في البداية أود التعليق على تأثير الحرب على أسعار النفط والقمح تحديدا ومقارنتها على مدار ال 52 أسبوعا الماضية:

فقد بلغ سعر برميل النفط خام برنت صباح اليوم الخميس 10 مارس 2022 مبلغ 114.65 $ ، حيث تذبذب السعر على مدار ال 52 أسبوعا الماضية بين 60.27 $ : 139.13 $ بنسبة تغير بلغت 67.65 % بمعنى أن السعر قد تجاوز الضعف ، ويتوقع أن تستمر الارتفاعات وربما يتجاوز السعر حد ال 200 $ وربما أكثر من ذلك بكثير إذا ما صدقت توقعات تفاقم الأوضاع العسكرية والسياسية والعقوبات الاقتصادية على الأرض.

أما عن أسعار القمح الأمريكي في بورصة شيكاغو فقد بلغت صباح اليوم 1156 $ لكل 100 بوشل (1 بوشل = 27 كغ قمح) حيث تذبذب السعر خلال ال 52 أسبوعا الماضية بين 593.25 $ : 1340 $ بنسبة تغير بلغت 72% ، بمعنى أن الأسعار قد زادت عن الضعف أيضا ، وهي مرشحة لمزيد من الارتفاعات حيث يمر العالم بأزمة غذاء طاحنة في ظل اضطراب شديد لسلاسل التوريد وتوقف النشاط الزراعي في أوكرانيا والعقوبات الاقتصادية على روسيا واستمرار اشتعال الحرب وتوقعات بتفاقمها واتساعها ، بل وتوقعات باشتعال بؤر صراع أخرى في مناطق متفرقة من العالم ، وبعد تأثيرات شديدة لسنتين من شبح ما يسمى بجائحة كورونا وتحوراتها وتداعياتها الاقتصادية المؤلمة على الاقتصاد العالمي.

وسوف تتأثر الدول الهشة اقتصاديا والأكثر اعتمادا على غيرها في تدبير طعام شعوبها غير المنتجة والتي لا تتمتع حكوماتها برؤى اقتصادية سديدة والتي تدار اقتصاداتها بشكل عشوائي والتي تعتمد في انفاقها العام على القروض الأجنبية.

وفي تقديري أن مصر هي أكثر الدول تضررا في العالم من الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها الاقتصادية العنيفة حيث تستورد نحو 70% من احتياجاتها من الخارج ولا تنتج غير نحو 3% من احتياجاتها من الزيوت النباتية ونحو 55% من احتياجاتها من القمح وتعتبر أكبر دولة مستوردة للقمح في العالم بغرض الاستهلاك فقط وليس بغرض التصنيع وإعادة تصدير منتجاته (كما هو الحال بالنسبة لتركيا على سبيل المثال والتي تستورد ملايين الأطنان من القمح القاسي بغرض تصنيع وإعادة تصدير المكرونة التي أضحت تحتل مكانة دولية مرموقة في انتاجها).

وتؤثر الأحداث الجارية بشكل مباشر وخطير على مصر على 5 محاور:

1. تقع الدولة المصرية تحت ضغط هائل نتيجة تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، ولا أتوقع أن لديها من الخبراء أو الإستراتيجيات والتكتيكات ما يمكنها من العبور بسلام من هذه الأزمة دونما تبعات مؤلمة.

2. أما الاقتصاد المصري فهو لا قدرة له على مواجهة الأزمة المالية والتمويلية الناتجة عن زيادة أسعار النفط والقمح عالميا وبخاصة أن السعر التقديري لبرميل النفط في الموازنة العامة للدولة 2021 / 2022 كان على أساس 61 $ فقط.

وسوف تضطر الدولة إلى رفع الدعم جزئيا عن رغيف الخبز وتقليص المستفيدين منه وكذا فيما يتعلق بزيادة أسعار المحروقات مما سيتسبب في موجة غلاء عاتية لكل السلع الغذائية وغيرها في الأسواق المحلية ولا أتوقع أن يحتملها المواطنين في ظل تدني الأجور وارتفاع نسبة البطالة وأزمة السيولة واقتراب شهر رمضان المبارك.

فقد كان الاقتصاد المصري يعاني قبل الحرب من وطأة الديون الخارجية الثقيلة وفوائدها المرعبة وأزمة السيولة في البنك المركزي المصري والجهاز المصرفي المصري ككل وخروج نحو 3.2 مليار دولار أمريكي من الأموال الساخنة من السوق المصري تحت إغراءات زيادة الفائدة على أذون الخزانة الأمريكية وهربا من تداعيات انخفاض قيمة السندات الحكومية المصرية في بورصة لندن بأكثر من ثلث قيمتها.

3. هذا بخلاف توقعات تخفيض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي بنسبة قد تتراوح بين 10% : 50% ربما خلال الشهر الجاري حرصا على عدم هروب المزيد من الأموال الساخنة من مصر واستباقا لتوقيع مصر على الاتفاقية المرتقبة لطرح الدين المحلي بالجنيه المصري كسندات دولية في بورصة يوروكلير ببلجيكا قبل نهاية مارس آذار الجاري.

4. ونظرا لتوقعات زيادة الفائدة على أذون الخزانة الأمريكية مجددا على مراحل خلال السنة الجارية والسنتين القادمتين حيث يتوقع أن تصل لنحو 2.5% تقريبا؛ فإنه يتوقع خروج المزيد من الأموال الساخنة من السوق المصرية. 
كما أتوقع أن تهرب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى أسواق أكثر استقرارا سياسيا واقتصاديا في ظل عجز الحكومة المصرية عن إدارة ملف الاقتصاد والموارد البشرية والطبيعية والمالية بصورة راشدة.

5. وفي الختام يتبقى أثر هذه الأحداث العالمية على الشعب المصري الذي يقبع نحو 60 % منه تحت حد الفقر وتتلاشى تدريجيا الطبقات المتوسطة وفوق المتوسطة من الشعب تحت ضغوط هائلة دون زيادة في الإنتاج أو إصلاح هيكلي حقيقي للاقتصاد المصري.

ومن جانب آخر فإن العمل على زيادة صادرات مصر من الغاز الطبيعي إلى أوروبا يعد اتجاها إيجابيا أتصور أن باستطاعة حكومة رشيدة في مصر الاستفادة منه في هذه المرحلة.

كما ينبغي العمل فورا على زيادة المساحة المنزرعة بالقمح وإن كان ذلك أمر قابل للتحقق جزئيا وفق شروط فنية واستراتيجية ولا أتوقع أن تنتهجها الدولة.

حيث أرى أن الحل الأمثل يتمثل في ضرورة سعي مصر للزراعة في اراضي مستأجرة ببعض الدول الأفريقية وفق بروتوكولات ينبغي الإسراع في توقيعها وتنفيذها بشكل فوري ضمانا لتحقيق الأمن الغذائي لأكثر من 100 مليون مواطن مصري يعتبر القمح غذائهم الرئيسي….وللحديث بقية.


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)